رواية الحب بيجمع ناسه الفصل العاشر 10 بقلم هند سعدالدين
لسه الحنّة في كفي..
طنط إلفان سقفت بإيديها تسقيفة خفيفة.
— يلا يا بنات.
البنتين الأغراب قربوا مني، وشوشهم بشوشة، ضحكة من غير فضول، من غير أسئلة.
واحدة فيهم مسكت إيدي اليمين، التانية شالت الصينية.
صوت طنط إلفان من ورايا..
ــ أنا جهزت الحمام..
البنت اللي جمبي، لاحظت توتري..
— هنطلع على الحمّام، هنعملك حمام تركي، اختيار مامتك تحفة، ده بيخلي الجسم زي البيبي.
قلبي دق.
— حمّام؟!
ضحكوا.
طنط إلفان قربت مني، وطبطبت على كتفي.
— متخافيش، ده حمّام ستات، ده شغلهم، مفيش حد جاي يتفرج عليكي، أنا معاكي..
ضحكت غصب عني.
— أنا بس..
قاطعتني بهدوء.
— عارفة، إنتي مكسوفة! وعشان كده أنا حطيت شموع وقلت لهم ممنوع استخدام النور، وأوعدك مش هتتعري بشكل يحرجك..
بصيت لها بامتنان، كانت قارية مخاوفي، وبتهونها..
نوعًا ما كنت مرتاحة..
دخلت..
الحمّام كان دافي.
بخار، ريحة صابون غار، وورد لافندر، وشيء خفيف كده زي النعناع.
قلعت، وأنا مكسوفة من نفسي مش منهم.
واحدة لفّت عليّا فوطة كبيرة، والتانية رشّت ميه دافية فوق الفوطة.
— خدي نفس، وامضي عينك.
قفلت عيني.
الماية نزلت على ضهري، حسّيت إني بسيب ورايا حاجة تقيلة.
مش تعب، ذكريات أو يمكن أمنيات إن مثلًا ماما تختارني!
كانوا بيدَلّكوا جسمي بهدوء، مش بعنف، ولا طقوس مرعبة.
كأنهم بيقولوا لجسمي: إنت في أمان.
طنط إلفان كانت واقفة على الباب.
— ما تسيبوهاش تبرد يا بنات.
كنت سامعة صوتها لما مشت عابد، ولما شغلت التكييف الدافي..
طلعت وأنا لابسة البورنص الأبيض، شعري ملفوف، جلدي سخن.
حضنتني بالبورنص.
حضن أم فرحانة ببنتها يوم فرحها!
— جسم العروسة ما يستحملش البرد.
قالتها وهي بتمسح دراعي.
دخلتني أوضتها.
فتحت دولاب خشب تقيل، قديم.
طلعَت صندوق خشبي محفور عليه ورود صغيرة ومكتوب عليه اسمي!
أول ما فتحته كانت ريحته مسك..
غلبني الفضول أبص، شوفت مفارش مطرّزة هاند ميد.
كل حاجة أبيض في أبيض.
ملايات، فوط، كيس صغير فيه خيط أحمر، ومنديل مطرّز بحرفين.
— دي تجهيزات العروسة عندنا.
قالتها بنبرة فخر هادي.
— مش عشان العرض.. عشان البيت.
مسكت مفرش.
— دي اتعملت لمين يا طنط؟
— ليا..
قالتها وهي بتبتسم.
— وبديها لك.
قلبت وطلعت الحاجات، وفي الآخر… علبة صغيرة، فتحتها، خاتم دهب بسيط، قديم، ناعم، مش مبهر اوي لكنه في حاجة بتشد..
— ده خاتمي.
قالتها من غير مقدمات.
— لبسته أول مرة يوم كتب كتابي.
اتلخبط لساني.
ــ لطيف اوي..
ــ بقى بتاعك يا هند
— لأ.. ده كتير قوي.
قفلت العلبة وحطيتها في إيدي.
— اللي بياخد بنتي، ياخد معاه تاريخ وعزة وإنتي بنتي.
لبستني الخاتم، كان مظبوط، كإنه مستنيني.
ــ الليلة النهاردة طويلة شوية، وإنتي ماكلتيش حاجة هقوم اجهز غدا واتصل بعابد يطلع..
قالتها وهي بتقوم من جمبي..
وقفت عند الباب وبصت لي..
ـــ الولد محسسني إني هخطفك، كل شوية يتصل..
ابتسمت وهي مشيت ..
بصيت في تليفوني لربما ماما تكون اتلخبطت واتصلت عليا!
بس طبعًا أستاذة سهير البدراوي مبتغلطش..
معرفش إيه اللي حصل، أنا صحيت على صوت زغاريط..
ببص على الشباك لقيتني الصبح!
— هندا؟
ـــ ينفع أكمل نوم؟
ـــ هو شكلك حلو ومغري بس لأ مش هوافق..
ـــ طب بطل زن..
حسيت بنفسه جمب ودني وبيخبط في رقبتي..
ـــ هندا؟
— نعم؟
— لو مصحيتيش، مش ضامن نفسي أفضل صامد قصاد الصوت الشتوي ده!
قعدت على السرير وأنا متضايقة.
طنط إلفان دخلت.. في إيديها صينية فطار من اللبنة والبيض بالبسطرمة وشاي باللبن..
ـــ اعذريني ملحقتش أجهز أكتر من كده..
ـــ ده كده كتير..
بصت لعابد..
ـــ إنت إيه دخلك هنا، مش قلت لك متضايقهاش؟
ـــ هتفطروني معاكم ولا إيه؟
ردينا في صوت واحد..
ـــ أطلع برا.
ضحكنا وكانت بتأكلني باعتمام حقيقي..
ـــ مش عاوزة أزعجك بس إنتي اللي أصريتي على موضوع كتب الكتاب وقت الغروب، والمفروض نكون في المكان على العصر والساعة ١٣ الضهر!
ـــ أحيه وسيباني..
مسكت إيدي..
ـــ اهدي، فستانك موجود، ورتبت شقتك، والبنت اللي هتعملك ميكب قاعدة برا بتشرب شاي..
كلي بالراحة وخشي خدي شاور وبعدها البسي فستانك وناديها..
أول ما قفلت الباب، جريت على الحمام، أخدت شاور، ولبست إسدال الصلاة وصليت..
لبست فستاني، امممم، لوحدي..
معرفتش أقفل السوستة، فتحت حتة من الباب، شافتني طنط إلفان..
كانت لابسة فستان تركي كحلي، طويل وبسيط،
وشعرها ملموم بعناية، في إيدها علبة مخمل لونها نبيتي.
ـــ ماما والنبي أرفعي لي السوستة..
بصت لي وعيونها الزرقاويين دمعوا!
ـــ أول مرة تقولي لي ماما..
ـــ ومش أخر مرة يا ماما..
حضنتني وقفلت لي السوستة، فضلت تبص لي من فوق لتحت بانبهار وسعادة..
ـــ شكلك جميل، والله مش محتاجة ميكب يا بنت..
ضحكنا..
ــ هو عابد فين؟
ـــ عابد ده ربنا يهديه، راح عند محمد صاحبه عشان يتجهز، أنا بس عاوزة أقولك حاجة.. النهارده مفيش استعجال.
قالتها وهي بتقفل الباب.
كانت متوترة ووشها أحمر..
طبطبت عليها..
— هتقولي حاجة قليلة أدب صح؟
ضربتني على راسي وبعدها باستني
ـــ إنتي فاهمة؟ أنا بس مش حابة إنك تتخضي!
ـــ عابد إنسان محترم وبيحبني، ماظنش هيعمل حاجة غصب عني او هيكون قاسي عليا..
ـــ عمومًا أنا قلت له لو اشتكيتي منه شكوى واحدة هاخدلك حقك بحد السيف..
ابتسمت، باست راسي تاني..
دخلت الميكب ارتيست، عملت لي ميكب هادي خالص وطلعت. كل ده وطنط إلفان بتبص ومهتمة بيا وبراحتي..
الـ hair dresser عملت لي شعري بشكل هادي، برضه.
خرجوا كلهم ..
طنط إلفان فتحت العلبة.
طلعت منها طرحة حرير أبيض، قصيرة، ناعمة قوي، ريحة المسك فيها قوية..
— ده “يَشْمَك”.
قالتها وهي بتمدها لي.
— بتتلبس وقت العقد، مش عشان نغطيكي، عشان نحمي اللحظة، والعين تيجي في القماش.
قربت مني.
رفعتها على راسي بهدوء.
حطت دبوس.
— إنتي كده جاهزة.
قالتها وهي بتبتسم.
بصيت في المراية، مش شايفة عروسة، شايفة واحدة هادية، زيادة عن اللزوم.
عابد كان واقف بعيد.
مش بيقرب ناحيتي، عينه عليا، كإنه خايف عينه تزوّغ.
— روح امسك إيديها..
جه ناحيتي وهو مبتسم، ميل عليا يبوسني..
مامته وقفت
ـــ ممنوع اللمس قلت.
ركبنا العربية وكل واحد فينا بيبص للتاني..
ـــ هتسقعي على فكرة..
ـــ في حد يا مؤمنة يا موحدة بالله يا عاقلة يعمل فرحه في عرض البحر؟ إحنا هنبقى في عرض ربنا لو الجو قلب..
كنت حاجزة الفرح في جزيرة في نص البحر!
كتب الكتاب بقى قدّام عيني.
عشان توصل للفرح بتعدي في معدية وبعدها سلم خشب..
قلعت الهيلز بتاعي ومشينا وسط الزغاريط..
نور أصفر خفيف، فوانيس مضيئة
مفيش زحمة، مفيش صريخ، مزيكا هادية.
أم كلثوم..
“إنت عمري”
نسخة هادية، ترقص عليها الروح قبل الرجلين.
عابد واقف بيمد لي إيده عشان مقعش، واقف ببدلته المينت جرين، وشه هادي بس عينيه مليانة.
المأذون قاعد.
البحر وراه.
الهوا خفيف، بس دافي.
قعدت جنبه.
إيده قريبة، مش لمساني، بس حاسّة بيها.
— موافقة؟
بصّيت له قبل ما أرد.
نظرة قصيرة.
وابتسمت
— موافقة.
الصوت طلع ثابت، كإني أخيرًا وصلت، التسقيف كان واطي.
مش عشان ما نفرحش، بس عشان ما نكسّرش اللحظة.
عابد مال ناحيتي.
— أنا معاكِي… في البرد قبل الدفا.
ابتسمت، والبحر كان شاهد، مشيت وأنا حاسة إن الحب…
مش بيبدأ بالفرح، بيبدأ بالأمان.
رقصنا سلو على أغنية لصابر الرباعي
أنا بعشقك ليه لأ وعندي ألف حق
مالقيتش أحن منك في الدنيا ما فيش أرق
وسنيني معاك تمر ما فيهاش ولا ثانية مر
سلمتلك حياتي ملك ايديك وانت حر
أنا قولتلك وحلفتلك هكملك لو حاجة فيك ناقصاك
قبلك أنا ضيعت وقت دا انا اتخلقت عشان اكون وياك
خلصت الغنوة، ميل بجسمي لورا ورفع طرحتي الشفافة حطها علينا واداني أول بوسة وإحنا متجوزين!
الناس صفرت..
خلصنا الفرح ووصلنا البيت بعد ما ودعنا طنط إلفان..
البيت كان هادي.
ريحته لطيفة..
قفل الباب ورانا.
صوت القفلة كان خفيف، بس حسّيته تقيل…
زي نقطة بتقفّل سطر وبتفتح صفحة.
وقفت شوية.
الفستان لسه عليّا.
الشريطة الحمرا لسهعلى وسطي.
عابد ما قربش.
ساب المسافة.
ودي أكتر حاجة طمّنتني.
— تحبي أقفل النور؟
قالها بهمس.
— سيبه.
قلت.
— مش عايزة أستخبّى منك، أنا عاوزة أكون شايفاك وإنت في حضني
ابتسم، قرب خطوة، بس لسه، ما لمسنيش.
مد إيده ببطء، شاور على الخاتم.
— ده حقيقي؟
ضحكت.
— لأ… ده حلم عنيد.
لمس صباعي، لمسة خفيفة، كإنه بيستأذن.
نفسي اتلخبط.
مش خوف، ترقب أو توتر
— لو في أي حاجة عاوزاها، اممم، ...
قالها وهو باصص في عيني.
— قولي، ولو حاسة إنك محتاجاني أقف ومكملش، عرفيني..
قربت أنا.
المسافة اتقفلت من ناحيتي، حطّيت راسي على صدره.
سمعت دقاته، سريعة، كإنها خيل..
— أنا مش خايفة منك.
قلت.
شدّني عليه.
إيده على ضهري.
دفا.
سكون.
قلعت الشريطة الحمرا.
وقعت على الأرض.
كإنها بتقول: وصلنا.
باس راسي.
وبعدين جبيني.
وبعدين خدّي.
كل خطوة أهدى من اللي قبلها.
الفستان نزل ببطء.
#الحب_بيجمع_ناسه
ــ الحلقة العاشرة
