سكريبت ما بين انا وانت (كامل) بقلم ملك عبدالله
إيه اللي إنتِ لبساه ده؟!
رفعت عيني من المراية بهدوء مصطنع:
— ده بنطلون أوفر سايز من SHEIN… تحب أجيب لك واحد؟
ابتسم ابتسامة ما بين الغِل والهزار التقيل:
— لا يا عيوني، أنا عايز أفـ.صل راسـك عن جـ.سمك وأرتاح من الهم اللي بشوفه كل يوم.
ضحكت ضحكة قصيرة، مستفزة أكتر ما هي خفيفة:
— للدرجة دي واقع في حبي؟ ده أنا قلت الحب بينا خلاص قل.
اتقلب صوته فجأة، خرج من الهزار للتهديد:
— بت! اتعدّلي لأعدّلك، مش ناقص كل يوم نفس الحوار الزفت.
بعدت عنه وأنا بكمل تجهيز نفسي عشان ألحق الجامعة
وردّيت ببرود مقصود:
— والله قول الكلام ده لنفسك، كفاية أسطوانة كل يوم…
ريّح نفسك عشان تريحني.
مشيت كام خطوة…
وفي لحظة غريبة، استسلامه السريع خلّاني أتشك.
لكن ما لحقتش أفهم، غير وأنا سامعة صوت المفتاح
والباب بيتقفل عليّ.
اتجمّدت مكاني دي أول مرة يعملها.
— يـونس! إنت بتعمل إيه؟ افتح الباب!
جاله صوته من ورا الباب، ثابت:
— لا. مش هفتح يا عيون يونس غير لما تغيّري وتلبسي لبس يرضي ربنا أولًا… وبعدها يرضي جوزك.
نفخت بضيق.
تعبت.
تعبت من تصرفاته اللي مش مباحة ليّ ولا حتى مبررة.
كلامه مش كله غلط بس أنا حُرّة مزاجي حُر.
حسابي عند ربنا أنا…
هو ماله؟ مين فينا اللي هيقف قدّامه؟!
— يـونس افتح متتهزرش، لبسي واسع، وكلامك غلط وبطّل تصرفات ملهاش لازمة.
جالي الرد ببرود أوجع:
— إنتِ قولتي اللي عندك، وأنا قولت اللي عندي
الباب مش هيتفتح غير لما تغيّري.
قلبي دق بعصبية.
— يـونس! أنا ورايا امتحان في الجامعة هتأخر.
ضحك ضحكة قصيرة من برّه:
— متقلقيش، صاحب الامتحان لسه واقف معاكي
مش هيفوتك غير لو مسمعتيش الكلام.
استغفرت ربنا…
الزهق كان مالي صدري بس قررت ألعبها بخبث:
— تمام… لا الدكتور يروح، ولا أنا وبكده مفيش امتحان.
سكت لحظة…
وبعدين قال بثقة مستفزة:
— إيه الثقة دي؟ ما أنا ممكن أسيبك وأمشي عادي.
قربت من الباب، صوتي نزل واطي:
— مش هيهون عليك تقفل عليّ وتسيبني… صح؟
ضحك ضحكة فيها غُلب حقيقي:
— صح… عمرك ما تهوني عليّ.
وسكت ثانية قبل ما يكمل بخبث لزج:
— بس عادي مش شرط هخلّي معيد المادة هو اللي يمتحن بدالي مش شرط الدكتور.
— يـــــونس!
— عيونِه.
— أنا تعبت من الجدال.
— يبقى اسمعي الكلام.
— أنا مش مقتنعة.
— مش مهم تقتنعي، أنا ياما حاولت أقنعك ومفيش فايدة.
شدّيت نفسي بالعافية:
— يا يـونس، أنا لبسي واسع، مش ضيق ولا حاجة.
ضحك ضحكة قصيرة، كلها سخرية:
— آه مش ضيق… بس في الآخر بنطلون.
عليه توب وشميز، يعني إيه؟
يعني إيـه النتيجة الزفت دي.
اتنفست بحدة:
— إنت واخدني كده من بيت أبويا أنا اللي هتحاسب مش إنت.
وقف فجأة، صوته علي:
— يعني إيـه واخدك كده من بيت أبوكي؟
ولما ربنا يسألني عنك أقول له أصل أخدتها كده من بيت أبوها؟
ويعني إيه مش هتحاسب عليكِ؟
إنتِ هبلة؟
هو أنا مش جوزك ولا إيه؟
وسكت لحظة قبل ما يكمل بحدّة جارحة:
— وهتحاسب عليكِ، بت اتعدّلي واخلصي.
الجدال ده بيحصل كل يوم.
بقيت متعودة لا هو بيزهق ولا أنا بعرف أسكت.
بس المرة دي تعبت الكلام كتر، والوقت اتأخر وكان لازم أسمع كلامه على مضض.
اتنهدت بضجر، واستسلمت:
— ماشي يا يـونس…
بس أنا مش مقتنعة، تمام؟
وكلامك مستفز وكمان آخرة الموضوع ده صدقني مش هيبقى خير في الآخر.
غيّرت.
لبست دريس عَسول، مش هنكر بس عمري ما حبيته
ولا عمري ارتاحت فيه.
خرجت من الأوضة بهدوء من غير ولا كلمة.
نزلت…ونزل ورايا.
ركبنا العربية،والصمت كان حاضر كعادته في الفترة الأخيرة.
صمت اتعودنا عليه
زي ما اتعودنا على كل حاجة بتوجع ومش بنعترف بيها.
يـونس…
زوجي من سنة أنا وهو ولاد عم اتجوزته وأنا عندي عشرين سنة.
ليه وإنتِ لسه صغيرة؟
الحُب.
الحُب اللي عَمّاني، وخلّاني ألغِي نفسي وعقلي وأقرر أتجوز.
مش هكدب…
يـونس عمره ما قصّر معايا ولا مرة حسّيت إني اتظلمت عشان اتجوزت بدري.
كان دايمًا موجود
مسؤول
وسِند… بطريقته.
بس الحاجة الوحيدة اللي من يوم جوازنا لحد النهارده
لسه واقفة بينا زي حيط عالي
لبسي.
سنة كاملة وهو بيحاول معايا.
كلام ضغط غضب وهدوء مصطنع.
وسنة كاملة وأنا لسه على قراري.
وبالمناسبة أنا بدرس هندسة
ويونس دكتور بيُدرّس في الجامعة اسم الله عليه.
____
— والله كنت عارفة بس سيبتك تحلمي.
إمبارح تبعتيلي الأوتفيت بُصي يا سلمى، هلبس ده
تفتكري يليق؟ أحط طرحة لون إيه؟
وفي الآخر لبستي الدريس.
سكتت ثانية، وبصّتلي بنص ابتسامة:
— يا ترى بقى ده اختيارك إنتِ؟ ولا اختيار الدكتور؟
انفجرت:
— زفّت عليكم إنتوا الاتنين!
بجد مفيش أتقل من دمكم في حياتي.
مش فاهمة مالكم وإيه التعقيد اللي في دماغكم ده.
ماله لبسي؟
واسع… وحلو.
— بس حرام يا منّة…
قلبت بحدّة:
— بلا منّة بلا زفت!
مش أنا اللي هتحاسب؟ هقف قدام ربنا لوحدي
ماله بجد؟
حريتي الشخصية يا سِتي… الله!
اتشدّت نبرتها:
— الحرية الشخصية اللي بتتكلمي عنها تبقى في اختيار ديكور بيتك، مش في الدين.
الدين مفيهوش حرية شخصية ده سمعًا وطاعة يا منّة.
ضحكت بمرارة:
— اتكلمي زيه وخلاص مفيش فايدة.
— إزاي مفيش فايدة؟ جوزك بينصحك!!
بينصحك عشان ده الشرع اللي ربنا أمر بيه وعشان تدخلي الجنة.
غير إنه إزاي مش هيتحاسب عليكِ؟
مش هو الراعي والمسؤول عنك؟
يبقى هيتسأل على حرمة بيته.
زمان قبل جوازك كان أبوكِ هو الراعي عليكِ
وهو اللي بيتحاسب.
دلوقتي المسؤولية اتشالت من عليه وبقت على جوزك يا منّة.
والحقيقة معنديش مبرر لعدم فهمك للموضوع.
إزاي كده؟ وإزاي بتتهاوني في حاجة زي دي؟
وسكتت لحظة قبل ما تقولها بوضوح قاطع:
— بالمناسبة…
لبس البناطيل حرام شرعًا قولًا واحدًا لا لُبس فيه ولا تأويل.
ولما تخرجي من بيتك وأنتِ لابسة بنطلون خليكي متيقنة
إنكِ بتعصي أمر من أوامر الله عزّ وجل وبتخالفي اللي أُمرتِ بيه من ستر وطاعة.
والأمر مش بيقف عند حدود المعصية وبس ده بيعدّي للمجاهرة.
والمجاهرة باب خطير بينزع ستر الله عن العبد ويعرّضه لسخط لا يُؤمَن عقباه.
المسلم مأمور يستتر بستر الله وإن ابتُلي بذنب
يخفيه، ويُبادر بالتوبة،مش يفضح نفسه ولا يخلي المعصية حاجة عادية قدّام الناس.
وقد قال النبي ﷺ:
«كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ».
ومن المجاهرة إن العبد يعصي ربّه بالليل،ثم يصبح وقد ستره الله، فيهتك الستر ويقول
فعلت كذا… وفعلت كذا.
فكيف بمن يخرج متعمّدًا، ويُظهر المعصية للعيان، ويمشي بها بين الناس كأنها ولا حاجة؟
وتفتكري بعد ده إن الموضوع هيّن؟
وإنك بتجاهري بمعصيتك عادي؟
هنا لازم وقفة ومراجعة حسابات مع الدين،مش مع الناس
ولا الموضة،ولا المبرّرات.
وافتكري حديث النبي ﷺ:
«كُلُّكُمْ رَاعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
الرجل راعٍ في أهل بيته ومسؤول عنهم والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها.
وكلٌّ سيُسأل وكلٌّ سيقف بين يدي الله وحده.
لا تبرير هينفع، ولا تعوّد هيشفع.
الطاعة نجاة، والستر رحمة، والرجوع إلى الله
والدك لو لسه في بيته، هيتسأل عليكِ.
ويا ليت الأمر يقف عند هذا فقط ده والدتك كمان.
وزوجك لو بقيتِ في بيتك، كلٌّ على قدر مسئوليته، وكلٌّ على قدر ما فرّط أو قصّر أو سكت.
مش معنى إنكِ كبيرة إن الحساب سقط.
ولا معنى إنكِ فاهمة إن الولاية انتهت طالما خرجتِ من البيت، وطالما في يدهم توجيه، أو نصح،أو منع…
فالمسؤولية قائمة،والسؤال واقع،والوقوف بين يدي الله
حقّ لا مفرّ منه.
فما بالكِ ببنت خرجت متبرّجة أو مخالِفة لأمرٍ شرعي، وأهلها يرون…
ويسكتون؟ وما السكوت إلا صورة من صور الرضا
وما الرضا إلا اشتراك في الإثم ولو بالقلب.
الأب راعٍ، والأم راعية، وأنتِ رعيّة.
وكلُّ راعٍ مسؤول.
لا أمام الناس، ولا أمام المجتمع، بل أمام الله
الذي لا تخفى عليه خافية.
القضية مش بنطلون وبس ولا لبس وخلاص.
القضية طاعة أو معصية، ستر أو مجاهرة، نجاة أو هلاك.
راجعي حساباتكِ مش خوفًا من كلام الناس لكن خوفًا من يوم لا ينفع فيه إلا القلب السليم.
من باب المجاهدة…
كلّنا بنجاهد، مافيش حد واصل، ولا حد معصوم.
أنا بجاهد، وإنتِ بتجاهدي، وبتبعدي — ولو ببطء —
لكن بصدق، عارفة ومستوعبة حجم المعصية وحاسّة بثقلها على قلبك، ومش متعايشة معاها كأنها عادي.
وده فرق كبير… فرق شاسع بين بنت بتجاهد وبتحاول وبين بنت لا بتجاهد ولا حتى ناوية، عارفة تمام العلم إنها بتعصي، لكن لا تبالي ولا يهمّها، ولا حتى بتسأل نفسها
أنا رايحة فين؟
طيب خلّينا نفترض — إن عمرنا انتهى دلوقتي
اللحظة دي هتقفي قدّام ربنا
وتقولي له إيه؟
هتبرّري إزاي؟
هتقولي رفضت أوامرك ليه؟
قدّمت هواك على رضاك ليه؟
ما ينفعش نفضّل نكرر
أنا عارفة إني بعمل حاجات غلط، وعارفة إني هتحاسب
بس مستنية الوقت اللي ربنا يهديني فيه.
الكلمة دي خطيرة لأن الهداية مش انتظار الهداية سعي ومجاهدة وخُطوة ناحية الله.
أيوه ربنا بيهدي فعلًا بس بيهدي اللي بيجاهد
اللي بيقع ويقوم،اللي يغلط ويرجع ويحاول تاني
مش اللي مستريح في المعصية
وبيأجل التوبةوكأن العمر مضمون.
المجاهدة نجاة،ولو كانت صعبة ولو كانت متعبة، لكنها الطريق الوحيد اللي يخليك تقفي قدّام ربنا وقلبك مش مكسور من التفريط.
كلامها واقعي،
ومش بس واقعي… ده الشرع فعلًا.
لا منطقة رمادي، يا جنّة يا نار.
أنا عارفة ده،وعارفة العواقب، عارفة الطريق، وشايفة نهايته بعيني.
لكن مش عارفة ليه بفضّل واقفة على العتبة.
ليه بخطو لقدّام وأرجع نص خطوة؟
ليه الفهم موجود
والإرادة لسه متأخرة؟
أنا مش جاهلة
ولا منكِرة
ولا حتى غافلة.
أنا واعية، بس مش واصلة.
عارفة إن رضا ربنا مش فكرة، ده اختيار كامل،واستسلام تام وقطع مع اللي بيشدّ لورا.
يمكن الخوف؟
يمكن التعلّق؟
يمكن النفس اللي لسه بتحاول تفاوض؟
— يلا عشان الامتحان يا منّة!
مشينا بسرعة، ودخلنا المدرّج اللي هنمتحن فيه.
واضح إننا اتأخرنا جدًا…
لدرجة إن المدرّج كان شبه مليان.
لفّينا بعينينا بندوّر على أي مكان فاضي، بس الدفعة كلها كانت محتلة الكراسي صف صف لحد آخر المدرّج.
وفجأة…
دخل يـونس.
وقف قدّام المدرّج بثباته المعتاد، عينه لافّة على الطلبة
بانتباه دكتور
مفيش غيري أنا وسلمى وبنتين واقفين.
عيونه راحت لبنت غيري…
لا أنا، ولا حتى سلمى.
النار ولعت فيّ، بس تماسكت وخليت نفسي متحفّزة.
— واقفِين كده ليه؟
يلا… عشان الامتحان.
ردّت البنت بدلع ماسخ:
— مفيش مكان يا دوك.
حد يمسكني.
حد يمسكني قبل ما أروح أقتلها.
سلمى قرّبت مني وهمست بسرعة:
— بقولك إيه يا منّة، استحملي واتعدّلي.
دكتور يـونس إنتِ عارفة إنه لو صدر منك أي حاجة
مش بيعدّيها.
بيتعامل معاكي كإنك طالبة عنده، وهو حذّرك ألف مرة.
سناني جزّت:
— يعني عشان بيعاملني كطالبة
أسكت على الدلـع ده؟
أنا غلطانة…
غلطانة إني دخلت نفس جامعته.
أدي الحب وسنينه.
كل ده
وإحنا واقفين آخر ناس.
البنتين قعدوا.
نادى على سلمى، وقعدها هي كمان.
واتفضّل أنا.
وقفت.
ثانية…
اتنين…
تلاتة…
مستنية.
مستنية يقعدني.
أي إشارة أي حركة لكن لقيته كمّل مشي
لحد المنصّة.
وأنا؟ لسه واقفة.
دي باين هُزلت.
ما استحملتش.
مشيت ناحيته بعصبية، بعند، وبصراحة…
في اللحظة دي مكانش فارق معايا لو صوتي علي
أو الموقف كبر.
أنا مش شايفة غيره وغير البت الملزقة.
— أعمل إيه أنا مش فاهمة دلوقتي؟
ردّ من غير ما يبصلي، بنبرة دكتور قدّام طلبته:
— اطلعي.
_إيـه
#يتبع
#ما_بين_أنا_وأنتَ
#مَلَك_عبدﷲ_أحـمَـد.
