رواية من نظرة عين الفصل السابع عشر 17 بقلم هند سعدالدين
ـ ماما..
ـ الصوت مش واضح يا بيسان..
قومت من مكاني، كان قلبي مقبوض معرفش ليه، كنت بترعش، فنجان القهوة وقع من إيدي، وسالت على الورق.
قفلت واتصلت بيها تاني..
مرة.
اتنين.
ثلاثة.
— حبيبتي ردي عليا، إنتي فين؟
الصوت رجع، أوضح شوية.
— ماما، جات أخدت مسك!
صوت عياطها وشحتفتها وجع قلبي، حاولت اتماسك..
ـ يعني إيه أخدتها؟ جات زيارة يعني؟
— كانت عايزة تاخدني أنا كمان، بس جريت.
ـ بيسان بالراحة، يعني إيه أخدتها..
ـ خطفتها.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، ماكنتش قادرة أقف كويس، طه شايفني، هو كان مراقبني من أول المكالمة..
سندني، شيلت إيده..
قعدت على الكرسي..
ـ بيسان اهدي يا حبيبتي، هو بابا فين؟
ـ بابا مش بيرد..
الدنيا وقفت.
مش اتلخبطت.
وقفت.
— إنتي فين دلوقتي؟
سألت، وأنا بحاول أرتّب نفسي..
— عند السوبر ماركت اللي جنب البيت..
ـ تمام، اطلعي البيت وماتفتحيش لحد، مهما حصل..
ـ يا زهرة أنا خايفة أوي؟
ـ أنا جاية، بطلي عياط واطلعي، إنتي كبيرة وقوية صح؟ أقدر اعتمد عليكي صح؟
ـ اه، بس تعالي بسرعة.
قفلت المكالمة، واتصلت بمالك مش بيرد!
جريت على الفندق، سحبت الشنطة، مش عارفة حطيت إيه وسبت إيه، أنا قلبي دلوقتي واجعني..
مش بفكّر.
القرار سبق الوعي.
خرجت أجري.
الممر طويل.
الأرض بعيدة.
والوقت.. بيعدي.
فتحت تطبيق الطيران، أدور على أقرب رحلة!
ملغية.
واحدة بعدها؟ معلّقة.
كإن الدنيا نفسها قررت تختبرني.
اتصلت بمالك.
المرة دي رد من أول رنّة.
— زهرة؟
صوته كان بينهج..
ـ اسف إني نسيت تليفوني في المكتب، أنا لسه واصل وواخد بالي إنك والبنات اتصلتوا بيا كتير..
قولتها مرة واحدة، من غير ترتيب، من غير مقدمات..
— بيسان اتصلت بيا، مروة خدت مسك، وحاولت تاخدها، بس هي جريت.
ـ يعني إيه أخدتها..
ـ معرفش، بيسان بتقول خطفتها.
ثانية صمت.
وبعدين صوته اتغير.
مش خوف.
حسم.
— أنا نازل حالًا.
— أنا في الكويت.
قولتُها، كأني بعتذر.
— الطيران واقف، بيقولوا متعلق ومش عارفين هيفتح إمتى.
هنا كنت بدأت أشوف مشاهد في عقلي عن مسك ورقتها وعدم تحملها للموقف ده، بدأت أعيط..
— ما تقلقيش يا زهرة، بطلي عياط أرجوكي..
ـ مسك هتبقى كويسة؟
قالها بسرعة.
— أنا معاهم، ودعواتك محاوطاهم، متخافيش..
— في حد مع بيسان دلوقتي؟
— هخلي ماما تروح لها.
— طيب، خلي التليفون مفتوح، وأنا أول ما الطيران يفتح هاجي.
قفلت.
وقفت في نص الشارع.
الناس ماشية.
العالم مكمل.
وأنا… أم واقفة بين بلدين!
أم يا زهرة؟
مش عارفة أنا متلخبطة دلوقتي وحزينة وخايفة على البنات، حاسة إنهم بقول جزء مني.
رجعت المكتب، مش عشان الشغل.
عشان ما كنش عندي مكان تاني أروح له.
طه كان واقف عند مكتبه.
شاف وشي، وفهم إن دي مش معركة شغل.
— في إيه؟
سأل، للمرة الأولى بنبرة إنسان.
— لازم أنزل مصر.
قولتها كده، جملة واحدة، نهائية.
— دلوقتي؟
— يا ريت أنا عاوزة أنزل حالًا.
قرب.
— في مشكلة؟
بصّيت له.
المرة دي من غير حذر، من غير خطوط.
— بيسان ومسك محتاجيني، بيسان وثقت فيا وأنا وعدتها هاجي.
سكت.
ثانيتين.
وبعدين قال:
— الطيران متعطّل.
— عارفة.
— يبقى استني.
ضحكت.
ضحكة قصيرة، عصبية.
— مش قادرة قلبي واكلني، وعارفة إنك تقدر تتصرف.
ميل براسه.
— زهرة.. لو مشيتي دلوقتي، المشروع ده هيقع، وإنتي عارفة ده معناه إيه؟
رفعت عيني.
— عارفة.
— وإنتي عارفة إن اسمك مربوط بالقرار ده، لو سبتيه، مستقبلك هنا هيتقفل.
قرب خطوة.
مش تهديد.
تحذير محسوب.
— إنتي اشتغلتي سنين عشان توصلي لهنا، هتضيّعي كل ده؟
سكتّ.
ثانية.
اتنين.
وبعدين قلت، بهدوء ما كنش فيه ذرة بطولة:
— أنا ممكن أتعوّض، البنات لأ، لازم أكون جمبهم دلوقتي..
ـ بس إنتي مش أمهم يا دوب مرات أبوهم..
ـ هما صحابي وإخواتي، أنا لقيتهم وهما لاقوني، دي حاجات إنت متقدرش تفهمها..
فتح بقه يتكلم.
قفلت عليه.
— ما تحاولش تحطني في اختيار، كأنهم كافتين متساويتين، الشغل بيتبني تاني لو اتهد، الأمان… لأ.
رجعت مسكت الشنطة.
طه قال ورايا:
— وإيه المطلوب؟
ـ أنا عارفة إنك تقدر تتصرف..
ـ جميل، جميل.
قرب مني، ملس على شعري..
ـ وإنتي مستعدة تديني المقابل؟
#من_نظرة_عين
الحلقة السابعة عشر
