رواية علي هامش الحب والقدر الفصل الثالث 3 بقلم ملك عبدالله
شوفت البِت الـواطـيـة اللي ما صدّقت جوزها مات عشان تتجوز غيره
— كفاية ياسِت اعتماد، محدش يوجه كلام لأمـل تاني
أنا المسؤول عنها من دلوقتي.
قالها مُصعب منعًا للكلام والجدال خصوصًا بعد جملة حماتي.
مجرد إنّي أبديت موافقتي…
كلمة واحدة بس نطقتها بتردّد وخوف لكن بعد ما سمعها منّي أعلن إني مَلِكة خـلاص.
الحقيقة إني وافقت بشكل طبيعي للموقف اللي أنا فيه.
لو كنت مجرد شاهد للمشهد ومش الضحية كنت هسخر من نفسي
إزاي واحدة تقرر تتجوز فعلًا بعد وفـ.اة جوزها بأقل من أسبوع؟
حتى لو الأهل عارضين إنها تعيش في البيت،وأهلها بينكروها بس العقل والمنطق ما يقبلوش كده.
يمكن حرمة الميت فعلًا واجب حتى لو كان الشخص
أذنب ليّ.
لكن الحقيقة إني لقيت نفسي واقفة قدّام ثلاث شخصيات
لا رابع لهم.
دلوقتي أنا واقفة قدّام ٣ دواير بشر كل دايرة ليها نيـة
وخـوف، ومـصلحة، وجـرح.
وكلهم متقاطعين عندي أنا مش كإنسانة لكن كـ قرار مـحتوم.
أنا مش واقفة قدّام أطراف متعادلة.
أنا المـجنيّة وهم… كلهم بلا استثناء الجـاني.
أهل جوزي ظلـم باسم التخلّص.
كانوا عايزين يرْموني ويرجعوني بيت أهلي كأني عبء خلِصوا منه أو صفحة واتقفلت.
مش علشان خايفين عليّا ولا علشان ده الأصلح، لكن علشان وجودي كان تقيل وبيفكّرهم بحاجة هما عايزين ينسوها.
وأهلي ظلـم باسم الخوف والمصلحة.
رفضوا أرجع، مش لأنهم شايفين بقائي أمـان، لكن لأن الرجوع كان معناه قلق وكلام ناس ومسؤولية هما مش مستعدين يشيلوها.
سابوني أفضّل واقفة في مكان مش مكاني علشان التوازن ما يختلّش.
أنا ما كنتش عـار
ولا عبء ولا حل مؤقت.
أنا كنت إنسانة محتاجة حـنان
أنا مش محتاجة أفتّش في دوافعهم ولا أشرح قسوتهم لأن اللي عملوه واضح والأذى اللي وصلني ما كانش محتاج ترجمة.
الاتنين واحد الفرق بس في المسميات.
اللي محيّرني بجد مش هم بل مُصعب.
هو الغريب الوحيد في المشهد وبرغم كده كان أكتر واحد صـادق وآمـن ولا من الناس اللي شايفاني صفقة ولا عبء
ولا ذكرى.
وسؤالي الحقيقي مش هو كويس ولا لأ
سؤالي قراره طالع من إيه؟
لأن آه ممكن يكون احـترام وممكن يكون وعـي وممكن يكون إنسانيـة حقيقية وممكن… شفقـة.
وأنا مش ساذجة عارفة إن الشفقة أحيانًا بتلبس لبس النُبل.
بس اللي مقلقني أكتر مش دافعه قد ما هو الزاوية اللي واقف فيها.
هو ما قدّمنيش حل تالت ما قالش خدي وقتك أو حتى
أنا هقف جنبك من غير جواز لا
الاختيارات اتحصرت يا أرجع للسـ.جـن اللي كسّرني
يا أدخل باب جديد لسه مش عارفة جواه إيه.
هو ما ضغطش بس برضه ما فتحش مساحة.
وسكوته غـريب
وده اللي مخوّفني لأني مش عايزة أهرب من وجـع
لـوجع تاني وأقنع نفسي إن ده خلاص نـجاة.
أنا عـايزة اعـرف هل شايفني إنسانـة ضحية ؟
ولا فرصة جات في وقتها؟
أنا مش ضد مُصعب ولا معاه.
أنا بس واقفة وبسأل نفسي سؤال واحد
هو ده اختيار؟
ولا إعادة ترتيب للظلم؟
هو ده السؤال اللي كان داير في دماغي، بس الإجابة ما كانتش هتطلع من حد غيري.
بعد كل اللي حصل كان لازم خطوة ورا مش هروب لكن استرداد نفس.
القرار اتاخد بهدوء ومن غير دوشة:
أنا هروح أعيش لوحدي في بيت جدتي لأمي هو جنب بيت أبويا لحد ما كل حاجة ترجع طبيعية تاني و وقتها هنتمم الزواج.
خلصت وخرجت بهدوء اخد حاجتي وامشي، والأكيد إن ساعدني مُصعب بده، لوحده وكأنه الواصي عليّ.
قررت اخد هدنة مسافة آمنة أتنفّس فيها وأبقى بني آدمه مش قرار.
شرعًا ده الصح.
وإنسانيًا ده الأرحم.
علشان نفسي تلحق تستوعب اللي حصل
واللي لسه بيحصل.
ومُصعب مشي جنب الخط من غير ما يعدّيه.
هو اللي تكفّل بكل حاجة البيت المصاريف الأمـان
من غير ما يدخل عليّ ولا يفرض وجوده
كان موجود بس مش ضاغط.
مسؤول بس مش متملّك.
يمكن دي أول مرة أحس إن حد بيشيل عني مش بيشيلني.
الفترة دي مش انتظار.
قد ما هي تهيئة أراجع نفسي أفهم خوفي وأفصل بين
النجاة والهرب.
يمكن دي أول مرة أختار نفسي من غير ما أضطر أبرّر.
وأول مرة أسيب الحكم لوقته الصح.
انتهت الفترة مش فجأة، ولا بسهولة لكن خلصت زي ما كل حاجة بتخلص لما تاخد حقها من الصبر.
شهور عدّوا وأنا بتعلّم أعيش لوحدي مختفيه عن الكل مشفتش حد ولا حاول حد يشفني،لا بابا ولا اهلي ولا حتى أخواتي حتى لو كانوا من الأب فقط بس كنت بحبهم مكنتش متخيله إني حِمل كبير على الكل.
لكن مُصعب كان موجود بس من بعيد جدًا يكاد يقل بينا الكلام أو إني اشوفه،آه المفروض اكون استعدت نفسيًا بس لاء لقتني لسه واقفة مكاني ولا كأن يوم واحد عدى، متعافتش لِسـه
تم الزواج بشكل سلس بدون تفاصيل تُذكر، لإني في الأساس مكنتش متهيئة لده.
مش فاهمة أنا بعمل إيه، وهل موافقتي صح؟
اتجوزت شخص معرفش عنه حاجة مين ده في الأساس؟
حياتي كده تمثيل هيبتدأ ولا كانت تمثيل وخلص؟
لا عقل يصدق، ولا قلب يقدر يتحمل اللي حصلي.
مؤمنة وراضية، وعارفة إنّه الخير ليّ.
حتى لو أُذِقت الشر من العباد، هيكون خير من الله عز وجل.
فالعبد يبتلي والله يُربّي ويجبر.
كل اللي مطمني إنه ده نصيبي من الله، وأنا بحبه وبحب اختياراته ليّ.
سبحـان الله.
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«لو عُرِضت الأقدار على الإنسان لاختار القدر الذي اختاره الله له».
جملة جميلة، ومطمئنة لأبعد الحدود.
كل إنسان فينا واخد رزقه كامل، وحتى في الابتلاءات، ربنا بيدّينا على قد طاقتنا وتحملنا، مهما حسينا إن الحِمل زيادة علينا ومش قادرين.
طبع الإنسان إنه دايمًا عايز أحسن حاجة، وبيألف النعمة، مع إنه لو بص حواليه هيلاقي إنه أحسن من غيره بمراحل وعنده نعم كتير جدًا في حياته مش حاسس بقيمتها، وكان بيطلبها قبل كده.
لو في حاجة نتمناها طول العمر، هيكون الرضا.
الرضا بقضاء الله، في المَنع قبل العطاء.
خرجت مرات أبويا، في إيدها شنطة هدومي وحطّتها قدّام باب الشقة.
الحركة كانت أوضح من أي كلام كأنها بتقولي مكانِك هنا انتهى.
وبعدها اختفوا.
ولا كلمة، ولا حتى نظرة تبرير.
بابا شد مراته ومشي.
وقف لحظة، بصّلي نظرة واحدة بس من غير سلام من غير عناق، ولا حتى محاولة وداع.
" عناقًا يا أبي… كنت أود
أن أضمك قبل أن يغلق الزمن أبوابه
أن أستنشق رائحة حضورك، وأجد في دفء ذراعيك ملاذًا
لكنني لم أر سوى نظرة الخزي، تجرحني، تلتهمني من الداخل
وداعٌ قاسٍ يطعن قلبي ويغرس سكينه في عمق روحي
كنت أود عناقًا فقط…
حبلًا بيني وبينك، بيني وبين أيامٍ رحلت بلا عودة
لكن الفراغ وحده جاء، ينهش شراييني ويصرخ في صمتي
فأجلس وحيدة… أتلمس أثر يدك، وهمس صوتك
وأتمنى أن تعود، ولو للحظة، لتضم قلبي بين يديك…"
_يلا.
قالها مُصعب بهدوء.
شال الشنطة، وخرج.
وأنا؟
مشيت وراه من غير عقل.
جسمي بيتحرّك بس أنا لسه واقفة هناك.
في شقتي بفستاني الأبيض مستنية زوجي.
كل اللي اتاخد مني كان أكتر من بيت.
اتاخد مني الأمان، والاختيار، والحضن الأخير.
اللي فاض مني هو جسدي وبس، إنما روحي وعقلي…
متجرّدين تمامًا.
وقف عند عربيته.
قربت، فتحلي الباب دخلت بهدوء، من غير ما أرفع عيني
ولا أفتح كلام.
سندت راسي على شباك العربية، وسبت النوم ياخدني…
يمكن علشان ما شوفش ما أفكّرش وما أحسّش.
_ أمـل فوقي… وصلنا!
كان صوته، وفتحت عيني ببعض الـذعر نومي خفيف، لكن سماع صوت غريب عليّ قلّقني.
قومت بتيه، مش عارفة إحنا وصلنا فين، قد إيه بس محستش إني نمت كتير أكيد البيت كان قريب من نفس المكان، لكن شكله غريب… ما اهتمتش.
مشيت وراه بهدوء، من غير ما أسأله أي حاجة، مع إني كنت خايفة ومرعوبة.
البيت… أو الشقة… أو يمكن فيلا… مكان تحفة! بيت كبير وواسع، حوالينه فراغات مفتوحة فيها أماكن تريح العين، خاصة الجنينة الواسعة المليانة ورد وزهور من كل الأنواع… راحتها غريبة اتسلست جوايا.
دخلنا وقفل الباب خلفه، وأنا مستنية يطلع حد من أهله أو أي شخص لكن صوته طلع وقال:
— نورتِ البيت.
فيه كلام كتير المفروض يتقال عارف… بس ارتاحي الأول من المشوار والسفر، وبعدين الوقت بينا لآخر العمر.
سكتت شوية، استجمع كلامه وبعدين نورت كلمة السفر؟!!
رديت بدهشة ونبرة عالية:
— سفر؟! ده إن شاء الله… أنت ودتني فين يا عم؟!
بسم الله… هو رجع خطوتين ورا، كأنه خاف؟! لا… لا، بس باين عليه الـذعر.
استجمع هدوءه وعدّل وقفته وقال بنبرة فيها اندهاش وتحير:
— القاهرة… في بيتي أنا شغلي هنا مش في الشرقية.
اتجمد مكاني وجسدي ارتعش من الخبر.
— إيـه؟! يعني إحنا قاعدين هنا لوحدنا… أنا وأنت بس؟!
يتبع...
#على_هامش_الحب_والقدر
#مَلَك_عبدﷲ_أحـمَـد.
