رواية الحب بيجمع ناسه الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم هند سعدالدين
— هو إحنا ممكن نغير مكاننا فجأة؟
كنت قاعدة على الكنبة، ماسكة المخدة في حضني، ببص لعابد كأني بسأله سؤال أكبر من كده بكتير.
رفع عينه من على اللابتوب.
— نغير مكاننا إزاي يعني؟
— يعني نخرج، ينفع؟
بص لي لحظة طويلة، فهم إني مش بتكلم عن خروجة وبس.
قفل اللابتوب من غير ما يسأل أكتر.
— يلا، تعالي ننزل نتمشى.
ما سألش كتير.
لبس الجاكيت بتاعه، ولف الشال حوالين رقبتي بإيده هو.
الهواء هناك مختلف.
فيه ريحة شاي، وفحم، وذكريات ناس كتير عدت من نفس الرصيف ده.
عدّينا جنب عربية أكل واقفة على جنب الطريق.
شواية فحم، وصوت تزييق دسم من أسياخ كفتة بتتشوي.
بصيت له.
— دي.. دي شكلها كفتة بجد، مش النية اللي اكلتهالي المرة اللي فاتت.
ضحك.
— أخيرًا حاجة مفهومة.
ـــ بسرعة لإني جعانة أوي.
الراجل لف لنا السندوتش في عيش طري شبه العيش الشامي، مشبع بصوص طماطم متسبك، متشرب من ريحة الشوي.
العيش متغلف بورق أبيض خفيف، دافي في إيدي.
أول لقمة…
البهارات ضربت لساني.
طعمها قوي، صريح، شبه بتاعتنا رغم إنها تركي.
كنت باكل بشهية، وهو باصص لي كأني بنته مش مراته.
أول لقمة…
الطعم رجعني لإسكندرية فجأة.
البهارات قريبة من بتاعتنا، اللحمة طرية، والدخان عامل سحره.
— دي محتاجة طحينة بس.
قلت له وأنا باكل.
— ما تكبريش الموضوع، إحنا في تركيا.
ابتسمت..
ـــ كلي بالراحة طيب..
ـــ أنا باكل لـ ٣ أشخاص، حط نفسك مكاني.
طبطب عليا..
بس وأنا باكل، حسيت بنظرة.
نظرة تقيلة.
مش فضول.
مراقبة.
موبايلي رن.
رقم غريب.
وقفت في مكاني.
— ألو؟
صمت.
نَفَس واضح.
مش متوتر، مش مستعجل.
وبعدين صوته، تقيل وواطي:
— كبرتي يا هند.
اللقمة نشفت في بقي.
— مين؟
الخط اتقفل.
عابد كان باصص لي.
— في إيه؟
— حد بيقول اسمي.
أخد الموبايل من إيدي، بص للرقم.
— رقم عادي. يمكن غلطان.
هزيت راسي.
— لأ، ده عارف اسمي.
رفعت عيني…
على الناحية التانية من الرصيف، قريب من سور البحر، راجل واقف وماسك عصاية بيتعكز عليها.
لابس جاكت غامق.
مش شايفة ملامحه.
بس حاسة بيه، حاسة إنه قاصد يوريني نفسه.
— أهو هناك.
عابد لف بسرعة.
ناس ماشية.
واحد بيبيع شاي.
مفيش حد واقف لوحده.
— هند.. مفيش حد واقف.
قلبي كان بيقول العكس.
قعدنا على السور الحجري.
الموج بيخبط تحتنا بهدوء.
نور المساجد بعيد بينور السماء.
سمعت صوت من عربية معدية، صوت عالي خرج فجأة.. أغنية لـ إبراهيم تاتليسس.
"Gitme…
Dur… daha bitmedi…
Yaralıyım…"
(ما تمشيش، استنى، لسه منتهيناش.. أنا مجروح.)
صوته كان مليان وجع راجل بيترجى حد يفضل.
الكلمات دخلت في صدري زي سكينة باردة.
ليه كلمة “ما تمشيش” بتخبطني كده؟
همست من غير ما أحس:
— هو ليه اللي بيمشي دايمًا بيمشي فجأة؟
عابد بص لي.
— مين اللي مشي؟
سكتت، وهو احترم رغبتي.
أنا طول عمري عايشة على حكاية واحدة: ما تجيبيش سيرة باباكي تاني، وريتك شهادة الوفاة، عاوزة إيه أكتر من كده.
على حسب رواية ماما.. بابا مات قبل ما أتولد.
طب لو.. لو حد لسه ما ماتش؟
لو حد كان موجود.. وقرر يختفي؟
بصيت للبحر.
نفس الإحساس رجع.
إن في حد واقف بعيد.. بيبص لي.
مش عايز يؤذيني، بس عايز يثبت إنه موجود.
— عابد..
— نعم؟
— لو قلت لك إني حاسة إن في حد بجد بيراقبني؟
اتنهد بهدوء، حط إيده على بطني.
— هقول إنك متأثرة بالحلم.. وإن التوتر مش كويس عليكي.
رد منطقي.
حنين.
بس مش مقنع.
لأن الجملة اللي اتقالت في الحلم..
واللي اتقالت في الموبايل..
مش صدفة.
“بنتي مش نقطة ضعف.”
صوت البحر كان عالي شوية.
بس أنا سمعت جوايا صوت أوضح: يا ريت بابا كان معايا، أنا محتاجاه.
الهواء على كورنيش إسطنبول كان مالح وخفيف.
الشمس نازلة على مهَلها، واللون البرتقالي ماسك في الماية زي طفل مش عايز يسيب إيد أمه.
كنت ماشية ماسكة دراعه، بس كل شوية أبص ورايا.
مش عارفة بدور على إيه ولا مين.
— هند.
— نعم؟
— بقالك خمس دقايق بتبصي وراكي، حبيبتي عليكي أحكام؟
ـــ لأ..
ـــ عليكي تار؟
ـــ الله، لأ.
ـــ عاملة مصيبة وحد مطاردك طيب؟ اعترفي أنا جوزك وأبو العيال، ستر وغطا عليكي..
ضحكت بصوت عالي..
قربت منه أوي وحطيت إيدي على دقنه..
ـــ مصيبة واحدة، اتجوزتك وإنت عارفني بشكل غير مبرر!
رد عليا وهو بيبص على شفايفي..
ـــ لو ماكنتش عارفك كان عادي؟
بصيت له بحب طالع من قلبي بجد..
ـــ لو ماكنتش ادتني الأمان ولا عرفتني بكل تفاصيلي الحلوة والوحشة، عيوبي، طباعي.. ماكنتش اتجوزتك، إنت جوايا، بتسري في دمي، أنا محظوظة إني اتجوزت راجل قمور وشهم كده زيك.
حضنني ومسح على شعري..
ـــ طب ممكن أعرف ليه كل شوية بتتلفتي؟
— بحب أتفرج على الناس.
— الناس ولا حد معين؟
قالها وهو بيغمز لي.
ـــ إنت الحد المعين.
ـــ طب ما تيجي نروح يا حد يا معين برضه.
رجعنا الشقة في أوسكودار والليل كان نازل بهدوء.
كنت ساكتة.
عابد قفل الباب، ولف المفتاح مرتين، حركة بسيطة، بس محسوبة.
— هتفضلي باصة وراكي كده لحد إمتى؟
— أنا شُوفت واحد.
— فين؟
— واقف، بيبص عليا، مش صدفة.
قرب مني، مسك وشي بين إيديه.
— هند، اسمعيني كويس، حتى لو في حد، مش هيقدر يقرب لك وأنا موجود.
الكلمة دي كانت أمان.
بس قلبي مشكلته إنه مش بيسمع منطق.
مشيت للبلكونة.
الشارع تحت هادي.
نور أصفر خافت.
راجل معدي ومعاه كلب.
اتنين شباب بيضحكوا.
مفيش حد واقف ثابت.
بس فجأة…
لمعة موبايل.
حد واقف عند عمود نور بعيد وساند على عصاية، النور انعكس عليه خلى ملامحه ضبابيه.
كان ناحيتنا.
مش بيتحرك.
قلبي انقبض.
— عابد.
خرج ورايا بسرعة.
بص.
الراجل اتحرك، مشى عادي جدًا واختفى عند أول ناصية.
— شوفته؟
قلت له وأنا نفسي سريع.
سكت لحظة.
— ممكن حد واقف بيكلم حد.
— بس كان بيبص ناحيتنا.
ما ردش.
دخلت أوضتي.
قفلت الباب ورايا.
مسكت موبايلي، رجعت للرقم الغريب.
بعتت رسالة:
“إنت مين؟”
ثواني.
الرد جه.
“حقك عليا، اتأخرت.”
الهواء اتسحب من صدري.
اتصلت فورًا.
المرة دي رد.
صمت.
بس كان سامعني.
— إنت مين؟
نَفَس هادي.
— كنتِ صغيرة قوي لما آخر مرة شوفتك.
إيدي بدأت تترعش.
— إنت غلطان في الرقم.
— لأ أنا عمري ما غلطت في اسمك.
قلبي خبط في ضلوعي.
— متتصلش تاني.
صوته بقى أهدى.
— أنا بس بطمن.
اتجننت.
— تطمن على إيه؟
سكت لحظة، وبعدين قالها ببطء:
— على بنتي.
ـــ أنا أبويا ميت.
والجملة دي أول مرة أحس إنها ممكن تكون كدبة.
الخط اتقفل.
الدنيا لفت.
رجلي خدتني للسرير غصب عني.
أبويا مات.
ده اللي اتقالي.
ده اللي صدقته طول عمري.
يبقى ده مين؟
عابد خبط على الباب.
— هند؟ في إيه؟
خبّيت الموبايل بسرعة.
— مفيش.
دخل عليا، قلقان.
— وشك أبيض.
بصيت له..
كنت عايزة أقول.
بس لو قلت.. كل حاجة هتتغير.
همست:
— لو حد قالك إنه يعرفني من زمان.. تصدقه؟
قرب أكتر.
— على حسب هو مين.
بصيت في عينيه.
— لو قال إنه.. قريبي؟
سكت لحظة.
— عندك قرايب في تركيا؟
— لأ
قرب مني، حط إيده على بطني تاني، الحركة دي بقت غريزية عنده.
— محدش هيخترق حياتنا فجأة فاهمة؟
هزيت راسي.
بس في جوايا حاجة بتقول:
هو مش بيخترق.
هو بيرجع.
وبيرجع بهدوء.
من غير خناقة.
من غير إعلان.
بس بجملة واحدة بتقلب كل حاجة:
“على بنتي.”
#الحب_بيجمع_ناسه
الحلقة الرابعة والعشرون
