رواية حواديت روز الفصل الرابع 4 بقلم ملك عبدالله
_اسم الله عليكِ… مش تاخدي بالك يا روز؟
لفّيت على الصوت بسرعة، قلبي سبقني بخطوة.
_ياسـين؟!
إنت جيت إزاي مش كنت مسافر؟
قرب خطوة، وبإيده عدّل وقفتنا، ساب إيدي بهدوء وسحب نظرته بعيد عني…
_من ساعتين بس، يدوبك غيّرت وجيت
مال عيونك حزينة ليه؟
سؤاله لمس حاجة جوايا كنت بحاول أخبّيها.
_عايزة أطلع برّه يا ياسين ممكن تيجي معايا؟
مستناش ثانية، بإشارة بسيطة من إيده ورّاني طريق الخروج.
وأنا بلف بصّيتي الأخيرة كانت كفاية تكسّرني رجّعت عيني ورايا وشوفت المشهد اللي مكنتش مستعدة له ولا عمري تمنّيته كلامها طلع صح.
هي واقفة معاه واقفة قُصاده نظرات متبادلة وابتسامة هادية، دافية.
طلعتِ هبلة يا روز…
"وأنا اللي كنت فاكره إنه هيشتكي من بعدي
فاجئني بقصة تانية ضيعت الحلم الوردي!"
طلعنا، ووقفنا على بُعد مسافة من القاعة، سندنا على سور ممتدّ وكان الصمت هو الحاضر الوحيد بينّا
كل واحد فينا تايه جوّه دماغه، أفكار متشابكة، وعقل مشتّت ولا كلمة قادرة تطلع.
قررت أقطع الصمت، وصوتي خانّي شوية من التوتر:
_هي علاقتنا هتمشي إزاي؟
لفّ لي، وسند ضهره واتقابلت عيونه بعيوني.
اتلخبطت، وسحبت نظري لقدّام بسرعة.
_قصدي يعني بعد اللي حصل وكده، ياسـين إنت غالي عليّ قوي ومش عايزة أخسر العلاقة الحلوة اللي بينّا
فاهمني؟
ردّ بهدوءه المعتاد، اللي دايمًا بيطمني:
_وإنتِ يا روز غالية عليّ جدًا، ومهما حصل علاقتنا هتفضل زي ما هي اطمني.
بصّيت له بامتنان كان واضح أكتر من أي كلام.
ياسـين عنده قدرة غريبة ينسيك إنت كنت بتفكر في إيه
كنت خايفة؟ قلقانة؟ متلخبطة؟ مجرد وجودي جنبه كان بيلغي عقلي برمي حملي عليه زيه زي أخويا… زي بابا.
أو على الأقل ده اللي أقنعت نفسي بيه.
سكتنا شوية وبعدين فجأة من غير ما أفكر سألته سؤال طلع غريب حتى عليّا:
_هو إنت حبيت قبل كده يا ياسـين؟!
لِوهلة استغرب نظراته أكدتلي ده أصل سؤالي كان غريب فعلًا إزاي أسأله كده؟
— سؤالك غريب يا روز… وجرئ.
بعدت نظري وقلت وأنا بحاول أبان عادية:
— أنا بسأل عادي يعني، فضول مش أكتر.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— اممم… فضول؟ آه حبيت.
انصدمت
لا… الحقيقة انذهلت
ما توقعتش أبدًا إنه يكون بيحب
مش عارفة ليه بس ياسـين عمره ما كان باين عليه الحب
ولا حتى ملامحه كانت بتقول كده.
سكت لحظة وبصيتله من غير ما أحس
وبعدين سألت بصوت واطي وفيه تردد:
— وياترى إنتوا بتحبوا بجد؟
بصدق يعني؟
— قصدك بـ إنتوا الرجالة يعني؟
أيوه، أكيد
الراجل لما بيحب ما بيعرفش يحب بنص قلب
بيحب كأنه آخر مرة، كأنه ملوش غيرها ملجأ من الدنيا
بيكمن العالم فيها، يختصر الضجيج كله في ملامحها
وتبقى هي النقطة البيضا اللي بتقاوم سواد العمر
مش بس اللي حواليه… لا سواد جواه كمان.
قربت بنظري أكتر وسألت بهدوء:
— وإنت بتحبها قد إيه؟
هي إيه بالنسبالك؟
اتنهّد…
نَفَس طويل طلع من صدره
كأنه بيطلع عمر مش بس زفير.
ساب عينه تطلع لفوق لنقطة في السما ما لهاش شكل
يمكن لأنه كان شايفها هناك.
— بحبها لدرجة إني راهنت العالم على كفّتين…
كفّة فيها الدنيا كلها، والكفّة التانية هي.
بالنسبالي هي سما كاملة، سما بتتشاف بتمعّن وتتفهَم بنظرة وتأمّل
جزء بسيط من حياتي ماشي على أساسيات فرعية
لكن هي…
هي الجزء والمساحة والحيّز اللي مستحوذ على باقي حياتي
في حياتي حاجات ماشية بالقانون وبالواجب وبالمنطق
لكن هي؟
هي الاستثناء الجميل اللي كسر كل القواعد واحتل باقي عمري.
بلعت ريقي، وسألت وأنا حاسّة إن الإجابة هتوجعني:
— بتحس بإيه لما بتشوفها يا ياسـين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة فيها دهشة وفيها خوف وقال:
— بتوه… بس توه جميل
زي اللي يدخل بحر وهو بيعرف يعوم
بس ينسى نفسه من عمق الزُرقة.
مرورها جنبي كفيل يلخبط نبض قلبي ويخلي عقلي واقف يتفرج
ضربات قلبي في قربها مش بس بتزيد… دي بتغيّر إيقاعها
كأنها بتتعلّم دق جديد مخصوص ليها.
هي حِلوة…
ولذيذة…
وجميلة،
وتستاهل إنها تتحب.
وجعني قلبي والحقيقة ما عرفتش من إيه بالظبط.
من كلام ياسـين؟ ولا من الصدمة اللي عرفتني على حقيقة ما كنتش مستعدة لها؟
كنت محتاجة أفصل ، أهرب
بس الظاهر إن الوجع ما وقفش الوجع اتشكّل أكتر وبقى مُدمّر كأنه قرر يستقر جوايا.
رميت آخر سهم كأنه أمل ضعيف بيتعلّق في الهوا وسألت بصوت مكسور بس متماسك:
— تفتكر هل ممكن الإنسان يبطل يحب حبيبته؟
يعني الحب يقل… وينتهي؟
بصلي بهدوء وقال:
— يمكن آه…
فيه كتير الحب بينتهي عنهم بس أشك إن ده كان حب من الأول.
الحبيب الأول بيفضل الحبيب الآخر حتى لو العالم انتهى.
بس زي ما قلتلك لو كان فعلًا حب صادق وحقيقي.
وساب الكلام معلق وقطع اللحظة وهو بيقول:
— يلا ندخل وقفنا كتير هنا
هزّيت راسي لسه بحلّل كلامه لسه بحاول أستوعبه
مشيت ببطء كأن الأرض بقت تقيلة تحت رجلي
وفجأة…
اختلّ توازني
ما لحقتش أفكّر سندت ورميت حملي كله عليه
إيدي استقرت لا إرادي على موضع قلبه
وهنا…
اتجمّدت.
ضربات قلبه كانت شديدة
سريعة
بتزيد بطريقة غريبة
استغربت…
وخفت يكون تعبان
كنت لسه هسأله بس جملة نورت فجأة في دماغي
زي شرارة في عتمة.
«ضربات قلبي في قربها
مش بس بتزيد…
دي بتغيّر إيقاعها،
كأنها بتتعلّم دق جديد مخصوص ليها.»
سحبت إيدي بسرعة وعدّلت نفسي بتوتر واضح
وقلت وأنا بهرب من اللحظة:
— أنا آسفة…
هدخل، سلام.
وجريت من قدّامه من غير ما أستنى ردّه ولا أستنى نفسي
كنت محرَجة ومتوترة، والإحساس بلمسة إيدي على قلبه
لسه ساكن كفّي.
وجملته…
بتتردد جوا قلبي مش كذكرى كخوف.
دخلت جوّه وأنا متوترة خطواتي مش ثابتة ونفَسي مش مظبوط
أول ما عيني وقعت على أخويا. جريت عليه من غير تفكير
اتعلّقت في إيده كأني بتمسّك بالأرض قبل ما أقع.
بصلي باستغراب وقال:
— كنتِ فين يا روز؟
ردّيت وأنا بداري ارتباكي بابتسامة خفيفة:
— خرجت برّه شوية يا محمد، أشم هوا اتخنقت هنا
هنمشي إمتى؟ أنا زهقت.
ضحك بخفة وشدّ على إيدي أكتر:
— لحقتي؟
مش كنتِ فرحانة إن الفرح قرب؟
على العموم شوية كده
إلا هو الواد ياسين فين؟
مشفتوش قافل معايا من نص ساعة، وقاللي إنه وصل.
قلبي اتخلع من مكانة وتوتري خانني
هربت بعيني كأني بدوّر عليه وسط الزحمة
وقلت بسرعة:
— هتلاقيه هنا ولا هنا القاعة مليانة شباب لابسة بدل سودا
صعب تفرق بينهم والله.
وقف فجأة وبصلي بنظرة مباشرة رافع حاجبه:
— وإنتِ إيه عرفك إنه لابس بدلة سودا؟
كحيت…
كحة خبطت في صدري قبل حلقي بصدمة
ابتسمت بهزار مزيف أداري بيه ارتباكي:
— يا عم هو إنتوا بتلبسوا غيرها دايمًا عاملين ماتش مع بعض وأنت لابس أسود يبقى أكيد هو كمان
استنتجت يعني إنت عارف أنا لامحة إزاي
ضحك نص ضحكة وقال:
— لامحة… اممم طب ماشي
أهو وراكي أهو لسه داخل باين.
لفّيت ببطء وقلبي سبقني
وصل سلّم على محمد
وبعدها بصلي غمزلي وقال:
— إزيك يا حِلوة؟
هنا…
أنا ما كحيتش بس أنا شرقت
ياسين آه بيقولي يا حِلوة بس ده وإحنا لوحدنا
إنما قدّام أخويا؟
وبالهدوء ده؟
وبعد ما رفضته؟
هو اتجنّن؟
ولا جرأته دي وصلت لمرحلة تجنن؟
بصّيت لأخويا لقيته أصلًا مشغول بمكالمة ولا واخد باله.
حمدت ربنا ونقلت نظري بين اللي حواليا
بس علشان أهرب من حصار عيون ياسين اللي حاسة بيها حتى من غير ما أبصله.
محمد خلّص مكالمته وبدأ يهزر هو وياسين
وقتها ابتسمت من قلبي علاقتهم كانت حقيقية
نضيفة قوية.
عمرى ما شوفت صُحبة
بالشكل ده بين اتنين شباب.
هما ولاد عم بس الواضح واللي الكل شايفه
إنهم إخوات
شباب جدعة في الضيق قبل الفرح وفي أي وقت.
وفجأة…
آدم قرب مننا
ثبّت رجلي في الأرض من هول اللي جاي
أنا مش مستعدة
ولا فاهمة
ولا حاسة إن حاجة صح
بس ماشية مع التيار وخلاص.
سلّم على محمد وياسين
وبعدين وقف قصادي ومدّ إيده يسلم عليّا
رجعت خطوتين
في نفس اللحظة إيد ياسين دخلت ما بينا
ما لحقتش أستوعب
ولا أفسّر
ولا حتى أفكّر
فجأة…
إيديهم اتشابكت مع بسمة مستفزة من ياسين ونظرة حادة
ولمحت آدم بيبصله بتحدي
عيونهم كانت مـ. ولّعة باين
وسمعت ياسين بيقول بهدوء تقيل:
— أهلاً وسهلاً…
بس بنات عيلتنا ما بتسلّمش على حد
وقفت أتفرج مبهوتة
ولمحت بسمة خفيفة على وش محمد
شدّني جنبه وحط إيده على كتفي يضمّني ليه
وياسين…
وقف جنبي على بُعد مسافة قليلة
ساعتها افتكرت جملة محمد لما قالي:
«أمان وحنية مش هتشوفيهم غير في بيت أهلك… وهو.»
حطّيت إيدي على قلبي ضرباته كانت عالية
مش عالية وبس…
مبالغ فيها.
حسّيت وشي سخن
والجو خانق
إحساس غريب
جديد
أول مرة أعرفه
ولا مرة حسّيت بده وأنا بشوف آدم
ولا مرة قلبي اتلخبط ولا نفسي اضطرب
فيه حاجة غلط
أكيد
كل حاجة غلط
فوقت من شرودي على صوت آدم وهو بيبصلي
بنظرة ما عرفتش أفسّرها وقال:
— روز إنتِ...
يتبع...
مَلَك عبدﷲ أحمد.
#حواديت_روز
#مَلَك_عبدﷲ_أحـمَـد.
