رواية وهم الحياة الفصل الخامس عشر 15 بقلم خديجة احمد

رواية وهم الحياة الفصل الخامس عشر 15 بقلم خديجة احمد

#وهم_الحياه 

البارت الخمستاشر

فجر

بدأت الخطة اللي كنت عاملاها قبل ما أروح الشغل.

اتصلت بهنيّة وطلبت منها تيجي تجهّز الدنيا، علشان عاملين حفلة في البيت بمناسبة الصفقة الجديدة.


جهزت نفسي، لبست فستان لونه لبني، بأكتاف، وسيبت شعري القصير زي ما هو.

حطيت ميكب هادي، ورشة بيرفيوم…

وكده بقيت جاهزة.


نزلت لقيت هنيّة مخلّصة كل حاجة.

ابتسمت لها وقلت بإعجاب:

__تسلم إيدك يا هنيّة، بجد البيت بقى تحفة.


ردّت بابتسامة صافية:

__تسلمي يا ست هانم، ده من ذوقك… أنا عنيا ليكي.


هزّيت راسي برضا،

وبصّيت على الساعة اللي على الحيطة.

المفروض في الوقت ده المعازيم يبدأوا يوصلوا.


استنيت خمس دقايق…

وبالفعل، الجرس بدأ يرن.


واحد ورا التاني.

صحابي.

موظفين من الشركة.


والبيت ابتدى يتملي دوشة وضحك…

بس أنا كنت عارفه إن اللي جاي أكتر من مجرد حفلة.


وثواني وكان الباب خبط تاني،

المرة دي فتحت أنا بنفسي.


يعقوب ومريم كانوا واقفين جنب بعض.


ابتسمت أول ما شوفتها،

لكن هي اتصدمت…

نظرتها اتجمّدت وكأنها مش مصدقة اللي قدامها.


مريم كانت واقفه مكانها مش عارفه تنطق

وعيونها بتلف عليا من فوق لتحت كأنها بتتأكد إني حقيقي مش خيال


يعقوب قطع الصمت وهو بيقول:

__إحنا… مش متأخرين؟


ابتسمت وأنا بفتح الباب أكتر وقلت:

__لا طبعًا، اتفضلوا


دخلوا

ومريم لسه متلخبطه

واضح إن وجودها هنا مكنش ف الحسبان خالص


قربت منها وقلت بهدوء:

__وحشتيني يا مريم


بلعت ريقها وقالت بصوت واطي:

إنتي… إنتي اللي عامله الحفله؟


هزيت راسي بابتسامه:

__أيوه


رد يعقوب باستغراب وهو بيقول:

__إيه ده؟ هو إنتوا تعرفوا بعض؟


هزيت راسي بهدوء وقلت:

__دي مريم… سكرتيرة زين جوزي

اللي حكيتلك عنه قبل كده.


هز راسه ببطء، ونظرة عينيه قالتلي إنه فاهم كويس أنا بعمل إيه

وزي ما هو فاهمني…

كان عارف بالظبط هو المفروض يعمل إيه في اللحظة دي.


بص يعقوب لمريم تاني بنظره أطول شوية

نظره فهم… مش استغراب


قال بهدوء مقصود:

__آه… كدا الموضوع وضح


مريم شدّت إيديها على بعض بتوتر، وصوتها حاولت تطلعه ثابت:

__أنا… أنا مكنتش أعرف إن البيت دا بيتك انتي ومستر زين


ابتسمت ابتسامة خفيفة، من النوع اللي بيخبي حاجات كتير:

__الدنيا صغيرة يا مريوم، أكتر مما إحنا فاكرين


وحاولت متوترهاش أكتر من كده، عشان التوتر الحقيقي لسه جاي.


اديتها عصير، وشربت، وعيونها كانت بتلف ف كل حتة حواليها…

بعد شوية ركّزت نظرها عليا وقالت بصوت واطي لكن فيه فضول:

__يعني مستر زين مش هيحضر ولا إيه؟


ابتسمت لها وقلت بهدوء:

__هيجي حالا… هو بس قالي إن وراه شغل وهيتأخر شوية.


بصّت لي بصدمه، حاولت تخفيها وقالت:

__يعني مستر زين عارف إن حضرتك عاملة حفلة؟


عرفت إنها متغاظة شوية إنه محكلهاش، فقلت لها بابتسامة خفيفة:

__طبعا يا روحي…


وضفت في سرّي لنفسي:

_هو ولا طبعا ولا حاجة!

زين ميعرفش أصلا، بس حبيت أخليها مفاجأة ليه… وليها كمان.


_________________


يعقوب


وزي ما اتفقت أنا وفجر، ما سيبتش مريم لحظة…

عرفت إنها لو لقت فرصة تبلغ زين، ساعتها مش هيجي.


حاولت تتجنب كتير، تتحرك بعيد أو تشرد،

بس أنا كنت دايمًا حريص إنها تفضل جوه نظري،

ما تقدرش تختفي عني.


كل حركة منها كنت بتابعها، كل كلمة كانت بتطلع من عندها كنت سامعها…

عشان اللحظة دي محتاجة كل حاجة تكون تحت السيطرة


شفت الباب بيتفتح…

عرفت اللحظة اللي كنت مستنيها.


زين دخل، لابِس بدلة أنيقة، شكله واثق،

بس حسيت فورًا إن الجو اتغير حواليه.


مريم اتحجرت في مكانها، واضحة الصدمة على وشها…

وفجر واقفة قدامها، عيونها مركّزة عليه، بس فيه هدوء مخفي وراحة ثقة.


أقدر أحس كل حاجة…

النظرات، التوتر، القلوب اللي بتدق بسرعة.


زين مش واخد باله مني ولا من وجودي، بس أنا شايف كل تفصيلة فيه…

حركة إيده، طريقة وقوفه، الابتسامة اللي تحاول تخبي أي مشاعر.


في اللحظة دي، حسّيت إن كل حاجة حواليّا صارت بطيئة…

والوقت بقى واقف،

________________


نواره 


مراد خدني بعيد عن العيون، بعيد عن خطيبته وعن الزحمة،

كأن المكان فجأة بقى أضيق علينا الاتنين.


بصلي وقال بنبرة فيها شك وغيرة حاول يخبيهم:

__انتي…

انتي فعلًا بينك وبين البني آدم ده حاجة؟


رفعت عيني ليه،

وأول مرة أكلمه بالقسوة دي، قسوة طالعة من وجع مش من غضب:

__أظن ده ما يفرقش معاك يا مراد،

إنت دلوقتي خاطب


اتنهد، وعينيه كانت مليانة أسف متأخر،

وقال بصوت مهزوز:

__نواره… أنا لسه بحبك.


ضحكت ضحكة سخريّة،

ضحكة وأنا بحاول ألم دموعي قبل ما تقع قدامه:

__إنت ما بتحبنيش يا مراد،

إنت حبيت حُبّي ليك… مش أكتر.

وفي خلال شهر واحد بس،

كنت خاطب واحدة غيري.


صوتي واطي، مكسور،

بس الوجع كان واضح:

__كنت دايمًا تقول إنك مش معاك نتجوز،

وإن اللي جاي على قد اللي رايح…

وأنا صدّقتك.


رفعت عيني للقاعه، للزينة، للدهب اللي لابساه خطيبته،

ورجعت أبصله وأنا بكمل:

__بس بعد ما شوفت القاعة،

وشوفت الدهب اللي جايبه لها…

فهمت.

مش حكاية فلوس ولا ظروف يا مراد،

الحكاية إنك كنت مستخصر فيّ،

مستخصر عشان شوفت ان عيشتي مرتاحة.


سكتّ.

كلامي نزل عليه زي السكاكين.

شاف نفسه قدامي عريان من أي مبرر،

وعيونه اتكسرت… بس متأخر أوي.


قرب خطوة وهو بيحاول يمسك إيدي،

سحبتها بسرعة، كأني لمست نار.


قال بصوت واطي مهزوز:

__مش مستخصر… والله ما كنت مستخصر،

أنا كنت خايف… خايف أقصّر، خايف أظلمك معايا.


ضحكت ضحكة قصيرة طالعة من وجع مش من ضحك:

__تظلمني؟

لا يا مراد…

الظلم الحقيقي إنك سيبتني أستنى،

وأحلم،

وأبررلك،

وفي الآخر ألاقيك واقف هنا…

مع غيري، ...وبتقولّي بحبك.


سكت لحظة،

وحسّيت قلبي هو اللي بيتكلم مش لساني:

__أكتر حاجة وجعتني مش إنك اتخطبت…

اللي وجعني إني كنت هقبل بالقليل عشانك،

وأنت اخترت تدّي غيري الكتير

وانا حتى ما استاهلتش الحقيقة.


عيونه دمعت،

بس دموعه ما حرّكتش فيّ حاجة.

الوجع اللي جوايا كان أقدم وأتقل من أي ندم متأخر.


قربت منه شوية، مش ضعف…

قوة.


قلت بهدوء قاتل:

__حبك جه متأخر،

واعترافك جه بعد ما كل حاجة خلصت.

أنا موجوعة آه…

بس مش مكسورة زي ما أنت فاكر.


لفّيت وشي ومشيت،

وسيبت ورايا مراد

واقف في نص القاعة…

خاطب،

وخاسر.


وخرجت من القاعة،

سايبة ورايا كل حاجة…

الدوشة، الضحك، النور،

وسايبة الإنسان الوحيد اللي حبيته بجد.


كنت بهرب…منه، ومن نفسي، ومن دموعي اللي خرجت عن سيطرتي خلاص.


الهواء برّه كان تقيل، ..ونفسي مخنوق، ...وعيني مش شايفة قدامي من كتر العياط.


سمعت صوت خطوات ورايا،

عرفت من غير ما ألف…

تميم


سرّعت خطوتي،

مش عايزة حد يشوف ضعفي،

ولا يسمع قلبي وهو بيتكسر.


بس الكعب خانّي رجلي لفت،

وكنت هقع…


في ثانية،

إيدين مسكوني قبل ما الأرض تلمسني.


صوته جه قلقان، قريب أوي:

__انتي كويسة؟


ما قدرتش أرد.

ولا حتى أرفع عيني.

كل اللي عملته إني هزّيت راسي بـ لا.


قلعت الكعب بإيد مرتعشة،

ورميته جوه العربية من غير ما أبص،

كأني برمي معاه وجع سنين.


مشيت خطوتين،

وبعدين رجلي ما شالتنيش.


قعدت على الرصيف، ضمّيت نفسي،

وانهارت.


بكيت…

بكيت بحرقة،

بكيت على حب صدّقته،

وعلى عمر ضاع في انتظار حد

ما كانش ناوي يختارني.


وتميم؟

وقف قدامي ساكت،

مش بيضغط،

ولا بيقاطع وجعي…


قعد جمبي على الرصيف،

وقرّب شوية من غير ما يزاحم وجعي، إيده كانت بتطبطب على ضهري بحنية هادية

كأنها بتقول أنا هنا من غير كلام.


قال بصوت واطي، دافي:

__بتحبيه أوي كدا؟


ما رديتش ....كنت منهارة،

العياط كان ماسكني من جوايا،

وكأني لو فتحت بوقي هانهار أكتر.

سمعته وهو بيقول، بنبرة أهدى:

__اتكلمي يا نواره…

طول ما انتي كاتمة جواكي مش هترتاحي ..جربي تفتحي قلبك،وصدقيني…لا هاحكم عليكي،

ولا عليه حتى.


بصيت له بتردد،

عيني كانت محمرة وبتحرق، وقلبي بيدق بخوف ...بس في اللحظة دي كنت محتاجة أتكلم،

أطلع الوجع اللي خانق صدري.

رفعت عيني وبصيت له،

وصوتي طلع مكسور وأنا بقول:

__مراد…

مراد دا الإنسان الوحيد

اللي حبيته بجد.


الكلمة خرجت تقيلة،

كأنها اعتراف متأخر،

ومعها خرج جزء من وجعي

كنت مخبياه عن الدنيا كلها.


كمّلت وأنا بشهق،

الهواء كان تقيل في صدري وكأن نفسي مش راضي يطلع:


«كل حاجة ادمرت من يوم ما سيبته…»


مسحت دموعي بإيدي،

يمكن كنت بحاول أمسح الوجع مش بس الدموع،

وكملت وصوتي بيرتعش:

__أنا عارفة إني اللي اخترت البُعد،

بس كل دا كان بسببه

أول ما شوفته في الكوشة قلبي اتقبض…

وجعني وجع عمري ما حسّيته قبل كدا.


سكتّ لحظة،

وبعدين سألت نفسي بصوت طالع من جوّه النار:

__هو أنا اتنسي بالسرعة دي؟

يعني كل اللي كان بينا…

يتنسي في شهر؟


سمعت صوته هادي وهو بيسألني:

__والإجابة كانت إيه؟


ضحكت ضحكة مكسورة،

فيها قهر أكتر ما فيها صوت،

وقلت بوجع:

__ملقيتش إجابة…

 لحد دلوقتي.


شدّيت نفسي وكملت،

وكل كلمة كانت بتجرّ اللي بعدها جرح:

__ولما شوفته عاملها خطوبة في قاعة

وجايبلها دهب قد كدا…

صعبت عليّ نفسي قوي.

أنا مجابليش غير دبلة لما كنا مخطوبين،

وأنا والله ما اعترضتش،

ولا زعلت…

طول ما دا على قد مقدرته.


نفسي اتقطع وأنا بختم:

__بس كل دا…

اتبخّر،

كأني مكنتش حاجة بالنسباله ...


سكتّ،

والصمت كان أوجع من الكلام.

صدري كان بيطلع وينزل بسرعة،

وكأني لسه طالعة من معركة خسرتها لوحدي.

تميم فضل ساكت شوية،

سابني أطلع اللي جوايا على مهلي،

وبعدين قال بصوت واطي، هادي، فيه ثِقل الرجولة مش شفقة:

__اللي يسيب حد شبهك…

ميبقاش كسب حاجة.


هزّيت راسي بنفي،

ضحكة صغيرة هربت مني من كتر الوجع:

__متقولش كدا…

يمكن أنا اللي كنت قليلة،

يمكن حبي كان أكتر من اللازم.


قاطعني بسرعة،

نبرته بقت حاسمة لأول مرة:

__لا إنتي كنتي صادقة…

ودي مش قلة، دي قوة.

بس مش كل الناس تعرف تشيل القوة دي.


بصّيت له،

أول مرة أحس إن في حد شايفني مش ضعيفة،

شايفني مكسورة… بس لسه واقفة.

قال وهو بيبص قدامه:

__مراد اختار السهل،

والسهل دايمًا يبان مغري…

بس عمره ما بيبقى صح.


بلعت ريقي،

وسألت السؤال اللي كان واكل قلبي:

__طب ليه لسه بيوجع؟

ليه حاسّة إني واقفة مكاني وهو كمل؟


بصّلي بهدوء،

والإجابة كانت أبسط وأصدق ما سمعت:

__عشان إنتي حبيتي بجد…

واللي بيحب بجد،

بياخد وقت عشان يقوم.


مدّ إيده بهدوء وقال:

__بس هيقوم…

وأنا متأكد إن اليوم اللي هتقومي فيه،

هتستغربي إزاي كنتي فاكرة إنك قليلة.

ساعتها…

مكنتش جاهزة أرد،

بس لأول مرة من زمان،

الوجع وجعه أقل شوية.

يتبععع

     الفصل السادس عشر من هنا 

لمتابعة باقي الرواية زوروا قناتنا على التليجرام من هنا   

تعليقات