رواية من نظرة عين الفصل الثامن 8 بقلم هند سعدالدين
_ في اتفاق لازم تعرفيه..
عدلت قعدتي، وانتبهت، كان بيحاول يبعد نظره عني..
ـ لو مش عاوز تقول.. براحتك.
— الاتفاق ده كان مع مروة.
قالها بهدوء، كإنه بيحط الكوباية على الترابيزة مش بيفتح باب مقفول.
ما ردّتش وما سألتش، سيبت له مساحة يحكي..
— مش اللي في بالك يا زهرة، ما تبصيش كإني خونتك..
ضحكت، كمل كلامه..
— مش عارف ابدأ منين وإزاي؟
لفّيت له وشي، تنيت رجلي وقعدت بأريحيه شوية، حضنت كوباية الشاي باللبن الدافية بين إيديا.
— طب ما تحكي.
ق لتها من غير ضغط.
ولا استعجال.
ولا دفاع.
مالك خد نفس طويل.
— اتفقنا أنا ومروة قبل ما تمشي.
سكت لحظة.
— اتفقنا إن البنات يفضلوا دايمًا الأولوية في أي اختيار في أي علاقة أدخلها، ولو ده محصلش هتاخد مني البنات وأنا مش عايز بناتي يتربوا بعيد عني يا زهرة.
هزّيت راسي ببطء.
— ده الطبيعي يا مالك، فين المشكلة؟ أنا أصلاً داخلة وأنا عارفة إني ضيفة مش مالكة.
بص لي.
نظرة فيها امتنان مكتوم.
— بس الاتفاق كان أعمق من كده.
قرب الكرسي سِنة.
— كان فيه بند.. إن لو دخلت حياتي واحدة، لازم تبقى قادرة تستحمل وجودها حتى وهي مش موجودة.
ابتسمت بهدوء..
ـ مفيش ghosts بتفرض وجودها على أحياء يا مالك، أنا مروحتش أخطبك ولا غصبتك تجيلي، إنت جاي بشوقك وبإرادتك، فمتفكرش عشان كان يوم عرفتك فيهم، هتفرض عليا وضع أنا مقبلوش..
قومت من مكاني، مسك إيدي..
— أنا عارف إن دي صعبة شوية، بس من فضلك افهمي موقفي..
— الذكريات مش بتخسر، ولا بتكسب، هي بتعيش.
سكت وعينيه كانت بتدور على حاجة..
ـ مش عارف يا زهرة، مروة هتفضل موجودة للاسف ما بيننا..
— إنت غلطان يا مالك عشان أنا مش جاية أتنافس مع ذكرى، أنا جاية أأسس حياة ليا ولولادي وبناتك أنا هعتبرهم إخواتي واصحابي..
ـ ولادك؟
ـ ولادي… كلمة تقيلة عليك؟
اتوتر وراح سند على البلكونة..
ابتسم..
ـ والاتفاق، اني مش هلمسك غير لما إنتي توافقي، اتبخر؟
ـ اتوترت، ضحك وكمل..
ـ عمومًا أنا مقولتش كده، أنا بس مش عاوز استعجل خطوة يا عالم هتحزي عليا وتحصل أو لأ..
تقريبًا قرأ غضبي وحزني..
ـ أنا اسف، والله اسف يا زهرة، أنا نفسي يبقى عندي عيلة كبيرة من غير ما حد يزهق ويمشي في نص الطريق..
فهمت مخاوفه..
— أنا حاسّة إنك خايف.
ابتسم.
ابتسامة قصيرة.
— يمكن.
— الراحة بتخوّف اللي اتعود على عدم الأمان..
مدّت إيدها ولمست طرف الكرسي بس، مش إيده.
— أنا مش جاية أبوظ حاجة، أنا جاية أقعد جنبك سواء مرينا بحلو أو بوحش، سوا، للأبد..
قاطعنا صوت ضحك، مسك..
بيسان ظهرت واقفة عند باب البلكونة، شايلة طبق الكيك.
— ماما؟
سكتت.
بلعت الكلمة.
— قصدي.. طنط زهرة، مسك عاوزة تعرف تحط الفراولة ولا الشوكولاتة.
زهرة قامت فورًا.
— الشيكولاتة.
قالتها بابتسامة.
— الكراميل بيحب الشيكولاتة أكتر.
بيسان رفعت حاجبها.
— ماما كانت بتحط فراولة.
قالتها كإنها ملاحظة مش اتهام.
قربت منها..
— وكل مرة كانت بتطلع حلوة؟
— لأ.
— أهو، شوفتي..
ابتسمت وطبطبت عليها وقلت..
— يبقى نجرب حاجة تانية.
بيسان ما ردّتش.
بس ما مشيتش.
دخلوا المطبخ.
مسك واقفة على الكرسي، بتحاول توصل للطبق.
— كده؟
— كده بالظبط.
كنت ماسكة إيد مسك وهي بترش الشيكولاتة.
— سيبي مسافة، الكيك بيحب يتنفس.
بيسان كانت واقفة بعيد، ماسكة شوكة.
سألتها..
— تحبي تذوقي؟
— لأ.
— طب أنا هدوق وإنتي لأ
غمست الشوكة، دوقتها...
— محتاجة سنة كراميل كمان.
بيسان قربت غصب عنها.
— هو كده حلو؟
— قربنا.
— طب…
مدّت الشوكة.
داقت.
سكتت.
— ماما كانت بتحب الكيك التقيل.
قالتها فجأة.
بصّيت لها.
— وأنا بحب الخفيف.
— ليه؟
— عشان ما يتخنقش.
حسيت إني في حرب بس صافية النية، هي بنت صغيرة وبتحط مقارنات..
— كل واحد وذوقه.
مسك ضحكت.
— أنا بحب الاتنين.
مالك كان واقف على باب المطبخ.
مش بيتدخل.
بس شايف.
بعد شوية، الكل قاعد.
الفرندة نورت بنور خفيف.
الليل هادي.
بيسان كانت بتاكل، بس عينيها رايحة جاية.
— طنط زهرة؟
— نعم.
— إنتي هتفضلي معانا؟
السؤال نزل مباشر عليا..
مالك شدّ كتفه، واتكلم بحزم
— بيسان..
قاطعته.
— سيبها.
وبصّيت لبيسان.
— أنا هنا دلوقتي.
سكتت لحظة.
— وبكرة لسه مش عارفين.
بيسان بصّيت لها، وبعدين بصّت لمالك.
— يعني ممكن تمشي؟
— آه، وممكن أفضل.
سكتت بيسان.
الشوكة وقفت في نص الطريق.
— ماما قالت إن بابا دايمًا بيمشي في نص الكلام.
قالتها فجأة وكملت..
— بيسيب الحكاية ناقصة.
مالك اتحرك.
— بيسان
— سيبها يا مالك لو سمحت..
بيسان كملت:
— قالت إن في اتفاق.
بصت لي بطرف عينها..
— بس ما قالتش إيه هو.
الهواء اتقل.
مالك بص لي.
نظرة سؤال.
رجعت ضهري على الكرسي.
— الاتفاق اللي المفروض نفكر فيه دلوقتي، إننا نحاول مانوجعش بعض، ونحاول نحب بعض..
بيسان ما اقتنعتش.
بس سكتت.
دخلت الأوضة.
مسك وراها.
فضلوا هما الاتنين.
— إنتي قوية.
قالها مالك.
— لأ.
ابتسمت.
— أنا بس مش عاوزة أطلع خسرانة نفسي من الحكاية دي..
قرب شوية.
— الاتفاق كان فيه شرط تاني.
قالها بصوت واطي.
— لو حسّيت إني هظلم حد… أمشي.
قلبي دق.
— حد زي مين؟
— أي حد.
— وأنا؟
— إنتي أكتر واحدة حتى لو ظلمتيني مقدرش امشي..
سكت وبص للسماء..
— مالك…
— أنا مش ضعيف يا زهرة، أنا..
قربت له.
— إنت إيه؟.
— مش دلوقتي.
عمل علامة الانفينتي على كفي وقالي..
— النص التاني دايمًا أخطر.
قولتها بهمس.
مالك ما ردّش.
بس عينه قالت: فيه حكاية ولسه مجاش وقتها.
#من_نظرة_عين
ـ الحلقة الثامنة
