رواية وهم الحياة الفصل الرابع عشر 14 بقلم خديجة احمد
#وهم_الحياه
البارت الاربعتاشر
نواره
فتحت الرسالة وأنا قلبي مش مرتاح…
أول ما عيني وقعت على اسمه، حسّيت قلبي اتقبض.
قريت:
__عايزك تكوني موجودة في يوم زي ده…
يوم خطوبتي.
وجودك هيفرق معايا.
إيدي رعشت وأنا بمسك الفون.
حسّيت الدنيا بتلف بيا…
خطوبته؟!
وكمان عايزني أكون موجودة؟
مش عارفة أزعل…
ولا أستغرب…
ولا أضحك بسخرية على قد إيه الدنيا غريبة.
جوايا إحساس تقيل…
إحساس حد بيشدني لورا وأنا أصلاً لسه بحاول أطلع من وجع قديم.
ليه دلوقتي؟
ليه بعد ما حاولت أقفل صفحة؟
قفلت الفون وأنا بتنفس بالعافية،
وبصّيت لفجر…
كنت لسه في حضن الأمان،
وفجأة الماضي خبط على الباب من غير استئذان.
وفي اللحظة دي بس فهمت…
إن في جروح، مهما حاولنا نغطيها،
بتستنى الوقت الصح
عشان توجعنا تاني.
فجر لاحظت توتري والحزن اللي ملّى وشي…
هي دايمًا كانت بتقرا وجعي من غير ما أتكلم، كأن ملامحي بتفضحني قدّامها.
قالت بصوتها الحنون اللي دايمًا بيهدي:
__مالك؟ وشّك قلب كده ليه؟
اتكلمت وأنا بضحك ضحكة مكسورة، سخريتها طالعة من الوجع:
__تخيّلي مراد باعتلي…
بيعزمني على خطوبته.
شفتي بجاحة أكتر من كده؟
بصّتلي باستغراب، وبصوت هادي سألت:
__هتروحي؟
هزّيت راسي بسرعة، وصوتي كان حاسم بس موجوع:
__لا طبعًا مش هروح.
أنا مش هستحمل…
ليه أروح وأوجّع نفسي بإيدي؟
قربت مني، ومسكت إيدي بإيدها، دفّيها وصل لقلبي قبل جلدي، وقالت بثبات وحنية في نفس الوقت:
__روحي…
روحي وانتي رافعة راسك.
روحي عافية، مش عشان هو،
عشان نفسك.
كملت وهي باصة في عيني:
__روحي وإنتي بتقولي من غير كلام إنك اتخطّيتي،
وإنه مش فارق معاكي،
وإن الحياة ما بتقفش على حد…
فاهمة؟
كلامها هزّني…
بين خوفي من الوجع،
ورغبتي إني أثبت لنفسي قبل أي حد
إني أقوى مما كنت فاكرة.
بصّتلي فجر بعمق… النظرة اللي بتحضنك قبل الإيدين.
سابَت إيدي ثواني، وبعدين قربت أكتر وقالت بصوت واطي، ثابت، مليان احتواء:
__عارفة…
وعشان كده بقولك روحي مش عشان تثبتي له حاجة،
روحي عشان تعترفي لنفسك بالحقيقة.
وقفت قدامي، ومسكت وشي بين إيديها، وكملت وهي باصة في عيني من غير ما تهرب:
__إنك لسه موجوعة مش ضعف،
وإنك مش قادرة تتخطي دلوقتي ده طبيعي،
الوجع مش زرار نطفيه.
تنهدت وقالت بحنية موجعة:
__بس الهروب مش هيشيل الوجع يا نواره…
هو بس بيأجله.
وأنتي متستاهليش تفضلي واقفة مكانك
عشان حد قرر يكمل حياته.
قربتني لحضنها تاني وهمست:
__الكلام اللي جواكي مش لازم يطلع كله،
مش لازم تشرحي ولا تبرري،
كفاية إنك تعيشي… يوم ورا يوم…
لحد ما الوجع يتعب ويمشي لوحده.
__وأنا هنا…
مش همشي،
ولا هسيبك تغرقي لوحدك،
حتى لو الغرق طول.
كلامها دخل قلبي وحرك حاجة كنت فاكرة إنها ماتت…
حاجة اسمها الرغبة في الوقوف تاني.
فجر عندها قدرة غريبة على الإقناع، مش بالكلام قد ما بالإحساس…
تحس إن وجودها لوحده بيقولك: انتي أقوى مما فاكرة.
وفعلًا… قررت.
بصّتلها وقلت بقوة حاولت أجمعها من بين كسري:
__هروح
ابتسمت ابتسامة رضا، الابتسامة اللي بتحسسك إنك خدت القرار الصح،
ومسكت إيدي وقالت بحماس خفيف:
__يلا بقى… نروح نجيب فستان حلو كده.
اعترضت بسرعة، كأنّي بخاف أرجع خطوة:
__أنا عندي فساتين كتير.
وقفت، بصّتلي بنظرة حاسمة، وقالت بصوت مفيهوش نقاش:
__لا.
إنتي لازم تكوني أحلى واحدة في الخطوبة دي… فاهمة؟
الكلمة دخلت قلبي ضربة واحدة.
مش عشان الغيرة…
ولا عشان الاستعراض…
لكن عشان أول مرة من وقت طويل
حد شايفني مش مكسورة…
شايفني واقفة، جميلة، ومستحقة.
وساعتها حسّيت إن الخطوبة دي
مش امتحان وجع…
دي معركة كرامة.
خرجنا برّه، كانت ماما قاعدة على الكنبة، ماسكة المصحف وبتقرأ فيه،
وشّها منوّر بهدوء وطمأنينة تخليك تحس إن الدنيا لسه فيها خير.
أول ما شافتنا، رفعت عينيها وابتسمت الابتسامة اللي بتريح القلب، وقالت بدعاء طالع من قلبها:
__ربنا يخليكوا لبعض.
قربت فجر منها، باست إيديها باحترام وحب، وقالت:
__ويخليكي لينا يا رب.
قربت أنا كمان، حضنتها الحضن اللي فيه أمان الدنيا كلها، وقلت بدلع:
__إحنا خارجين شوية يا ستّ الكل.
طبطبت عليا بحنية الأم اللي تشيل هم الدنيا عن ولادها، وقالت:
__خدوا بالكوا من بعض…
وترجعوا بالسلامة.
دعوتها دخلت قلبي قبل وداني،
وحسّيت إن مهما الطريق كان صعب،
في دعوة أم بتسبقنا
وتحاوطنا من أي وجع.
_______________
مريم
كنت قاعدة ماسكة الفون وبقلب فيه بزهق،
النت فاصل، ومفروض أكلم السوبر ماركت يجددوا،
بس مفيش نفس… ولا مزاج لأي حاجة.
وأنا بقلب كده، عيني وقعت على App غريب ..
أيقونته مش مألوفة…
واسمه عمري ما شوفته قبل كده.
اتلخبطت.
أنا متأكدة إن الفون ده بإيدي طول الوقت…
مين نزّل ده؟
وإمتى؟
فتحته.
لقيت شاشتين موبايل قدامي ..
واحدة منهم…
شاشتي أنا.
قلبي دق جامد.
قفلته وفتحته تاني، يمكن أكون بتخيل بس لأ…
هو هو.
مفهمتش أي حاجة،
الخوف بدأ يزحف جوا صدري بهدوء تقيل.
دخلت أسأل شات GPT،
كتبتله وأنا إيدي بتترعش:
*“هو app فيه شاشتين موبايل ده إيه؟”*
والرد نزل عليّا زي القاضية:*“ده App تجسس.”*
حسّيت الدم نشف في عروقي.
يعني إيه تجسس؟
يعني حد شايفني؟
سامعني؟
عارف أنا بعمل إيه وبكلم مين؟
قفلت الفون فجأة،
وضمّيته على صدري كأني بحاول أستخبى منه.
وفي اللحظة دي،
سؤال واحد كان بيخبط في دماغي بعنف:
مين؟
ومستفيد إيه؟
وأنا اتراقبت قد إيه من غير ما أحس؟
ولو اللي شوفته ده حقيقي…
يبقى في أسرار ومصيبه داخله عليا
___________
زين
مريم كانت قاعدة قدامي،
وشّها شاحب، عينيها واسعة أكتر من الطبيعي،
الرعب مرسوم في ملامحها كأنها شايفة كابوس وهي صاحية.
كنت بحاول أهوّن عليها، بصوت هادي يمكن أكتر من اللازم:
__امسحي التطبيق وخلاص يا مريم…
مش مستاهلة كل القلق ده.
بس فجأة، خبطت بإيديها على المكتب خَبطة جامدة خلتني انتبه،
وصوتها طلع عالي ومهزوز في نفس الوقت:
__إنت مدرك إنت بتقول إيه؟
بقولك كنت بتراقَب!
يعني حد مهكّر فوني!
يعني ممكن ياخد صور شخصية ليا ويهددني!
إنت ليه شايف الموضوع بسيط أوي كده؟!
اتنفست بعمق،
حسّيت إن انفعالها زيادة عن اللزوم،
وقلت وأنا بحاول أسيطر على نبرة صوتي:
__عشان هو فعلًا بسيط.
كملت وأنا باين عليّا الهدوء:
__مش إنتي لسه واخدة بالك من الـApp دلوقتي؟
يبقى احتمال يكون متنزّل من زمان وإنتي ما خدتيش بالك برضه.
رفعت كتافي شوية وقلت:
__ولو كان في حد ناوي يأذيكي بجد،
كان أذاكي من زمان مش دلوقتي.
قربت شوية وقلت بنبرة قاطعة:
__امسحي التطبيق،
وكل حاجة هتبقى كويسة.
بصّتلي بصدمة، كأن كلامي معدّاش ودانها أصلًا،
وعينيها لمعت بدموع مكبوتة وهي بتقول بصوت عالي شوية:
__لا مش بسيط…
ولا عمري هشوفه بسيط!
وقفت من مكانها فجأة، والكرسي عمل صوت وراها،
وقالت وهي بتحرك إيديها بعصبية:
__إنت مش فاهم يعني إيه حد يكون شايفك من غير ما تحس!
يعني إيه كل حركة، كل رسالة، كل صورة
ممكن تكون اتسجلت؟!
قربت مني خطوة، وصوتها كان بيرتعش بين الغضب والخوف:
__إنت بتقولي لو كان هيأذيني كان أذاني من زمان؟
هو لازم يستنى اللحظة اللي تناسبه يا زين!
يمكن لسه ما قررش…
يمكن لسه بيجمع!
مسحت دمعة نزلت غصب عنها وكملت بوجع:
__أنا مش مطمّنة…
ولا هعرف أنام وأنا حاسة إني مكشوفة.
وبصّتلي نظرة طويلة، فيها شك أكتر ما فيها خوف، وقالت بهدوء مرعب:
__والموضوع ده بالذات…
مينفعش يتاخد باستخفاف.
وسكتت.
بس سكوتها كان أعلى من أي صريخ.
___________________
مريم
قرب مني بهدوء ومسَك إيدي بين إيديه…
حاول يطمني، بس إيدي كانت ساقعة، وجسمي كله مشدود.
قال وهو باصصلي بثبات:
__أنا مش قاصد أقلّل من اللي بتقوليه خالص…
أنا بس مش عايز أقلقك.
متخافيش، أنا جنبك،
وطول ما أنا جنبك محدش هيقدر يقربلك… فاهمة؟
كلامه كان المفروض يريحني…
بس قلبي ما ارتاحش.
بصّيت لإيده اللي ماسكة إيدي،
وحسّيت تناقض غريب…
جزء مني عايز يصدّق،
وجزء تاني بيصرخ جوايا إن الخوف ده مش وهم.
سحبت إيدي بهدوء، مش بعنف،
وقلت بصوت واطي بس مليان تعب:
__أنا مش خايفة عشان إنت مش جنبي…
أنا خايفة عشان في حاجة بتحصل من ورايا
وأنا مش فاهمها.
رفعت عيني وبصّيتله،
نظرة مليانة قلق وشك:
__الأمان مش إن حد يقولي متخافيش…
الأمان إني أفهم
وأحس إني مسيطرة،
مش متراقَبة.
وسكت.
بس جوايا كان في إحساس واحد واضح:
الخوف ده لسه مراحش…
والموضوع أكبر
من مجرد تطبيق اتمسح.
________________
فجر
كنا في محل الفساتين وبنختار لنور فستان.
مسكت فستان أحمر وقالت بانبهار:
– ده هيبقى تحفة عليكي!
بصت لي بصدمة وقالت:
– تحفة عليا إيه؟ أنا مستحيل ألبس اللون الفاقع ده، شوفيلي حاجة أهدى شوية.
سبت الفستان وأنا مش مقتنعة، وبدأت أدور على فستان تاني.
مسكت واحد وقلت:
– أهو ده بقى جميل أوي، وهيبقى أجمل عليكي.
ردت وهي بتهز رأسها بالنفي:
– ده مش هيليق على بشرتي خالص، شوفي حاجة تانية.
بصتلها بانزعاج وقلت:
– بقولك إيه، امشي ورايا بس وهتكسبي.
سبت الفستان تنفيذاً لرغبتها وبدأت أدور على غيره.
وفجأة، لفت انتباهي فستان أسود شكله تحفة.
قرت عليه بلهفة وقلت:
– هو ده، يلا ادخلي قيسيه!
دخلت نواره عشان تجرب الفستان الأسود، ولما شافته على جسمها، عيونها اتسعت بالصدمة.
همست بدهشة:
– ده… ده مفتوح أوي!
حسيت شوية توتر وخجل على وشها، وحاولت تمسك على نفسها وتضحك.
أنا ابتسمت بخفة، عارفه إنها محتاجة طمأنة:
– اه بس بصي قدام المراية، حلو قوي عليكي… ولو سيبتي شعرك لقدام شوية، مش كله هيبان.
وقفت قدام المراية، نظرتها مترددة بين الإعجاب والحرج كان باين ع وشها ....
قلبها كان بيدق بسرعة، وعرفت إنها معجبة لكن خايفة تقول.
أنا حسيت بمزيج من الفرح والانتصار الصغير، كأن اللحظة دي كانت مكافأة لكل البحث والتعب اللي عملته عشان ألاقي الفستان المناسب.
أخدنا الفستان بعد ما أقنعتها، وخرجنا من المحل.
ركبت العربية وهي كانت جمبي، وطلعت من التابلوه المكياج.
هي مكانتش مركزة معايا، وشكلها كانت مشغولة بحاجة تانية.
اتكلمت وقولت:
– قربي.
بصت لي بعلامات استفهام واضحة على وشها:
– هو المكياج ده ليّا أنا؟
رديت وأنا ببتسم بحماس:
– أمال ليك أنا؟ ليكي طبعًا، عشان تروحي الخطوبة دي وإنتي أجمل واحدة فيها.
ردت باعتراض، وحسيت شوية تردد وخجل في صوتها:
– لا لا، إنتي عارفة إني مش بحب أحط الحاجات دي يا فجر، أرجوكِ.
بصيت لها بحزم، بس مع لمسة حنية في عيوني:
– قولتلك تسمعي كلامي، وأنا هخليكي الكل يتكلم عن جمالك في الخطوبة دي… ثقي فيا.
شوفت في عينيها التوتر، بس كمان حسيت إنها قررت تثق فيا وتسيب نفسها بين إيدي.
قعدت أحط لها شوية ميكب خفيف، يبرز جمالها أكتر، كل حركة كنت بحاول أخليها طبيعية وناعمة، وحسيتها بدأت تسترخي شوية.
_________________
فجر قالت إنها هتيجي معايا بعد ما أختار الفستان…زبعد طبعت م قعدت ازن عليها عشان تيجي معايه
حسّيت بثقة غريبة لما فكرت فيها جمبي،
حسّيت إن ليا ضهر، وإن لو حد ضايقني في الخطوبة دي،
هي هتدافع عني زي ما دايمًا بتعمل.
بس استغربت جدًا لما وقفت قدام الشركة وهي بتنزل من العربية.
بصّيت لها بعدم فهم وقلت:
__رايحة فين كده؟
بصّت لي من شباك العربية، ونبرة صوتها هادية… لكن فيها جدية:
__بصراحة يا نوني…
أنا عندي شغل قد كده ومش هقدر أجي معاكي.
حسيت بخيبة أمل ضربت قلبي…
قلت وأنا مش قادر أخفي وجعي:
__فجر… لا بجد… متعمليش كده.
ابتسمت برقة، لكن ابتسامتها كانت مليانة حكمة، وقالت:
__متخافيش… أنا هخلي حد تاني يجي معاكي.
مكنتش فاهمة هي بتفكر في إيه بالظبط…
لكن فهمت كل حاجة لما بصيت وشوفتها بتبص لتميم، اللي واقف قدام الشركة ولبس بدلة رمادي.
حدفتله مفتاح العربية بحدة، ونبرة صوتها فيها حرص وحزم:
__خد بالك منها.
وبعدين دخلت هي الشركة…
وسابتني واقفة هناك… بين شعور بالأمان اللي كانت بتديني إياه…
وبين خيبة أمل كبيرة عشان مش هتكون جمبي.
تميم قرب من العربية وفتح الباب وقعد جمبي…
قلبي بدأ يدق أسرع من كده… التوتر مسيطر عليا من أول لحظة شفت فيها فجر دخلت الشركة.
بصيت له بارتباك وحاولت أتحكم في صوتي:
__معرفش بجد… هي عملت كده ليه؟
ابتسم بحنية، وعيونه فيها ضحكة صغيرة، وقال:
__شكلها بتحبك أوي.
حسيت وشي سخن… حاولت أخفي ارتباكي، وقلت بصوت منخفض:
__مدام فجر؟ آه… شديدة شويه… بس طيبة… وبتحب تساعد غيرها.
ابتسم وتمتم لنفسه وهو بيدور بالعربية…
مش فاهمة إيه اللي بيضحك!
بصّيت له باستغراب وسألته:
__بتضحك على إيه؟
بصّلي بنظرة فيها دهشة واكتشاف… وقال وهو مبتسم بطريقة غريبة:
__أنا عرفت… إن فجر تبقى أختك!
قفلت بؤي على الصدمة… قلبى بقى يدق بسرعة، ومش قادرة أصدق اللي سمعته.
رديت وأنا بحاول أبرر، قلبي لسه بيدق بسرعة:
__تميم… أنا مكنتش أقصد… مقولكش.
رد بهدوء، صوته ثابت لكن فيه حزم:
__عارف… فجر فهمتني كل حاجة.
رفعت حاجبي بتساؤل وقلت:
__أفهم من كده إن هي اللي قالتلك؟
هز راسه وهو بيقول بعدم اهتمام، نبرة صوته كأن الموضوع بسيط بالنسبة له:
__مش مهم مين اللي قالي… المهم إني عرفت.
حاولت أفهم أكتر، وقلت وأنا بحاول أخفي توتري:
__وعرفت برضه… إنت جي معايا ليه وفين؟
هز راسه بتأكيد على كلامي…
وفي اللحظة دي حسيت بمزيج من الصدمة والارتباك، قلبي مش قادر يستوعب كل التفاصيل…
بس كان في إحساس غريب بالأمان لوجوده جمبي… رغم كل الحيرة والوجع اللي جوايا.
وصلنا قدّام القاعة اللي معمول فيها الخطوبة.
تميم نزل الأول، ولف وفتحلي باب العربية.
نزلت…
وأول ما وقفت قدّام المكان، قلبي اتقبض.
الإضاءة، الناس، الأصوات اللي طالعة من جوّه…
كل حاجة كانت بتفكّرني إني داخلة مواجهة،
مش مناسبة فرح.
الخوف مسيطر عليّا،
حسّيت نفسي صغيرة قدّام الباب الكبير ده،
كأني على وشك أفتح صفحة أنا مش مستعدة ليها.
بصّلي تميم وابتسم ابتسامة هادية، وقال:
__شكلك حلو على فكرة.
حسّيت خدودي سخنوا،
ابتسمت بحرج ورجّعت خصلة من شعري ورا وداني، وقلت:
__وإنت كمان.
ضحك بخفة وقال:
__طب إيه؟ مش هندخل؟
بلعت ريقي، وهزّيت راسي بتردد،
وصوتي طلع واطي بس مصمّم:
__هندخل…
هندخل.
وأنا بخطو أول خطوة ناحية الباب،
كنت حاسة إن قلبي سابقني،
بس في نفس الوقت…
كان في حاجة جوايا بتقولي
إن الرجوع مش خيار،
وإن المواجهة، مهما كانت موجعة،
أهون من الهروب.
دخلنا القاعة…
وأول ما خطوت جواها، عيني بدأت تدوّر عليه لوحدها،
كأن قلبي حافظ مكانه قبل ما عقلي يستوعب.
لقيته واقف، بيتكلم مع حد،
لابس بدلة خلت شكله…
مؤلم.
جميل أوي بالطريقة اللي بتوجع،
الطريقة اللي تفتّح جرح كنت فاكرة إني غطّيته.
قلبي وجعني فجأة، وجع حاد،
حاسّة بيه في صدري وكأني مخنوقة،
مكنتش قادرة أسيطر على نفسي ولا على نظراتي اللي اتعلّقت بيه.
وفجأة…
حسّيت بإيد دافية مسكت إيدي.
بصّيت لتميم،
لقيته باصصلي بثقة، نظرة ثابتة، كأنها بتقولي: انتي مش لوحدك.
هزّيت راسي بخفة…
فهمت هو قاصد إيه من غير ولا كلمة.
شدّيت نفسي، فردت ضهري،
رفعت راسي، وخدت نفس طويل،
وبدأنا نمشي ناحية مراد عشان أسلّم عليه.
كل خطوة كانت بتوجع…
بس كل خطوة كانت كمان
بتعلّمني
إني لسه واقفة.
قربت منه…
وكان واقف جنب بنت قمورة أوي، ملامحها هادية وناعمة،
من غير ما حد يقول، كنت عارفة إنها خطيبته.
أول ما عينه جت في عيني،
وشّه اتخطف…
الصدمة باينة، كأنه عمره ما توقّع إني أظهر هنا.
مدّيت إيدي ليه،
اتلخبط لحظة، كان واضح إنه بيحاول يستوعب وجودي،
وبعد ثواني مدّ إيده هو كمان.
ابتسمت، ابتسامة متعبة بس متماسكة، وقلت:
__ألف مبروك يا مراد…
مصدّقتش بصراحة لما عرفت إنك اتخطبت.
قبل ما يرد،
سمعت صوت حاد جمبي.
بصّيت ناحية البنت اللي كانت واقفة جنبه،
وقالت بنبرة فيها سخرية واضحة:
__ومصدّقتيش ليه يعني؟
ردّيت بابتسامة مستفزّة وقلت:
__مكنتش أعرف إن مراد بيعرف يشيل مسؤولية… ده شايل مسؤولية نفسه بالعافية.
كانت لسه هترد عليّا، لكن صوت مراد قطعها وهو بيبص لتميم بنظرة مستغربة:
__مين حضرتك؟
ابتسم تميم ومدّ إيده بثبات وقال:
__أنا تميم، صاحب نوّارة.
ضحك مراد بسخرية وقال:
__صاحب؟ من إمتى نوّارة بتصاحب ولاد؟
شدّ تميم على إيدي وهو بيرد عليه بنبرة هادية بس حادة:
__هي فعلًا مكنتش بتعمل كده لما كنت إنت في حياتها، لأنها كانت بتحترمك.
لكن دلوقتي؟ إنت برا الصورة… فليه لأ؟
قرّبني منه وحاوطني بإيده، وبصّلي في عيني وقال:
__وكمان أنا ونوّارة هيبقى في حاجة قريبة بينا… صح يا نوري؟
كلام تميم وقع عليّا زي الصدمة…
قلبي خبّط خبطة واحدة قوية، وعقلي اتشل للحظة.
في حاجة بينا؟
هو قالها بسهولة مخيفة… كأنها حقيقة متقالتش غير دلوقتي.
بصّيت له وأنا تايهة، بحاول أفهم هو عايز يوصل لإيه،
بس نظرة عينيه كانت ثابتة، واثقة،
نظرة حد قرر يلعب الدور للنهاية.
هزّيت راسي بتوتر،
مش عشان متأكدة،
لكن عشان مش عايزة أدي لمراد فرصة يشوف ضعفي.
رجّعت عيني على مراد…
وشه كان متشدّد، فكه مقفول،
واضح إنه بيحاول يسيطر على غضبه،
بس النار كانت طالعة من عينيه.
حسّيت بإيد تميم حواليا،
إحساس غريب بين الأمان والارتباك،
بس في اللحظة دي، وجوده جمبي كان الدرع الوحيد اللي واقف بيني
وبين انكسار كنت على وشك أعيشه قدّامهم.
مراد سكت…
وسكوته كان أعلى من أي كلام.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة:
مش كل اللي بيغضبنا لسه فارق معانا،
بس في ناس
وجعهم لينا
بيفضل عايش شوية
قبل ما يموت.
وأنا واقفة هناك،
راسي مرفوعة،
قلبى موجوع…
بس مش مهزوم.
يتبعععععع
