رواية الحب بيجمع ناسه الفصل التاسع 9 بقلم هند سعدالدين
— يعني إيه يا ماما مش جاية الفرح؟
ـــ بصي يا هند أنا بحب عابد بس مش حابة استعجالكم..
الكلمة وقعت جوا قلبي..
سكتت ثانية.
ـــ طب ليه؟
سألتها بهدوء غريب، الهدوء اللي بيطلع قبل العياط.
— عشان مش ده اللي كنت متخيلاه.
ـــ مش دي كانت أمنيتك، هتسبيني في يوم زي ده، إزاي؟
نبرت صوتها بقت أضعف.
— أنا أمك، وكان نفسي أبقى جنبك.
— وأنا بنتك الصغيرة وبقولك ما تسبينيش لوحدي..
قلت، والصوت بدأ يخونّي، ودموعي سبقتني..
— أنا بس كان نفسي متحطنيش أختار بين نفسي وبينك.
سكتت.
السكاتة دي أعرفه، ده سكات عناد.
— القرار ده مش عاجبني.
قالتها.
— ومش هقدر أجي.
قربت التليفون من ودني، كإني لو قربته أكتر، هسمع صوت قلبها، مش صوتها.
ـــ ده أخر كلام يا ماما؟
ـــ أه
— طيب.
كلمة صغيرة، بس تقيلة قوي عليا، حسيت بقلة الحيلة
قفلت.
ماكنتش عارفة أعمل إيه، ولا أروح فين.
كتب الكتاب بكرة وحجزنا كل حاجة، حتى مش هعرف أأجل، توقعت غضبها هيبقى أقل حدة وهيهدى مع الوقت!
قعدت على السرير، الفستان على الكرسي!
ليه دايمًا فرحتي ناقصة، ما ينفعش حاجة تكملي للأخر على خير وبشكل طبيعي!
والأوضة فجأة بقت أضيق.
رنّ جرس الباب.
طنط إلفان.
أول ما فتحت لها اترميت في حضنها وفضلت أعيط..
مسحت على شعري وكانت بتضمني ليها عشان أحس إنها موجودة واطمن..
حاولت اتمالك أعصابي..
دخلت معايا أوضتي، شافت الكركبة والحاجات الجديدة اللي كنت بشتريها الفترة اللي فاتت..
قعدت على السرير..
ـــ ممكن تهدي؟ وتحكي لي حصل إيه؟
ـــ ممكن بلاش، مش عاوزة أحكي..
ـــ احكي لك حدوتة؟
ابتسمت..
مسحت لي دموعي بإيديها، نيمتني على رجلها..
ـــ كانوا بيقولوا زمان في الأناضول، إن الكرز الأحمر ما يتاكلش غير في الموسم بتاعه ولو استعجلته، يطلع حامض، مزز بلغتكم، وفي سنة من السنين، الشتا طول، والتلج نزل بدري، وكرز شجرة وحيدة فضل متعلّق، أحمر وسط البياض.
الناس قالت: «سيبه، ده باظ» بس صاحب الأرض قال:
«الحب اللي يستحمل البرد.. بيطلع أحلى».
ولما التلج داب، الكرزة دي كانت أطيب كرز اتداق، مش عشان طعمها، عشان استنت وأخدت راحتها واتروت، ومن يومها قالوا: اللي يحب صح، ما يستعجلش القطف، ولا يهرب من الشتاء، يستنى، لحد ما الوقت نفسه يقول: دلوقتي.
كانت بتحكيها وهي بتملس على شعري، صوتها دافي،
كإنها حاسة بكل اللي حصل من غير ما أشرح.
ـــ وأنا استعجلت القطف؟
ـــ ده وقتك يا هند.
— ماما مش هتيجي.
قلت بسرعة، قبل ما أغيّر رأيي وأكذب.
سكتت ثانية.
وبعدين قالت بهدوء:
— الأم لما بتخاف، بتشد على اولادها بس مش بتسيب ولادها يغرقوا.
— بس هي وجعتني، أنا محتاجة أدوق حنيتها، عاوزة مرة لما أعمل حاحة صح وأكون مبسوطة ألاقيها بتسقف لي وبتحضني وتقولي شاطرة..
— عشان كده أنا كلمتها.
رفعت راسي.
— كلمتيها؟
— أيوه.
— ما ضغطتش ولا جادلتها لما حسيت زعلها، بس قلت لها إن كتب الكتاب ده بداية صح مش نهاية.
نفسي وقف.
— وقالت إيه؟
ابتسمت لي..
— قالت لي: «مش هتقدر تيجي الفرح ده، بس هتيجي الفرح التاني في تركيا؟»
دموعي نزلت، مش انهيار.. راحة.
قلت وأنا بمسح وشي.
— ثواني فرح تاني؟
— عابد قالي على الطريقة اللي حابة تفرحي بيها في كتب الكتاب، وأنا عاوزة أفرح بيكي بطريقتي، كأم ليكي، فاتفقت معاه أنا حجزت تذكرة ليا بعد كتب الكتاب هسافر على اسطنبول بفستاني، وهستناكم تيجو بعدي زي ما تحبوا وهنعمل فرح هناك.
حضنتها أوي، ربنا معوض مخلف.
— يلا قومي اغسلي وشك وحصليني على الشقة التانية، عملالك مفاجأة.
— طنط إلفان؟
— نعم؟
— شكرًا مش عشان كلمتيها، عشان فهمتيني.
ضحكت.
ضحكة خفيفة.
— إنتي دلوقتي في نص الطريق، نصه وجع ونصه حب، عدى الوجع فاضل إيه؟
ـــ الحب.
مشيت، سيبت كل حاجة زي ما هي..
دخلت غسلت وشي، حطيت تنت في خدودي وماسكارا، روج درجة نود فيها هنت بينك، سيبت شعري..
لقيت بابهم مفتوح..
كانت طنط إلفان واقفة في نص الصالة، لابسة عباية بيت تركي، شبه اللي في المسلسلات بتاعة السلطانات..
وشعرها مرفوع بدبوس شعر على شكل طاووس..
أول ما شافتني
— تعالي يا عروسة..
قالتها بنبرة ما بين الجد والهزار.
— النهارده هنعملك تجهيزات ستات بقى، مش لعب عيال.
— تجهيزات إيه بس يا طنط، ده كتب كتاب.
قولتُها وأنا بضحك.
بصّت لي من فوق لتحت.
النظرة اللي بتسكت أي هزار.
— كتب كتاب ولا فتح قسطنطينية، العروسة عروسة.
قعدتني على الأرض.
فرشت مفرش أبيض كبير.
طلعَت صينية نحاس مدوّرة، عليها: حنّة، سكر ناعم، ورد مجفف، وشمعة طويلة ملفوفة بشريطة حمراء.
— دي “كينا غجه سي”
قالتها بهدوء.
— ليلة الحنّة عندنا، بس إحنا نعملها على قدّنا، عشان البركة.
ـــ بس أنا مش بحب الحنة..
بصت لي بجدية مفرطة، مديت إيدي بسرعة، مسكت الحنّة.
ريحتها كانت غريبة عليّا، مش الحنّة البلدي اللي أعرفها، أنعم، أهدى ولونها برجاندي!
— الحنّة دي مش للزينة.
قالتها وهي بتحط شوية في كفّي.
— دي عشان تربط القلب بالمكان الجديد.
ضحكت بخفة.
— أنا قلبي أصلاً مربوط زيادة.
ابتسمت، بس ما علّقتش.
ولعت الشمعة.
النور كان دافي، والظل لعب على الحيطان.
بدأت بتقول حاجة بالتركي، صوتها كان واطي، زي دعاء مش أغنية.
— بتقولي إيه؟
سألتها.
— بقول: “البنت اللي بتسيب بيتها.. ربنا يعوضها بأمان.”
سكتُّت.
قلبي من فرط الحماسة كان هيطلع من جوايا..
قامت جابت فستان أبيض بسيط.
مش فستان فرح، أقرب لقميص نوم، ستان، طويل، ناعم.
لمحت استغرابي..
— ده بتلبسه العروسة عندنا وهي بتتجهّز.
— ليه أبيض؟
شاورت لي اخلع هدومي..
— عشان تبقى قابلة حياتها الجديدة.
قالتها وهي بتلبسني.
— مفيش حاجة أتقل من قلب داخل على حياة ما يعرفش كواليسها إيه!
لمّت شعري زي ديل حصان..
ربطته بشريطة حرير حمرا.
— الأحمر ده عشان الحماية.
— من إيه؟
— من العين ومن الرجوع.
الجملة قعدت في قلبي شوية.
دخلت بنتين معرفهومش.
ضحك خفيف.
ريحة قهوة تركي.
واحدة فيهم رشّت عليّا ورد.
— مبروك.
قالوها وهما بيضحكوا.
قعدنا نشرب القهوة.
طنط إلفان قلبت الفنجان.
— لا لا.. ما بصدقش الحاجات دي..
بصّت للفنجان.
وسكتت ثانية أطول من اللازم.
— إيه؟
قولتُها بقلق.
— طريقك مش سهل!
قالتها بهدوء.
— بس نهايته بيت.
دخل عابد على الصوت.
وقف عند الباب.
شافني.
سكت.
مش النظرة اللي فيها شهوة، ولا اندهاش.
نظرة واحد شايف حبيبة عمره عروسة.
— إيه ده؟
قالها بهمس.
— إنتي عاملة كده ليه؟
قربت من ودنه
— تجهيز تركي، مامتك حطت لي حنة يا عابد..
ضحك عليا..
— مش عاجبك؟
قرب.
وقف قدامي.
مد إيده.. وبعدين سحبها.
— عاجبني قوي، بس ممنوع ألمس.
مامته ضربته على كتفه.
— استنى لما تبقى حلالك.
ـــ أصلها حلوة أوي.. ما ينفعش أكلها؟
كلمته بجدية..
ـــ بكرة بليل براحتكم، فال وحش إنك تلمسها.
ضحكت.
ضحكة فيها توتر، وفيها فرح.
في اللحظة دي.. وأنا لابسة أبيض، وشعري مربوط بستانة حمراء، والبيت اللي مليان روايح غريبة، حسّيت إني مش بس بتجوز، أنا بتسلّم من حياة لحياة.
#الحب_بيجمع_ناسه
ــ الحلقة التاسعة
