رواية من نظرة عين الفصل السادس عشر 16 بقلم هند سعدالدين

رواية من نظرة عين الفصل السادس عشر 16 بقلم هند سعدالدين

— القرار ده مين اللي أخده؟

قالها طه وهو واقف عند طرف الطاولة قريب من الموقع بتاعي..

رددت " هتقف لي على الواحدة!" 

رفعت عيني من على الرسومات.

ما استغربتش السؤال، استغربت النبرة.

— أنا.

قولتها بهدوء، من غير شرح.

— من غير ما ترجعي لي؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة، مهنية.

النوع اللي بيتلبس وقت اللزوم.

— أنا رجعت لحضرتك في النقاط اللي تخص الإدارة، التعديل ده هندسي بحت.

قرب خطوة ناحيتي..

— وأنا شايف غير كده.

قالها وهو بيبص على الورق كإنه بيشوف حاجة أنا مش شيفاها.

— تحب توضح؟

نبرة صوتي ما عليتش، هي بقت أدق.

مسك القلم، وعلّم على جزء من الرسمة.

— هنا.  التعديل ده هيأخر الجدول الزمني.

ميلت براسي عشان أشوف.

— هيأخره يوم واحد، بس هيقلل المخاطر على المدى الطويل.

رفع عينه ناحيتي.

البصة كانت شخصية زيادة عن اللزوم.

قرب أكتر ومسك صوباعي اللي بشاور بيه، شديته، ابتسم نص ابتسامه..

— وإنتي بقى قررتي تشوفي المدى الطويل لوحدك؟

سكتت ثانية.

الثانية دي كانت محسوبة.

— قررت أشتغل شغلي، واتكلم بوجهة نظري كمهندسة مسئولة عن الموقع..

قولتها بوضوح.

من غير حدة.

وده اللي خلّى الجملة تقيلة.

طه حط القلم على الطاولة.

صوت خبطته كان أعلى من اللازم.

— إنتي فاكرة نفسك في مصر؟

ولا نسيتي إن هنا كل حاجة بتمشي بموافقة واحدة؟ موافقة مديرك.

 رفعت ضهري، وخليت قعدتي رسمية أكتر..

— أنا فاكرة إني مهندسة الموقع، والموافقة الواحدة دي، بتبقى بعد ما الشغل يتراجع صح.

ابتسم.

بس الابتسامة ما وصلتش لعينيه.

ميل براسه ناحيتي، كان قربه مثير لاشمئزازي..

— شايفة إنك بتختبري صبري؟

رفعت حاجبي سنة.

مش استفزاز.

تعجب.

— أنا شايفة إنك بتختبر حدودي.

قومت أقف هو قرر يعلن الحرب عليا وأنا استعديت..

الصمت نزل تقيل.

مش صمت مهني.

صمت اتنين فاهمين بعض زيادة عن اللزوم.

طه لف حوالين الطاولة.

وقف جنبي، قريب مني..

— خدي بالك يا زهرة، اللي يشتغل تحت إيدي، ما ينفعش ينسى مين فوقه.

لفّيت راسي ناحيته ببطء.

العين كانت في العين.

— واللي يشتغل معايا، ما ينفعش يفتكر إني تحت، وإني ماريونت بيحركها مطرح ما يحب.

سحب نفس طويل.

وبعدين رجع خطوة لورا.

— خلّي التعديل زي ما هو.. دلوقتي.

قالها كده، وكلمة دلوقتي كانت رسالة.

— بس أول غلطة، الموضوع ده هيتفتح تاني، واعرفي اني مستنيكي تغلطي يا زهرة..

لمّيت الورق.

— أول غلطة في التنفيذ، مش هتبقى غلطتي.

ـ اومال غلطة مين يا باشمهندسة زهرة؟

ـ معرفش مين قرر فجأة يحاربني بس هنعرف ونشوف.

سبته ومشيت.

من غير ما استنى رد.

وأنا خارجة أدركت حاجة واحدة:

طه مش بيعارض القرار، طه بيختبر السيطرة.

والفرق بينهم

إن القرار بيتناقش.. إنما السيطرة بتتكسّر أو بتكمّل.

خطواتي في الممر كانت ثابتة،

بس جوايا كان في حاجة بترجع بظهرها للزمن.

— زهرة.

نده اسمي، من غير لقب..

وقفت.

ما لفّتش فورًا.

— لو سمحتي..

قالها بعد ثانية..

نبرته كانت اهدى من الأول.

لفّيت.

وشفت طه مش المدير.

شوفت طه اللي فاكر نفسه يعرفني.

— إيه؟

قولتُها بشكل مقتضب..

قرب، بس المرّة دي مش قرب موقع.

قرب ذاكرة.

— إحنا مش غرب عن بعض للدرجة دي.

قالها وهو موطي صوته.

ابتسمت.

بس المرة دي ما كانتش ابتسامة مهنية.

كانت ابتسامة حد فهم اللعبة.

— وإحنا مش قريبين للدرجة اللي تخليك تنسى حدودك.

شدّ فكه.

النقطة دي دايمًا كانت بتستفزه.

— حدود؟

ضحك ضحكة قصيرة.

— إنتي دايمًا بتحبي تحطي خطوط، وبعدين تستغربي لما حد يقف عندها.

قربت خطوة.

مش عشان أقرب له…

عشان أوسّع المساحة بينا.

— الخطوط دي اتعلمت أحطّها، لما اكتشفت إن اللي ما يحترمهاش، بيتوه فيها.

سكت.

بس عينيه ما سكتتش.

— لسه زي ما إنتي.

قالها بنبرة فيها حنين متكسّر.

— دايمًا فاكرة إنك أقوى من اللي حواليكي.

رفعت حاجبي.

— ودايمًا إنت فاكر إن ده عيب.

قالها زمان.

ونفس الجملة رجعت…

بس ببدلة مدير.

— الشغل هنا محتاج مرونة.

قالها وهو بيرجّع لقناع الإدارة.

— مش كل حاجة تتاخد على إنها معركة.

قاطعته بهدوء قاتل:

— وأنا مش كل مدير بيختلف معايا، بعتبره خصم، بس لما الخلاف يبقى شخصي، ساعتها بسميه باسمه.

بص لي مطولًا..

البصة اللي بتحاول تفتّش في وشّي عن زهرة القديمة.

اللي كانت بتسكت أكتر.

وتتنازل أسرع.

— إنتي اتغيرتي.

قالها كأنها تهمة.

— لأ، أنا بس بطّلت أشرح نفسي.

لفّ وراه.

خطوتين.

وبعدين وقف.

— خليكي فاكرة حاجة واحدة.

قالها من غير ما يبص لي.

— اللي بينا زمان، ما يديكيش أفضلية دلوقتي.

ضحكت.

ضحكة قصيرة، حقيقية.

— اطمن، أنا آخر واحدة ممكن تطلب أفضلية، أنا بطلب اني اعمل شغلي اللي انا شاطرة فيه، ومحتاجة مساحتي، واللي مش قادر يديها يبقى هو اللي عنده مشكلة.

سيبته ومشيت.

المرة دي فعلًا.

وأنا ماشية، فهمت إن طه مش بس بيخلط الشغل بالماضي.

طه زعلان إن الماضي، ما بقاش يدي له سلطة.

تليفون اتهز في إيدي..

كان ريكورد من بيسان..

صوت عياط وزعيق مش متفسر!


#من_نظرة_عين

الحلقة السادسة عشر

      الفصل السابع عشر من هنا 

لمتابعة باقي الرواية زوروا قناتنا على التليجرام من هنا  

تعليقات