رواية حواديت روز الفصل الثالث 3 بقلم ملك عبدالله
روز… إيه الكلام اللي سمعته ده؟
انتفضت من مكاني على صوت أخويا
توترت أكتر، وضربات قلبي علت من الخوف
خوف إنه يكون سمع حاجة، حاجة مش هعرف أبررها
لأنه—أكيد—مش هيفهمني.
_كلام إيه يا محمد؟
كان بيقرب مني بهدوء ظاهري، الهدوء ده بالذات كان بيزود إحساسي بالخوف.
خصوصًا لما قعد جنبي في صمت، وبيحرك رجله بسرعة
حركة كانت بتوترني أكتر.
_كلام سمعته، ومكنتش حابب أسمعه الصراحة.
أنا عارف إنك مش بتحبي حد يضغط عليكِ خصوصًا في مواضيع حساسة بالشكل ده بس عايز أفهم فين المشكلة في ياسين؟
بالعكس إنتِ كنتِ متعلّقة بيه ودايمًا مفيش غير سيرة ياسين وكان قدوتك في كل حاجة.
شاب ممتاز مفيهوش عيب نهائي وأنا أشهد بده
مش عشان ابن عمي هو أخويا، وصحبي والوحيد اللي أعتمد عليه في الدنيا لو حصلي حاجة.
أنا لو سلّمتك لياسين هكون واثق مليار مرة إنك هتكوني في بيت فيه راجل يُعتمد عليه
أمان وحنية مش هتشوفيهم غير في بيت أهلك… وهو.
أخدت نفس براحة وفهمت هو لا سمع حاجة ولا يعرف حاجة.
بس في نفس الوقت قلبي وجعني
مش من الكلام اللي قاله—
أنا أصلًا مسمعتوش، ولا اهتميت بيه
قلبي وجعني من اللي كنت هعمله لولا دخول أخويا
طب لو مكنش دخل؟
كنت هعمل إيه؟
وكنت هقول إيه؟
كنت هبرر لنفسي إزاي؟
ولأهلي إزاي؟
خونت ثقتكم فيّا…
الجملة دي كانت بتلف في دماغي زي سكين
وفجأة،
وسط كل التفكير ده وعقلي المغيّب سمعت أخويا بيردد وهو بيقوم:
_الموضوع اتقفل يا روز بناءً على طلب ياسين
كنت أتمنى لو يحصل غير كده، لكن حكمة ربنا وتدبير ربنا غير.
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وسابني…
بس فضلت أردد الآية
بعقل صادق وقلب—رغم كل اللخبطة—مطمئن.
كأن الكلمات كانت بتمسكني من إيدي وبتفكرني
إن ربنا دايمًا سابقني بالرحمة حتى وأنا تايهة
وسط الهدوء التقيل ده الفون أعلن عن وصول رسالة
كنت هتجاهلها وأقفل كل باب ممكن يودّيني تاني لنفس الدوّامة بس الفضول
الفضول اللعين شدّني فكرة إنه ممكن يكون هو
وبالفعل كان هو اللي باعت.
فتحت الرسالة وعيني وقعت على كلماته:
«يا بنتي فينك؟
مردّتيش ليه؟»
سطرين…
بس كانوا كفاية
يهزّوا السكون اللي حاولت أبنيه ويحطّوني تاني
قدّام اختبار أنا لسه من شوية كنت بسأل نفسي إزاي وصلت له.
لكن هنا حسّيت باشمئزاز بيطلع من جوايا
اشمئزاز من نفسي قبل أي حاجة
إزاي كنت هعمل في نفسي كده؟
إزاي أوصل لمرحلة بشعة بالقبح ده كله وأنا شايفة نفسي
ومكمّلة؟
الخوف مسكني مش خوف عادي… خوف يخوّف
خوفت إن أخويا يكون عرف أو حد من أهلي لمح فهم، أو حتى شكّ.
كنت همـ. وت—
مش مبالغة—
لو حد بس شاف أو عرف
أو لمح اللي كنت ناوية أعمله
ساعتها السؤال ضربني في قلبي
زي صفعة إزاي خوفت من عبد؟
أقصى عقابه في الدنيا نظرة جارحة كلمتين يوجعوا
إزاي خوفت من نظراتهم ليّ لو عرفوا إني بكلم حد
وإني سمحت لنفسي أوصل للنقطة دي؟
بس السؤال الأقسى واللي كسرني من جوا
طب وربنا عزّ وجل؟
إزاي مخفتش؟
حاشا لله…
أنا بخاف من ربنا وبخاف أعمل ذنب من الكبائر
وبخاف أواجهه بحاجة تغضبه.
بس ليه الذنوب دي عدّت؟
ليه نسيت—ولو لحظة—
إن ربنا شايفني؟
مطّلع عليّ؟
سامع قلبي قبل كلامي؟
ليه خوفت من خلقه أكتر ما خوفت من الخالق؟
ليه ارتعشت من احتمال نظرة بشر
وما ارتعشتش من نظر ربنا لقلبي في اللحظة دي؟
الوجع الحقيقي مش في الذنب وبس
الوجع في الغفلة إنك تكون عارف ربنا قريب منك
رحيم وشايفك وبرضه تنساه
وأنت بتقرب من الغلط خطوة خطوة
ساعتها فهمت إن أقسى حاجة مش كلام الناس
ولا حكمهم ولا نظراتهم…
أقسى حاجة إنك تفوق فجأة وتسأل نفسك:
إزاي نسيت ربنا؟
استغفرت ربنا بيقين ودخلت عملت لآدم بلوك
أنا آه لسه بحبه وبتمناه بس موصلتش لمرحلة إني أغضب ربنا ولا أعمل ذنب أندم عليه خوفًا من ربنا أولًا، ثم من أهلي.
تاني يوم كنا بنفطر — العيلة كلها كانت متجمعة أصل النهارده جمعة وإحنا دايمًا بنتجمع سوا الغريب إن الكل كان بيعاملني عادي مش شايفة نظرات ولا همس زي ما كنت متخيلة حتى عمو ومراته كانوا بيعاملوني عادي و بابا وماما وأخويا ولا كأن في حاجة حصلت.
الحقيقة استغربت بس فرحت مش عشان خلصت من كلامهم ولا من نظراتهم لأ…
عشان كنت عارفة إن ده طلب ياسين
محدش يوجّهلي كلام ولا حتى نظرة
حسّيت بالذنب شوية أكيد بس الإحساس ده تلاشى بسرعة
وأنا سامعاهم بيتكلموا عن تجهيزات فرح بنت عمتو.
طبعًا اتحمست عشان الفرح وعشان — يعني — هشوف آدم!
الأيام عدّت بسرعة وسط تجهيزات الفرح كنت متحمسة جدًا وفرحانة.
اشتريت أحلى فستان، وظبطت كل حاجة.
ويوم الفرح جه جهّزنا و لبسنا، وتحرّكنا نروح القاعة في جو لطيف ومرح مع ولاد عمامي.
على الرغم إني مبسوطة بس كنت مفتقدة ياسين جدًا
كنت أتمنى يكون معايا لأني بحب ياسين كأخ فعلًا
وبحس بالراحة والأمان وهو موجود.
وكمان —بصراحة — عشان بيعرف يصوّر حلو
وكنت نفسي يصوّرني بالفستان الجديد ويقول رأيه في شكلي.
بس عادي واضح أصلًا إن العلاقة بينا هتبقى متوترة ومش لطيفة بعد اللي حصل.
يوه… مش مهم المهم إننا نرتاح وكل واحد فينا
يشوف حياته واللي الأفضل ليه.
دخلنا والجو كان تحفة بشكل!
المعازيم وصلوا، حتى العرسان.
كل حاجة كانت لطيفة زيادة عن اللزوم، وخطفني إحساس صغير في قلبي…
وتمنّيت أعيش اليوم ده مع الشخص اللي بحبه
دعوة طالعة من قلبي قبل لساني
يا رب… يا رب تتحقق
— واقفة لوحدك كده ليه يا بنتي على طول كده!
— سما! حبيبي جيتي فين خالتو؟
— مع مامتك ومرات عمك.
بس قوليلي يا بنتي أنا سمعت حاجة عنك كده
والحقيقة مكنتش متوقعاها منك بصراحة، يا روز.
استغربت كلامها.
دي سما بنت خالتو إحنا ولاد خالة وصحاب علشان من نفس السن.
والحقيقة بحبها جدًا رغم اختلافنا
شخصيتها غير شخصيتي
تفكيرها غير تفكيري،
ومفهومنا عن حاجات كتير مش واحد.
بس دايمًا بنِعرف نتأقلم في الآخر.
_ حاجة إيه؟ مش فاهمة.
قرّبت مني، وهي بتلف بعينيها في المكان كأنها بتدور على حد وبابتسامة باين إنها مستفزّة، قالت:
_ يعني دايمًا تقوليلي يا سما مينفعش اللي بتعمليه، يا سما ده غلط، يا سما حرام…
بس في الآخر طلعتي زيّنا اهو.
كلامها كان مبهم مش فاهمة هي تقصد إيه
بس الخوف جوايا بدأ يتسلّل بهدوء مزعج.
قلت بنفاد صبر، وأنا بحاول أوقف الحوار:
_ اتكلمي يا سما على طول زي ما إنتِ عارفة
ده فرح بنت عمتي ومش فاضية أقف أسمع مهاترات.
بصّتلي بتحدّي غريب
نظرة واحدة كانت كفاية تفهمني إنها مستنيّة اللحظة دي
كأنها أخيرًا مسكت عليّا حاجة.
_ لما إنتِ عايزة رقم آدم، وهتموتي عليه وبتتطلبيه عادي
إيه بتحلّلي لنفسك وتحرّمي لغيرك يا بنت خالتي؟
رجعت خطوتين ورا كنت بحاول أستوعب.
مش فاهمة… مش فاهمة حاجة، ومش عايزة أفهم.
آدم مين؟
تعرفه منين؟
وعرفت إزاي؟
قلت، ونبرة صوتي خانتني رغم محاولتي التماسك:
_ إنتِ بتقولي إيه؟
إنتِ تعرفي آدم منين؟ ولا قصدك مين أصلًا؟
قرّبت أكتر وغرزت عينيها في عيني، وكملت ببرود مستفز:
_ آدم يا روز… اللي ساكن معاكم
اممم، أعرفه منين؟
يااه… من وإحنا صُغيرين
نسيتي؟ إنتِ اللي عرّفتيني عليه، لما كنتوا بتلعبوا سوا
وجيتي إنتِ وهو عندنا مرة.
ومن وقتها بقى ياما لعبنا كلنا مع بعض كنا أطفال يعني.
سكتت لحظة، وبعدين كملت وكأنها بتحكي حكاية عادية:
_ لحد ما سافر وانقطع التواصل بينا
فاكرة لما كنتي زعلانة وبتعيّطي عليه؟
عشان مشِي من غير ما يودّعك
بس يلا… فترة وعدّت.
تماسكت لما شُفت آدم ورانا على بُعد مسافة طويلة
عرفته قدرت أميّزه.
كنت بحاول أستوعب كلامها
أحلّله، أربط خيوطه بس عقلي مش راضي يفهم
إزاي فاكرة لسه؟
ياترى فاكرة آدم بس؟
ولا شافته؟
ولا اتكلموا من ساعة ما رجع؟
الخوف والشك كبروا جوايا وحرب كاملة ولعت في دماغي
لكن ظاهريًا كنت بُمثّل البرود واللامبالاة
مش لأني بعرف أكتم مشاعري بالعكس
أنا حسّاسة جدًا، وبزعل من أقل حاجة
بس الصدمة كانت مجمّداني، مجمّدة إحساسي.
قلت، وأنا بحاول أتمسّك بثبات مصطنع:
_ مش فاهمة برضه إيه دخل آدم في الموضوع، سواء إنتِ عارفة أو لأ؟
ابتسمت ابتسامة جانبية، وقالت ببساطة قاتلة:
_ عادي…
كنا بنتكلم سوا، ولقيته بيطلب رقمك مني
استغربت طبعًا، وسألته ليه
قالي إنك إنتِ اللي ادّتيله رقمك عشان تكلميه في كام حاجة بس الرقم اتمسح من عنده فاتحرج يطلبه منك
فطلبه مني… أسهل.
سكتت ثانية، وبعدين مالت عليّا وقالت:
_ بس قوليلي إنتِ كنتِ عايزاه في إيه؟
صمت…
صمت تام.
ولا حتى قدرت ألقط نفسي.
الكلمات خرجت منّي قبل ما أفهمها، بزهول صريح:
_ بتتكلموا ليه؟
إنتوا… تعرفوا بعض؟
ضحكت، ضحكة خفيفة كأنها بتحكي حكاية مسلّية وقالت بلا مبالاة:
_ أكيد يا بنتي، من زمان قوي
من بعد ما سافر بكام سنة دخل يدور على الأكونت بتاعي على فيسبوك وقعد يدعبس شوية
الصراحة عمل مجهود جامد عشان يوصلي
ووصل طبعًا.
وقفت لحظة وكملت وكأنها بتستمتع بكل كلمة:
_ واعترفلي بحبه ومن وقتها بنتكلم
أه، مكنش في بالي وقتها كان عادي يعني
بس من كتر كلامنا بقى يعرف عنّي كل حاجة
وأنا كمان اتشدّيت ليه.
كل كلمة كانت بتقع عليّا تقيلة زي حجر بيغرقني لتحت وأنا واقفة.
كملت ببرود:
_ هو ده آدم بقى
نفس آدم اللي كنتِ بتمنعيني أكلمه
وتغلطيني دايمًا كل مرة كنت بحاول أقولك عنه
وأحاول أعرّفك عليه كنتي تصدّيني وتقفلي الموضوع
ومترضيش تعرفي
قربت مني خطوة، وهمست بنبرة فيها شماتة واضحة:
_ بس أهو إديكي عرفتي.
لفّت وشّها، وبصّت ناحيته من بعيد، وقالت بابتسامة مستفزة:
_ يلا باي
عشان هو واقف هناك أهو هروح أحاول كده أكلمه.
وبين ما كانت بتبعد، رمت آخر سهم:
_ إنچوي يا حبيبي.
واقفـة.
ثابتة.
مش قادرة أتحرك.
الفرح حواليّا مـ. ولّع فرحة وضحك وزغاريط
وأنا جوايا كان في جنازة
دماغي بتلف وقلبي بيدق بعنف
وكل الذكريات بتهجم عليّا مرة واحدة
عارفين جملة:
«أعطيتُك سيفي لأريك وفائي،
فما لي أرى سيفي تملأه دمائي؟»
ده بالظبط كان إحساسي وقتها
مش مجرد خيانة ده كان سلاح سلّمته بإيدي
بثقة عمياء ورجَعلي مغروس في صدري.
الوجع اللي حسيته ساعتها
كان وجع بشع… وجع يخليك تبص لورا
وتندم على عمر كامل ضيّعته وأنت فاكر إن الصبر بطولة
وإن الانتظار وفاء.
وجع على مشاعر اتدهست من غير حتى اعتذار من غير ما حد يحس إنك كنت هناك
واقف بكل قلبك ومحدش شافك.
وجع وألف وجع ولا واحد فيهم ليه دواء
لأن الوجع ده مش من ضربة واحدة ده من سنين.
محدش هيحس بيّا محدش هيحس بعشر سنين عدّوا من عمري كان محورها شخص واحد
كنت راهنة حياتي عليه من غير ما يعرف ومن غير ما يختار.
عشر سنين وأنا ببني حلم على أرض مش ملكي
وأحرس باب ما اتفتحليش في يوم
والأوجع من كل ده؟
إنك تكتشف إن اللي حسبته أمانك كان بيعيش حياته كاملة
وانت واقفة في نفس المكان مستنية.
جريت…
جريت من المكان
اللي شهد على أحزن لحظات حياتي المكان اللي شاف وجعي وما حاولش يخبّيه
جريت كأني بهرب من نفسي من ذكريات كانت لسه
بتطعن قلبي ومن نظرات بتلاحقني وأسئلة ملهاش إجابة.
ده مكان شاف وجع اترسم عليّا مش محتاج كلام
عشان يتفهم.
كل خطوة كنت باخدها كانت بتسيب حتة من قلبي ورايا
كأني بسيب نفسي هناك،
واقفـة وسط الزحمة وماشية بجسدي بس.
جريت مش عشان أضعف
لكن عشان لو وقفت لحظة كنت هقع.
وفجأة،
وسط انهياري رجلي خانتني واتعرقلت خطواتي
وقبل ما ألمس الأرض إيد انتشلتني
بصّيت لصاحبها بصدمة اتجمدت في عيني:
_ أنتَ…
يتبع...
مَلَك عبدﷲ أحمد.
#حواديت_روز
#مَلَك_عبدﷲ_أحـمَـد.
