رواية نجاة مؤجلة (كاملة جميع الفصول) بقلم ملك عبدالله
راحة فين بالفستان والميكاب ده؟!
— خطوبة صاحبتي.
— خطوبة؟!
سكت ثانية، وبصّلي من فوق لتحت بنظرة مستفزّة:
— اممم… طب يلا يا حِلوة على البيت من غير نقاش ومن غير حرف واحد أسمعه منك.
— ارحـمني يا يوسف، ارحـمني
وبانفجار مكتوم:
— إنت مين إنت عشان تتشرّط؟!
قرب خطوة وصوته نزل تقيل:
— خطيبك… وبكرة أكون جوزك.
ضحكت بسخرية موجوعة:
— في أحـلامك الواسعـة أنا لا خـطبتك ولا هبقى مـراتك
متتعدّاش الحدود اللي بينا
إنت مجرد ابن عم لا أكتر ولا أقل.
شد فكه، وقال بحدّة أنهت الكلام:
— خلصتي؟! يلا على البيت
_ مـنك لله... أنا تعبت، دي بقتش عيشة لا لاقياها منك ولا من أبـويا.
فجأة قطع المسافة اللي بينا
مسك إيدي وقربني منه
بس لسه فيه مسافة…
اتكلم وهو بيبصلي بعصبية مكبوتة:
— بت إنتِ، اتعدّلي لأعدّلك.
تحترمي نفسك وكلامك معايا
مش عيل صغير بتكلميه، فـاهمة؟
أنا صابر عليكِ عشان أمك بس
لكن والله… ثم والله
لو صـبري نفـد منك،لا هحلِك
ولا هتتّقي شري اللي هيمسك.
قرب أكتر، وصوته بقى أبرد من التلج:
— ادخلي جوّه، واقلعي الزفـت اللي إنتِ لابساها دي
ولا المـسخـ. رة اللي على وشك دي.
وبهدوء مرعب قال:
— لو الأستاذ عماد مربّكيش صح… أربيكِ أنا يا محترمة!
دفعتُه بعنف، وأنا بزقّه بإيدي
الغضب كان بيحرقني من جوّه
صوتي اتهز وعيني غرقت دموع:
— أنا محترمة غصب عنك وعن أي حد!
إنت مالكش حق عليّا، فاهم؟
إوعى تقولي الكلام ده تاني.
أنا متربية…
شوف نفسك الأول وبعدين تعالى احكم على غيرك
يا هـجمي، يا مـتعجرف.
قربت منه خطوة، وكمّلت بـوجع:
— ابقى قابلني لو لقيت حد يبص في خلقتك
ولا يستحمل يرتبط بيك.
إنت إنسان مش سـوي.
لوّح بإيده بلا مبالاة ولف الناحية التانية
وصوته المعجرف طلع ثابت:
— ما أنا للأسف لقيتك يا عروسة.
استعدي عشان عريسك جاي، وهيكتب كتابك الليلة.
رجع خطوتين نـاحيتي
وقال ببرود:
— ووقتها، قسمًا بربي لأربيكِ يا بنت عماد.
قالها…
واختفى.
دايمًا بيظهر ويختفي بسرعة غريبة من غير ما حد يفهمه.
مستغربين؟
يعني إيه مش هو ابن عمك؟!
أيوه
دي الحقيقة المؤلمة
هو ابن عمي
إمتى ظهر؟
معرفش
فجأة لقيناه وسط العيلة.
الابن الأكبر لعيلة الشرقاوي
عيلة معروفة بجبروتها الواسع، وغِناها الفاحش.
أي إنسان يتمنى يتولد في عيلة غنية مليانة ثراء
بس قصاد ده
ممكن تتحرم من أعز احتياجاتك في الحياة.
الغِنى لوحده مش كفاية عشان يبسطك.
فيه حاجات أهم
حـنان…
حـب…
دفـا…
أمـان
واستقـرار.
ده كله
مش موجود في عيلتنا.
ولا موجود بين إخواتي ولا حتى عند أبويا.
أمي…
هي الوحيدة في العالم
اللي كانت — ولسه —
مصدر الأمان الوحيد ليّ.
في وسط عالم شـرير
عالم اسمه العيلة.
وأنا مش ببالغ.
ولا بزود دراما.
عيلتنا مـ.جـرمـة
مستغربوش
ناس بـ.تتاجر في الآثـار،والـ.سـلاح
وأي حاجة حـرام تدخل فلوس وتطلع د. م.
كلهم مستخبيين وشهم قدّام الناس نضيف
بس من جوّه أعمال مشبوهة
وأسرار متدفنة أكتر من الآثار
اللي بيطلعوهـا من الأرض
حتى إخواتي الشباب طلعوا ليهم
نفس القسوة
نفس البرود
نفس الإحساس إن الدنيا غابة
والأقوى هو اللي يعيش.
إحنا أربع شباب وبنت
والبنت دي أنا
أصغرهم
يمكن عشان أمي حاولت تحميني يمكن عشان بابا
سابها تربيني لوحدها سابني ليها
كبرت وأنا شايفة السـكوت بيغلب الكلام
كبرت وأنا فاهمة
إن الحنية ضعف في عيلتنا
وإن الصوت العالي هو القانون
أنا الوحيدة
اللي طلعت لأمي
بعيدة عنهم
عن دمـهـ.م
عن سوداهم
يمكن عشان كده
مش طايقيني.
يمكن عشان كده عايزين يـكسروني.
دخلت البيت وسمعت كلام يـوسف عادي
مش عشان خايفة منه ولا حاجة
لا، خالص احترامًا لأمي وبس أكـيد يعني.
بس ده ما يمنعش إني أروح لها دلوقتي
وأطلع كل الغضب والعصبية اللي متكدّسين جوايا.
— رجعتي تاني ليه يا روان؟
— اتخنقت…
خلاص بقيت مش قادرة أستحمل
ده مش إنـسان ده حـيوان، فاهمة؟ حـيوان.
أنا أقعد هنا في البيت ده أهون عليّ
من إني أتجوز واحد زيه
هو بيكرهني يا ماما أنا ما طلبتش يحبني
بس كفاية عليّ القرف ده!
قربت مني، بحنيتها اللي متعودة عليها
وصوتها هادي كعادته:
— يا عيوني يا روان
يـوسف حنين، ومفيش زيه
رغم إنه الابن الأكبر في العيلة إلا إن أبوه كان أمير
وبعد عن كل القرف ده.
ساب أبوه وأخوه يتاجروا وأخد مراته وابنه ومشي
ساب كل اللي يملكه هنا وهاجر عشان ينقذ عيلته.
ياريت أبوكي عمل كده…
أمر الله محسوب.
إخواتك الشباب تعالي شوفيهم
بيكرهوا أمهم وحياتهم بقت نـ. ار بسبب أبوكي.
إنتِ لو كمّلتي على كده. حياتك هيبقى فيها ضرر.
مش عشان أبوكي سابك الفترة دي يبقى شايل إيده منك.
آخرتها هيجوزك واحد شبههم بيتاجـ. ر في الناس.
مستقبلك هيتدمّر يا روان…
مفيش غير يـوسف أنا لقيت يـوسف بعد معاناة
وافق على طلبي وده معجزة بالنسبالي
احمدي ربنا يا روان واسمعي الكلام.
وافرحي إنك هتنجّي من الظلم والقهر اللي إحنا فيه.
بصّيت لها، وصوتي كان مكسور:
— هسيبك إزاي يا ماما هنا؟ مش هقدر.
هسافر إزاي؟ قوليلي.
هعيش حياتي مع حد غريب وفي بلد غريبة… إزاي؟
ردّت بهدوء موجِع:
— هعيش زي ما عشت السنين دي كلها
وإنتِ؟
إنتِ هتعيشي وتتأقلمي.
حياتك هناك على الأقل هتعيشي في أمان.
معنديش فكرة
هي عندها حق ولا لأ.
آه، حياتي هنا عذاب ودمار بس يـوسف؟
كرهته من أول مقابلة
بيتحكم فيّ من دلوقتي
وأمي… يا عيني بتقول حنين
ومتعرفش اللي مستخبي ورا الهدوء ده والله ما تعرف.
اليوم عدى ومروحتش فعلًا خطوبة صاحبتي.
قلت مش مهم هنام وأرتاح أحسن.
نمت.
وبعد ساعة تقريبًا حسّيت بإيد بتهزّني.
فتحت عيني بالعافية.
— إيه يا ماما؟
— قومي كده وفوقي يا روان… عشان تمضي .
اتعدلت في السرير،
بصّيتلها باستغراب.
— أمضي؟
أمضي إيه؟
اتنحنحت، وكلامها نزل عليّا تقيل:
— كتب كتابك إنتِ ويـوسف…
وحضّرتلك الشنطة عشان خلاص
هتسافري كمان كام ساعة.
سكت.
سُكات طويل…
من النوع اللي اتعودت عليه وقت الصدمات.
كأنها مش بتقول مصيبة كأنها بتشغّل نغمة موسيقى عادية.
— إنتِ بتقولي إيه؟
بتهزري؟
أمضي على إيه؟
وأسافر فين؟!
— يـوسف وراه شغل هناك ضروري ولازم يسافر النهارده
فعشان كده عجلنا في كل حاجة.
يلا يا روان ما صدّقنا أبوكي وافق.
التوتر مسك في قلبي والخوف لفّ حوالين نفسي.
آه…
كنت هتجوزه عارفة.
بس على الأقل
أبقى عارفة اليوم.
أبقى جاهزة نفسيًا.
يعني إيه أصحى من النوم
علشان أمضي على كتب كتابي؟!
قلبي كان بيخبط
مش بسرعة
لا….بفوضى.
كأني واقفة قدّام هاوية
وأول ما أتحرّك هـقع.
— يلا يا روان المأذون تحت.
لبست إسدالي
إيدي كانت بتترعش
ولا عارفة أرفع عيني.
نزلت
لقيت ناس قرايب وشوش مألوفة
بس ولا وش فيهم كان أمـان.
وهو واقف هادئ
ملامحه ثابتة
كأنه داخل صفقة
مش جوازة.
رفع عينه
أول ما شافني
نظرة سريعة وسـكت.
المـأذون بدأ
وأصـوت كتير بسمعها كأنها طالعه من قاع بير.
خلص كل شيء
في دقـايق.
ولا زغروطـة
ولا فرحـة
ولا نفس.
دخلت أوضتي
الشنطة جاهزة
كأن حد شال حياتي
وقفت قدّام المراية وشّي باهت وعيني مطفية
بس جواها نـ. ار.
دخل يـوسف من غير ما يخبط.
— قدّامك نص ساعة.
— نص ساعة إيه؟
— قبل ما نمشي.
بصّيت له
لأول مرة
من غير خوف
من غير دموع:
— إنت فـاهم عـامةً غلط، جوازنا مُجرد شو وانتهى تـمام، بلاش التحكمات دي معايا ولا أنت فـاهم حاجة غير دي؟!
قرب
وقف قصادي
بس المرّة دي من غير تهديد:
— لأ عـارف إن جوازنا مُجرد شو بس ده مش هيمنعه إنـه
هيخلّيك تحت إيدي.
ضحكت
ضحكة قصيرة مـكسورة:
— يبقى اسمعني كويس
أنا ممكن أكون ضعيفة قـصادك
بس مش مكسورة
وأقسم بالله
لو حاولت تـقرب غـصب
هـفضحك
وأكـسرك حتى لو كـسرت نفسي معاك.
عينيه وسعت
مش خـوف من تـهديدي ده انـدهاش.
سابني
وقال بهدوء غريب:
— الـوقت هيبيّن
مين فينا هيكسب.
في العربية
الطريق كان طويل
وأنا ساكتة بسمع دقات قلبي بـس.
بيتي بيبعد والبيوت تصغر
وأنا حاسة إن روحي بتتسحب من مكانها.
دخلنا المطار زحمة وأصوات
وأنـا ولا هـنا.
سلّموا علينا وخلاص وسابوني، ملحقتش اودع ماما من تهكم بابا كتر خيره أصلاً إنـه فكر يوصلني،واثقة إنـه توصيله وفـكرة إنـه يوافق على الجواز بالسهولة دي مش بالبـساطة دي، أكـيد في خـدعة!
باب الطيارة اتقفل.
قعدت كـان أول مرة أسافر مش بإرادتي.
بصّيت له
كان مغمّض
كأنه مرتاح.
همست
لنفسـي
— يا رب
إنت الوحيد
اللي شايف
واللي فاهم
وأنا معنديش غيرك.
الطيارة طلعت
والأرض بعدت
وأنا دخلت مرحلة ما كنتش أعرف إنها ممكن تكون
بداية
أو…
نهاية.
واحد…
اتنين…
تلاتة…
أنا اتجـوزت
و سـافرت.
والله قلبي
نبضاته بتعلى
كل ما الناس تقل حوالينا و بـقينا لوحدنا.
لحد ما لقيته
بيقفل باب الفيلا علينا.
بلد غريبة.
بيت غريب.
وشخص…
أغرب من كل ده.
كان نفسي أشوف عـمو ومـرات عـمي
بس للأسف… اتـوفّوا.
ومتبقّيش غير يـوسف.
يـوسف المتعجرف.
الـوحش.
القـاسي اللي—
— يا أهـلاً بروان،
اللي حياتها هتتقلب معايا…
واحدة واحدة.
قرّب مني.
المسافة بينا اختفت.
— تـفتكري
هـتتقلب جـنة؟
ولا نـ.ار؟
وسكت لحظة قبل ما يكمل بابتسامة خلت جسمي كله يشدّ:
— أسـيبك تـختاري؟
ولا…
أخـتار أنـا؟
#يتبع
#نجاة_مؤجلة
#مَلَك_عبدﷲ_أحـمَـد.
