رواية تلميذ الجن الفصل السادس 6 بقلم جمال الحفني
الحالة التانية كانت من أصعب الحالات اللي ممكن حد يسمع بيها أو يصدق إنها موجودة أساسا, أهلها كانوا فاكرينها مس عادي لإنها مكانتش تتكلم عن نفسها ولو حد سألها اسمك إيه تقول أنا مش هنا, مبتقولش أنا جعانة أو تعبانة أو خايفة, مبتقولش حاجه خالص, عايشه باصه للسما كإنها في عالم لوحدها.
عرضوها على الدكاترة لكن معرفوش يحللوا علّتها, مفيش انفصام أو هلاوس مثلا, كل مشكلتها إن معندهاش إحساس بالأنا, وعيها موجود لكن من غير صاحب.
نبضات قلبها طبيعية بس لما بيحطوها على الأجهزة بتسجل نشاط دماغي كإن حد لسه صاحي, أحيانا بتقول "الدور لسه مجاش" بدون ما حد يكلمها, ولا يوجهلها سؤال, بتقول الجملة دي مرة كل يوم أو يومين.
الغريبة إنها لما جات كان معاها حوالي 3 رجالة واتنين ستات, منهم أخوها وجوزها, اسمها صفية وابنها اللي جي معاها كان نفس عمري تقريبا.
كان واضح من العدد اللي جي معانا وملامحهم إنهم ميفرقش معاهم الناس تعرف ولالا لإن الناس تقريبا عارفين من كتر ما لفوا بيها على دكاترة ومعالجين, فتحتلهم الباب وانا بفكر اجيب مساعد ليا عشان مش انا اللي افتح الباب كله مرة ومنها برضو احافظ على الكاريزما بتاعتي قدام الزباين, مفيش روحاني هيقوم يفتح الباب بنفسه.
دخلوا بيها البيت وطلبت منهم اتنين بس يدخلوا معاها الأوضة والباقي يستنى بره, ابنها وبنتها دخلوا معاها والباقي استنى, كانت ماشيه عادي وهي بتدخل الأوضة, دخلت زي ما دخلت من باب البيت بدون مشاعر وبدون ما تبص حواليا, زي الانسان الاّلي اللي بدون روح, لا ونظراتها ثابتة جدا يعني لو حد قلبه ضعيف شافها أكيد هيخاف منها.
شاورتلهم يقعدوا وقعدت قصادهم وأنا بتابع عنيها وحركاتها, كانت ثابتة خالص وهادية وباصة فوق راسي, قبل ما اعمل حاجه لقيت "شادم" قرب ناحيتي ووقف جمبي من غير ما اطلب منه حاجه, في البداية قلقت إن الست دي ممكن تكون ممسوسة بجن قوي وممكن يإذيني وشادم قرب مني عشان يحميني منه أو يلحقني في الوقت المناسب, لكن الغريبه لقيته واقف جمبي وبيبص في الست دي وهو مش فاهم حاجه, وبعد ثواني من التوتر ونظرات ابنها وبنتها ليا واللي معناها يلا شوف شغلك وورينا هتعمل إيه, لقيت شادم بيقول باندهاش "دي مش ممسوسة, دي متسابه"
متسابه!
أول مرة اسمع الكلمة دي, مقريتهاش في كتاب قبل كدا ولا حتى بهرام جابلي سيرة عنها وعن النوعية دي من الجن أو الناس أو المخلوقات عموما!
تمتمت في إيدي باستغراب كإني بقرأ حاجه عشان اتجنب نظرات ولادها المتشككة وفي نفس الوقت عشان اتكلم مع شادم وقولتله يعني إيه متسابه؟
قالي أغرب حاجه ممكن أسمعها في حياتي
"فيه ناس روحها وهي بتخرج من الجسد بتسيب حد تاني ماسك المكان, مبيكونش جن, بيكون جزء من روحها"
حاولت استوعب الكلام وافهم المقصود منه إيه, سألته تاني يعني إيه؟
قالي الست دي اتعرضت لموقف كان لازم تموت فيه لكنها مماتتش, ومن اللحظة دي روحها اتأخرت والجسد بقى فاضي جزئيا, وحلها الوحيد إننا نساعد الجزء الباقي من روحها على الخروج.
قولتله بس في الحالة دي مع خروج الروح بالكامل, الست هتموت!
قالي دا حلها الوحيد يا إما هتفضل على الوضع دا على طول ومفيش علاج هينفع معاها غير الحال اللي قولتهولك.
طبعا حل زي دا مينفعش أعمله لوحدي مع إني معرفش طريقته أساسا, هزيت راسي بتفهم وبان عليا الحزن وأنا شايف نظرات اللهفة في عيون أولادها وأخيرا اتكلمت ووجهت كلامي لابنها وسألته, والدتك اتعرض لموقف كانت ممكن تموت بسببه؟
فتح بقه من الصدمة وعنيه بحلقت وسألني عرفت إزاي؟
اللي عمله دا كان خطوة البداية عشان ياّمن بقدراتي وميظنش إن زيي زي أي معالج راحله قبل كدا, وقبل ما يتكلم رحت مديت كف إيدي في وشه يعني متتكلمش واتكلمت أنا.
قولتله عندكوا حوش للبهايم في البيت وفيه حيطة مكسورة من زمان وكنتوا بتفكروا تهدوها وتبنوها تاني احسن توقع على حد لكن كنتوا بتكسلوا وتأجلوا الموضوع من وقت للتاني, وفي يوم أمك كانت بتحلب البقرة في الفجر كالعادة ومكانش حد معاها, ولما خلصت حلب وراحت تحط اللبن في مكانه المعتاد تحت الحيطة دي راحت واقعه عليها, وقعدت على الحال دا ساعتين وأكتر لحد ما انتوا اخدتوا بالكوا وطلعتوها من تحتها, ومن وقتها أمك اتغيرت وبقت على الحالة دي.
ابنها مكانش مصدق كل التفاصيل اللي قولتهاله, شاورتلي يقف وييجي معايا اكلمه على جمب, وقف ومشي ورايا منصاع والدهشة لسه على وشه, قولتله والدتك كان المفروض تموت في الوقت دا, بس روحها اتعلقت ومطلعتش بالكامل.
بلع ريقه وقالي بس الحمد لله هي مماتتش, طبعا هو مش فاهم اللي قولتهوله وحقه طبعا ميفهمش, أنا نفسي مفهمتش غير لما شادم شرحلي.
قولتله طبعا الحمد لله على كل شيء بس الحل الوحيد لوالدتك إننا نساعد روحها إنها تطلع بالكامل, سواء وافقت أو رفضت الكلام دا سر بينا احنا الاتنين بس, ميطلعش بره.
أنا مكنتش عارف جبت الحكمة والثقة في نفسي دول كلهم منين, كنت متقمص دور الدكتور الجراح اللي هيعمل عملية ونسبة نجاحها معروفة صفر في الميه, لكن وقتها بيعملوها عشان ينقذوا مريض تاني, سواء يضحوا بالجنين عشان الأم أو يضحوا بالأم عشان الجنين, لكن في الحالة دي!
أقنعت نفسي بعدين إن هي كدا بتتعذب وبتعذب اللي حواليها ولو ابنها وافق وأنا عرفت الطريقة يبقى لازم نريحها بدل ما تقعد كدا طول عمرها, ومش عارف إذا كان حرام ولا حلال بس فكرت بنفس منطق الدكاترة وسبت الابن هو اللي يختار.
بعد ما خلصت كلام معاه, تاه مني وتقريبا مبقاش سامع باقي الكلام اللي قولتهوله, في الاّخر قولتله شوف وقرر وأنا معاك سواء دلوقتي أو بعدين بعد ما تاخد راحتك في التفكير وتعرضها على حد تاني يمكن يكون لها علاج معاه.
هز راسه وقال لاخته يلا, وهي كلمت أمها وبمجرد ما خلصت كلام راحت الأم وقفت بطريقة اّلية وخرجت من الغرفة زي ما دخلتها, أنا لوهلة خوفت منها, مخوفتش من جن زي ما خوفت من الست دي, الجن عارفه سواء بعد ما اتعاملت معاه أو قبل, لكن الست دي بالحالة دي كانت مخيفة فعلا, فكرت بعيد الشر إني أكون مكان ابنها واتخيل الحياة معاها بعد ما عرفت علّتها, خوفت منها ومن حالتها وفي نفس الوقت مخوفتش لإنها هتكون في الأول والاّخر أمي, ومستحيل أخاف من أمي ولو اتحولت لجن, مسحتيييييل!
نفضت الأفكار دي من راسي وأنا حاسس بالأسى عليها, الابن خدهم وخرجوا كلهم, وأنا قعدت مكاني سرحان في حاجات كتير.
سمعت صوت شادم بيقولي هتعمل إيه لو وافقوا ورجعولك تاني؟
قولتلك هخليك تساعدني ونخلصها هي وأهلها من اللي هما فيه بس بصراحة صعبانين عليا والمفـ
قالي انا معرفش أفيدك ولا شوفت حاجه زي دي قبل كدا, بصتله باستغراب وقولتله امال هعمل إيه أنا معرفش اتعامل في حاجه زي دي, ارجع لبهرام وخليه يشوف حل, هو السبب في اللي أنا فيه دلوقتي وهو اللي هيعرف يتصرف.
وسبته ورحت أنام لإني اتقفلت من الدنيا كلها وصورة الست دي في بالي مش مفارقاني, مهما قولت إنها صعبانة عليا وكررتها كذا مرة سواء دلوقتي أو قبل كدا مش هعرف أوصلكوا إحساسي ناحيتها وعطفي عليها, وبدأت من جديد أحط نفسي مكان ابنها واسأل نفسي لو مكانه كنت هتصرف إزاي؟!
فضلت على الحالة دي لحد ما كنت خلاص دخلت في النوم لكن صحصحت لما شادم ظهر جمبي وقالي بهرام باعتلك رسالة وبيقولك إنه لقى الحل, ودي كانت اّخر جملة سمعتها قبل ما اروح في النوم.
مرت أيام زارني فيه عدد مش قليل من الحالات, بعد ما كان كل يوم تجيلي حالة أو اتنين بدؤوا يزيدوا لخمسة وستة بعد ما كل الحالات اتماثلت للشفاء على إيدي الحمد لله, وكنت بدأت أفكر جديا أجيب حد يساعدني في استقبال الحالات وترتيب الدخول لحد ما لقيت عم "جابر" واحد على قد حاله, راجل شارف على الستين من العمر, هادي ومبيتكلمش كتير وفي نفس الوقت حازم وشخصيته فيها قوة, لحد ما في يوم لقيته داخل عليا وبيقولي فيه شاب بره جاي مع أمه وبيقول إنهم زاروك قبل كدا.
قولتلهم دخلهم بسرعة, وعصفت بيا ذكريات زيارتهم الأولى وحالتها وكلام شادم ليا قبل ما أنام وافتكرت إن الحل عند بهرام, شاورت لشادم براسي إشارة معناها روح شوف الحل وتعالا بسرعة, وفي اللحظة دي دخل عليا ابنها ومعاه راجل في أواخر الأربعينات عرفت منه إنه خاله, ودخلت الست بمشيتها الاّلية وبنفس نظرات اللاوعي وقعدت في المكان اللي شاورولها عليه.
ابنها قعد قدامي وقالي كلنا لله, عرفت إنه خلال خد القرار وعلى الرغم من إني المفروض افرح لإني هتعلم حاجه جديدة إلا إني حسيت بحزن عميق كإن الست دي أمي, وبعد شوية مش هتكون معانا في الدنيا.
ناقشته شويه وسألته انت متأكد وغيرها من الأسئلة لحد ما شادم يجيب لي الطريقة, ابنها كلمني عن معاناتهم معاها, إنها معاهم ومش معاهم في نفس الوقت, ولما روحها ترجع للي خالقها يكون أحسن وإنهم بكدا هيريحوها من اللي هي فيه, وفي وسط كلامه شوفت شادم بيتشكل في المكان اللي دايما بشوفه واقف فيه وجمبه بيتشكل جن عجوز باين من طريقة لبسه وهيئته إنه حكيم من حكماء الجن أو طبيب, أو شيء عنده علم كبير يعني, حتى عنيه فيها ذكاء مش طبيعي.
شادم قرّب مني وقال إن برهام بعت معاه الجن دا لإنه هو الوحيد اللي عنده العلم بعلاج الحالة النادرة جدا دي, جن كلفه كتير لإنه من قبيلة تانيه, وكل ما عليك انك تسمع اللي هيقولهولك وتعمله وتسيب الباقي عليه.
كان واقف مستني شادم يخلص كلامه وأنا باصص عليه وفي الأخير قالي بصوت عميق كإنه بيتكلم جوه عقلي, الطقس دا هيتم بطريقة واحدة ولازم أنا وأنت نكون متناغمين فيها عشان ننجح من أول مرة لإنه لو فشل هنستنى شهر قمري كامل, شادم قالي الأفضل إنك تنجح من أول مرة لإن الجن دا سعر خدمته غالي وهيكلف بهرام كتير.
طلبت من ابنها يروح يجيب طوب أو تراب من الحيطة اللي وقعت عليها, وطلبت من عم جابر يجيب طست كبير ويملاه مياه, ويحطه في نص الأوضة, ابنها رجع بعد دقايق ومعاه شوال صغير كله تراب وقطع من الطوب, أخدت منه الشوال وفضيت محتواه في الطست وبدأت أفعص في الطوب اللبن بإيدي عشان يتمزج بالمياه ويتحول لطين, كل دا بناء على كلام الجن اللي جي مع شادم وبعد ما خلصت كل حاجه طلبت من الست إنها تقوم وتقف وسط الطست دا وطلبت من ابنها وأخوها يقفوا جمبها عشان يسندوها لإنها في أي لحظة هتقع بعد إنهاء الطقس, قامت ووقفت وهي باصه في عيني, شعور مؤلم لما تبص في عيون حد انت عارف إنه هيموت بعد دقايق, المحكوم عليه بالإعدام بيكون عارف إنه هيموت, لكن الست دي وقفت بكل هدوء وطاعة وهي مش عارفة إن دي اّخر مرة هتقف فيها على رجلها.
وقفت قدامها والجن وراها وابنها على يمينها وأخوها على شمالها, شادم في ركن الغرفة بيتفرج علينا, الجن وراها بدأ يحرك إيده ويرسم إشارات على ضهرها وبدأت اشوف خيوط ضوء بتتحرك من صوابعه مع كل حركة يعملها, وبعد لحظات حسيت بشيء قوي والهوا في المكان بقى تقيل جدا ولمحت بعيني قطع صغيرة من الطوب في حجم حبة الفول بدأت تطفو فوق المياه وتطلع فقاعات كإنها بتغلي, الجني طلب مني أسيطر على المياه لحد ما يخلص تعويذته, رحت أنا كمان أقول كلمات أسيطر بيها على المياه, وبمرور الوقت الجو بقى أتقل والمياه فقاعاتها زادت وأنا بحاول أسيطر عليها بكل قوتي, والجن ورا الست بدأ يتحرك خطوات لورا وماسك بإيده حاجه بيشدها بقوة وبدأ يرجع بصعوبة جدا لحد ما نجح وشد حاجه في إيده اختفت قبل ما اشوفها وفي اللحظة دي الست قوتها انهارت وبمجرد ما ركبها انحنوا لقدام راح ابنها واخوها مسكوها بقوة ومالت ناحية ابنها راح أخوها ساعده يحطها فوق كتفه, وابنها خرج بيها شايلها جثة هامدة.
أخوها بعد ما اتطمن بص ناحيتي بحزن وقالي طلباتك, وقتها أنا مكنتش في حالة تسمح بالكلام, قولتله ادفنوها وبعدين نتحاسب وكملت وقولتله البقاء لله.
الجزء السادس
يتبع
#تلميذ_الجن
جمال الحفني
