رواية ما وراء النفوس الفصل الثاني 2 بقلم مريم ابوعمر

رواية ما وراء النفوس الفصل الثاني 2 بقلم مريم ابوعمر

رواية ما وراء النفوس الفصل الثاني 2 بقلم مريم ابوعمر 

وظهرت على وشّه معالم الصدمة، وفجأة لقيته بيحوّل الطريق ويرجع ناحية البيت.

سألته بقلق:

– إنت رايح فين يا أدهم؟

رد عليّا بصوت متوتر:

– عمي… الخدامة رنّت عليّا، بتقول إن عمي أغمي عليه، وطلبوا الدكتور. لازم نروح حالًا.

كل ده وهو سايق بسرعة، وأنا مش مستوعبة اللي بيحصل.

إمبارح فقدت ماما…

والنهارده بابا؟

الفكرة خبطت في دماغي، ودموعي نزلت من غير ما أحس.

أدهم خد باله، وبص لي بسرعة وقال:

– اهدي يا حبيبتي… عمي بخير إن شاء الله، ده ممكن يكون تعب من قلة راحته.

ردّيت بصوت مهزوز:

– إن شاء الله…

وصلنا البيت في أقل من خمس دقايق.

دخلنا على صوت جملة من الدكتور، حسّيت إنها كسرت قلبي قبل ما تكسرني أنا.

قال بجدية:

– لازم يتنقل مستشفى ضروري… حالته الصحية مش أحسن حاجة.

أدهم رد فورًا:

– تمام يا دكتور، شوف الأحسن بالنسبة لصحته واعمله.

هز الدكتور إيمن راسه:

– طبعًا يا أدهم باشا، استأذن أنا، وهبعت لحضرتك عربية الإسعاف.

وقفت مكاني، رجلي مش شايلاني، وحاسّة إن الدنيا بتتسحب من تحت قدمي.

مش قادرة أستوعب…

ولا قادرة أعيّط.

سؤال واحد بس كان بيلف في دماغي:

– هو أنا هستحمل كام صدمة كمان؟

وصلت عربية الإسعاف، ونقلوا بابا على المستشفى.

روحت مع أدهم، واطمّنت إنه كويس، بس محتاج راحة ومتابعة.

مسكت إيد أدهم وقلت له بهدوء:

– محدش يعرف بتعب بابا… لا قريب ولا غريب.

بص لي شوية، وبعدين هز راسه:

– تمام.

سيبنا بابا يرتاح، ورجعنا على مقر التدريب.

هناك…

كنت بفرّغ كل اللي جوايا.

بضرب بسرعة وبقوة غريبة، كأني بحاول أطلع الوجع من جسمي.

أدهم كان واقف بيراقبني، والصدمة باينة على وشّه.

حسّيت إنه شك في حاجة.

أصل أدهم… الوحيد اللي بيفهمني من غير ما أتكلم، رغم كل الخناقات اللي بينا.

بعد التدريب، رجعنا نطمن على بابا.

ولما اتأكدنا إن حالته مستقرة، قلت لأدهم:

– أنا هبات مع بابا النهارده، وهطلع الصبح أغير ونرجع، وبعدها نروح على التدريب.

اعترض فورًا:

– لا، مستحيل.

كنت فاهمة سبب رفضه، فتكلمت بهدوء وأنا بطمنه:

– متخافش… هنام، مش هفضل صاحية.

بص لي بنظرة شك:

– طب أنا هقعد معاكِ، والدكتور أكيد هيوافق.

بصراحة، كنت تعبانة جدًا…

وما صدّقت، عشان أدهم يقعد مع بابا لو أنا غفلت.

دخلنا الأوضة،

أنا على الكرسي جنب السرير،

وأدهم على الركنة.

مسكت إيد بابا وقلت بصوت مخنوق:

– إيه يا بابا… كنت عايز تسبني وتمشي زي ماما؟

– أنا زعلانة منك على فكرة…

الدموع نزلت، حاولت أهدى.

أدهم ما تدخلش… سابني براحتي.

غفلت من الإرهاق.

ولما فتحت عيني، لقيت نفسي نايمة على الركنة.

فهمت إن أدهم نقلني عشان أرتاح.

بس فجأة…

لمحت حد بيطلع من شباك الأوضة.

لابس أسود في أسود.

غمضت عيني تاني، مستنية أشوف هيعمل إيه.

ثواني…

اتفاجأت بيه دخل الأوضة واتجه ناحية سرير بابا.

قمت بسرعة ومن غير صوت، وقفت وراه، وخطفت الفازة اللي كانت على الترابيزة الصغيرة جنب السرير، وضربته على دماغه بكل قوتي.

وقع على الأرض في سكون.

خرجت من الأوضة بسرعة أدور على أدهم.

لقيته داخل من برّه، في إيده الموبايل، واضح إنه كان بيعمل مكالمة.

قربت منه بثبات، وقلت:

– في واحد كان في الأوضة… حاول يأذي بابا. ضربته على دماغه. تعال شوف.

ما استنتش رد فعله، ودخلت الأوضة قدّامه.

قربت من الراجل اللي واقع على الأرض، وشيلت القناع من على وشّه.

هنا… الصدمة كانت أقسى من أي حاجة.

ده صاحب بابا.

أدهم اتجمّد مكانه.

الصدمة على وشّه كانت أضعاف اللي حسّيت بيها.

بصّيت له وقلت بهدوء:

– على المخزن اللي في البيت. نعرف هو تابع مين… وبعد كده نسلّمه.

أدهم أخد نفس تقيل، وهز راسه موافق.

شاله ودخّله العربية، وطلع بيه على المخزن.

أنا فضلت مع بابا شوية، أطمن عليه.

الهدوء كان تقيل بطريقة تخوّف.

وفجأة…

سمعت نغمة تليفون بيرن.

قعدت أدوّر في الأوضة لحد ما لقيت تليفون صاحب بابا واقع على الأرض.

مسكته، لقيته بيرن… رقم متسجل باسم هيثم.

فتحت المكالمة، وحطيت التليفون على ودني، متكلمتش.

سمعت صوت راجل بيقول بحدة:

– خلّصت عليه ولا لسه؟

سكت لحظة، وكمل بنبرة أخطر:

– والبنت اللي اسمها خلود دي… جبتها؟ ولا عملت إيه؟

– إنت ساكت ليه؟ ما تنطق!

قلبي كان بيدق في وداني.

من غير ما أستنى، قفلت المكالمة، وطفيت التليفون خالص.

في اللحظة دي، أدهم دخل الأوضة…

وبابا كان بيفوق.

جريت عليه بسرعة:

– عامل إيه يا بابا؟ طمّني عليك.

رد بصوت مجهد:

– الحمد لله يا حبيبة بابا… إنتِ عاملة إيه؟ وإنت يا أدهم؟

أدهم قرّب وقال بهدوء:

– كويسين الحمد لله، المهم تقوم لنا بالسلامة.

قعدنا مع بعض شوية، ومحدش فينا حب يقول لبابا على اللي حصل.

الدكتور طلب من بابا يفضل في المستشفى كام يوم لحد ما حالته تتحسن.

بعد ما اتأكدنا إن بابا مستريح، أنا وأدهم رجعنا البيت، ونزلنا على المخزن.

وهناك… كان أحمد، اللي كان المفروض صاحب بابا.

طلع أوطى من أي حد كنت متخيلة.

أحمد بسخرية:

– بنت المحمدي المدللة واقفة في مكان زي ده ليه؟

رديت عليه بحدة:

– وانت يا صاحب أبويا؟ يا عشرة عمره؟ تبيعه؟ تبيع اللي كلت معاه عيش وملح؟

ضربته لكمة قوية في وشه.

أدهم شدني بعيد قبل ما أتهور.

أحمد ببرود:

– متشدش أعصابك كده يا حضرة الضابط…

– عشان ليك عندي مفاجأة من العيار التقيل.

الكلام ده خوّفني جدًا.

وجه كلامه ليّا بنبرة شبه ساخرة:

– صح… البقاء لله في والدتك، عقبال أبوك.

الدم غلي في عروقي.

ضربته تاني لحد ما بُقه نزف.

أدهم بعدني بالعافية.

وفجأة قال:

– هو إنت يا أدهم… تعرف مين موت أبوك وأمك؟

شفت عيون أدهم بتغيم، والغضب بيطلع منه.

مسكته وقلت بحزم:

– اطلع فوق يا أدهم… يلا.

أحمد ضحك، مستمتع باللي بيحصل:

– أنا يا أدهم… أنا اللي موتهم.

أدهم فقد السيطرة، اندفع وضربه بكل قوته.

أحمد وقع… وغمى عليه.

عدلت الكرسي، وأكدت على الحبل، وطلعت ورا أدهم اللي اتفاجأت بيه بيركب العربية وطلع على أقصى سرعة.

ركبت عربية ماما لأول مرة بعد وفاتها، وطلعت وراه.

الوضع كان شبه خالي حواليه، نزلت وراه، وسمعت صوته، وهو ضهره ليا:

— إيه اللي جابك ورايا يا خلود؟

طلع صوتي مهزوز:

— قلقت عليك… عشان كده جيت يا أدهم.

رد عليّ بصوت مخنوق من العياط، وهو بينزل على الأرض:

— أنا عارف مين اللي موت أمي وأبويا قدامي… وموت أمي التانية… قصده هنا أمي… وكان هيموت عمي ومش عارف أعمل حاجة.

انهار وأنا واقفة مش عارفة أتصرف إزاي.

حاولت أهديه، والحمد لله ربنا ساعدني، وقدرت اهديه و أخليه يركب معايا العربية.

قلتله:

—و هنبعت السواق يجيب عربيتك. 

فعلاً سمع كلامي لأول مرة من غير نقاش، وطلعنا على البيت الأول عشان نغير، وإذا كان هنأكل حاجه.


وصلنا البيت الأول عشان نغير، وإذا كان هنأكل حاجه.

وصلنا، وطلبت من عم محمد يروح يجيب العربية.

طلعت ورا أدهم اللي راح على أوضته، وأنا كمان دخلت أوضة ماما وبابا، وفضلت قاعدة شوية بتفرج علي صورهم.

دخلت أخدت شاور وغيرت، ولقيت تحاليل في دولاب بابا، بس ما ركزتش عليهم وخرجت.

لقيت أدهم واقف في المطبخ بيحضر أكل، لأن طنط هاجر أخدت إجازة بعد موت ماما.

قلت بهزار:

– إيه ده… القائد أدهم المحمدي واقف في المطبخ يا ناس!

ضحك أدهم وقال:

– عادي يا بنتي.

بصلته كده:

– ده أنا لما كنت بقولك هاتلي ميه، كنتي تقولي: "أدهم المحمدي يدخل المطبخ"، ونهيت كلامي بضحكة صغيرة.

ضحك، وبصلني ضحك… وده اللي كنت عايزاه.

وقفت معاه في المطبخ بنتكلم، وكان في البيت عم محمد بعد ما جاب العربية، بعتبره زي بابا بالظبط، سلمت عليه.

كملت كلامي مع أدهم، وحاولت أنسىيه كلام أحمد.

خلص الأكل، خرجنا، وأكلنا مع عم محمد وأولاده.

بعدها طلعنا على المستشفى، بس أنا سبقت أدهم، لأنه بيقول إن وراه حاجة هيعملها وهيجي.

وصلت المستشفى بعد ما كنت على وشك أعمل حادثة بسبب شاب متهور.

كنت لسه هخبط على باب أوضة بابا، سمعت الدكتور بيقول بعصبية:

– مينفعش كده يا محمود… قولتلك انت وادهم آخر مرة كنتوا 

هنا انك عندك … 

وهنا… كانت لحظة الصدمة بالنسبة لي.

            الفصل الثالث من هنا 

تعليقات