رواية القلب يعشق مرتين الفصل العشرون 20 بقلم هند سعدالدين
ـ إنتي كويسة؟
ـ ماكنش يصح اللي حصل إمبارح يا يحيى.
رفع من عليه الغطا، قعد جمبها وهو عريان الصدر، حاوطها بإيده وملس على كتفها..
ـ إحنا كسرنا الاتفاق يا يحيى، ودي تاني مرة منعملش أي احتياطات، إنت أكيد فاهمني..
لف وشها ناحيته، مسك إيديها الاتنين، بص لها بنعومة..
كانت عيونها ثابتة، كإن كل المشاعر بتاعتها اختفت..
ـ إحنا في كل الأحوال متجوزين يا سلمى، إيه أسوء سيناريو هيحصل يعني، سلمى هو إنتي ماكنتيش حابة؟
ـ إحنا اتفقنا لو حبينا نقرب، منغوطش، منعديش الحدود..
سكتت ثانية..
بان عليه الضيقة، رد عليها بنفس الهدوء اللي هي بتتكلم بيه..
ـ وعدّينا.
ساب إيديها..
ـ ها هتعلقي لي المشنقة، على الأقل أنا جوزك شرعي، قصاد الناس كلها يعني يا سلمى..
كان كلامه بالنسبة لها صعب وغير متوقع، هو وعدها مش هيلمح للي حصل، واللي بينهم اتفاق!
ابتسمت رغم كلامه اللي جه في منتصف قلبها..
ـ عندك حق، تعمل أكتر من كده، بس على فكرة محدش غصبك لا على جوازك مني ولا على نومك م...
حط إيديه على شفايفها، كتم أي كلام هتقوله، هو ماكنش يقصد ومايعرفش حرج منه إزاي..
كان حاسس بالذنب والندم..
ـ ماكنش قصدي أجرحك يا سلمى، أنا بس ماكنش لازم أسيب نفسي لمشاعري وقلبي..
ضحكت بتريقة!
ـ ولا أنا!
قربت خطوة..
ـ بس خلّينا نكون صُريحين مع بعض..
شاورت على قلبها.
ـ اللي حصل ما كنش ضعف.
سحبت إيدها.
ـ كانت رغبة محبة..
رفع عينيه.
ـ والرغبة لو ما اتحكمش فيها، بتبوّظ كل حاجة.
هزّت راسها.
ـ عشان كده من دلوقتي، يا ريت ناخد بالنا من كلامنا ومن أفعالنا، ونتحمل بعض لحد ما ينتهي الكابوس ده وينتهي معاه الاتفاق..
قالتها وسحبت الروب بتاعها، لفته على جسمها واختفت من قدامه..
كانت بتلوم نفسها لإنها اللي بدأت، بس خوفها من اللي جاي خلاها متتحكمش في نفسها..
ويحيى كان بيلوم هو كمان نفسه على اندفاعه وتجريحه ليها، أصل ما ينفعش ندفع حد تمن تنازلاتنا..
بعد أخر كلام ما بينهم، كان الجفاف المقصود، بيتجنبوا النظرات لبعض، والكلام على قد الرد، هي دايمًا قاعدة في أوضتها ترسم وهو قاعد في غرفة المكتب، يا بينزل شغله ويرجع..
البيت بقى شبه المنفى، مفيش صوت للمزيكا، ولا صوت ضحك، كإن الحياة هربت من البيت فجأة..
البيت بقى منظم زيادة، كل واحد فيهم عارف إن ده مش طبعهم، ده قرار وبيحاولوا يلتزموا بيه عشان ما يقولوش حاجات يندموا عليها..
صوت خبط سلمى على باب المكتب..
ماسكة كوباية عصير برتقان وواقفة، شاور لها تقرب.
حطت الصينية على المكان الفاضي من الورق على المكتب..
ـ أنا عارفة إنك منعت نزولي من البيت، بس ماما وحشتني..
مبصلهاش، ومسبهاش تكمل كلامها..
ـ لأ..
ـ بس أنا زهقت من البيت..
ضرب إيده بالقلم اللي ماسكه على المكتب..
ـ وأنا مش فاضي يا سلمى أوديكي ولا أجيبك..
ـ هروح لوحدي مش هيحصل حاجة..
ـ أنا قولت لأه.
قالها ببط مستفز.
سابته وخرجت من المكتب وهي متعصبة.
قال لنفسه:
كده أحسن، مش هنخ لها تاني. ومش هقبل الأمور تتعوّج مرة تانية.
كان الوقت متأخر، والبيت ساكت زيادة عن اللزوم، سلمى في المطبخ بتحاول تعمل صينية بطاطس وماشية بالخطوات مع طريقة الشيف نادية السيد..
ويحيى في الصالة، بيراجع موبايله من غير تركيز.
سمع صوتها بتناديه..
ـ نعم؟
ـ عاوزة صلصة..
ـ في التلاجة..
ـ مفيش خلصت، لو سمحت أنزل السوبر ماركت هات علبة، بليز يا يحيى عشان الوصفة ماتبوظش..
كانت بتبص له بإلحاح لطيف بالنسبة له، ابتسم وبعدين ضم شفايفه على بعضهم تاني..
ـ تمام، عاوزة حاجة تاني؟
ـ ماظنش لأ، بص كده في التلاجة، وشوف لو في حاجة ناقصة، هاتها..
هز لها راسه وراح يبص في التلاجة ويكتب على موبايله النواقص، فتح دولاب المكرونات والرز والخضار الجاف..
كتب كل حاجة، أخد فلوس من درج الدولاب الصغير اللي في الصالة، ونزل..
كانت مشغولة بإنها تدي الفراخ صدمة على النار، محستش بالنور لما طفى، هي أصلًا عاشت في الضلمة كتير لدرجة إنها ما بقتش بتخاف منها.
ـ يوووه، النت هيفصل، هي قالت بعد الفلفل الأسمر إيه؟
حست بنفس جمبها، وخيال حد بيمشي في الشقة، مسكت المكنسة الخشب وكانت بتهوش بيها في الضلمة..
سمعت تكات صوت طبلة الباب..
حد دخل، ومعاه النور اشتغل..
ـ هو إنت؟ يا ريت متهزرش الهزار ده تاني..
ـ أهزر إيه؟
كان بيكلمها بعدم فهم، سابها ودخل الأكياس المطبخ، إلا من كيس فيها شيبسي برنجلز المحبب لسلمى، ونسكافيه دوفي دوف، وايس كريم فانيلا..
ـ أنا جبت لك دول، على حسبما قدرت أخمن اللي بتحبيه..
بصت للأكياس بعدم اهتمام وسابتها مكانها..
ـ هاتي الأيس كريم احطهولك في التلاجة..
بصت له بقمص أنثوي مفتعل ومشيت..
ابتسم واخده هو وشاله..
راحت تكمل الطبخة لحد ما رن جرس الباب..
رنّة واحدة.
قصيرة.
مش بتاعة حد مستني يتفتح له.
بصّت له!
ـ إنت مستني حد؟
ـ لأ، هو إنتي طلبتي من مامتك تيجي مثلًا؟
ـ هجيبها في بيت حد رافضهم!
ـ بس أنا مقولتش كده يا سلمى، ده إنتي شايلة بقى..
رنّ تاني.
أطول.
بصو لبعض، وبطلوا يتخانقوا، راح يفتح الباب، والفضول خلاها تروح وراه..
قرب من الباب من غير ما يفتحه.
ـ مين؟
الصوت جه هادي زيادة عن اللازم:
— أنا، معقول نسيتوني؟
قلبها وقع، مش عشان الصوت غريب، عشان مألوف.
قربت خطوة منه..
ـ يحيى؟
صوتها واطي.
ـ ده، ده صوته.
فتح شق من الباب..
البارستا واقف، لابس عادي، ابتسامة بايخة، وعينه بتتعدّى حرمة البيت.
— مساء الخير يا دكتور.
وبعدين بصلها.
— مساء النور يا مدام.
قالها زكان بيمسح على صدره بحركات مستفزة..
قفل يحيى الباب نص قفلة.
ـ إنت جاي تعمل إيه هنا؟
ضحك باستظراف.
— أطمّن عليكم يا عرسان، ما إنتوا ما بتردوش عليا..
قالها وهو بيقرب وشه من فتحة الباب..
— وحشتني يا دكتور، أصل اللي شُوفته زمان، لسه في دماغي، ف قلت أجي أبص بصة، هتبخل عليا بيها يا دكتور؟
سلمى اتراجعت ورا ضهر يحيي بشكل لا إرادي، إيدها مسكت طرف التي شيرت..
لاحظ. وعجبه رد فعلها، وده عطاه جرأة أكتر..
نسي الدنيا وبص لها..
— مالك؟
قالها مباشرة.
— خايفة ليه؟
بص له، ومدّ إيده لسلمى تمسكها من غير ما يبص لها، مسك إيدها ورا ضهره، صوت نفسها بقى أهدى..
الباريستا كان بيبص لهم، ويحيي كان متابع نظراته..
ـ الكلام معايا، هي مالهاش دعوة.
قالها بنبرة طبية باردة.
البارستا ضحك.
— لأ ليها، دي البطلة..
يحيى سكت لحظة، غمض عينيه يكتم غيظه، خوفت من حد من السكان يسمع حاجة.
شدّ يحيى إيد سلمى أكتر، صوته نزل درجة.
ـ آخر مرة تيجي هنا، وأي كلمة زيادة..
قرب وشه.
ـ هتتحاسب عليها.
الباريستا بص لسلمى تاني.
— كل ما ابص للفيديو، النار جوايا تقيد!
قبل ما ترد، يحيى اتحرّك، قفّل الباب مرة واحدة، وداس على زرّار الإنذار الصغير جمبه.
صوته واطي، بس حاد:
ـ كلمة كمان، وهتخرج من هنا بطريقة ما تعجبكش.
ثانية.
ثانيتين.
البارستا رفع إيده باستسلام ساخر.
— ما تزعلش.
قالها وهو بيرجع.
— إحنا لسه هنتقابل.
مشِي.
قفل الباب بالمفتاح، سند عليه، اتنفّس بعمق.
لفّ لسلمى، كانت واقفة مكانها، رجليها بتترعش.
قرب منها فورًا.
إيده على كتفها.
ـ بُصّي لي.
عينها مليانة خوف حقيقي.
ـ سمعتيني؟ مش هسمح لحد يقرب لك أو يخوفك طول ما أنا عايش، سواء باتفاق أو من غيره، طول ما فيا نفس هفضل احميكي..
هزّت راسها، بس جسمها ما صدّقش، هي كانت محتاجة تتطمن أكتر، حس بيها..
شدّها لحضنه، فضل ضاممها ناحية قلبه لحد ما جسمها بقى أهدى والرعشه راحت.
مسكها من كتافها..
ـ طالما أنا هنا..
قالها في ودنها.
ـ مفيش حد هيقرب لك.
مسكت قميصه بقوة.
ـ أنا خوفت.
ـ حقك.
ردّ فورًا.
ـ اعرفي مش هسمح لحد ياخدك مني، متخافيش تاني، اللي عاوز يعمل حاجة يوريني.
ـ أنا خايفة عليك..
شاور لها..
ـ من قلبك؟
ـ من قلبي.
بعد شوية، سابها خطوة.
بصّ لها بهزار..
ـ الاتفاق لسه موجود؟ مش هينفع نعمل عبط النهاردة؟ بصراحة شكلك حلو أوي..
اتكسفت ودورت وشها وقالت له..
ـ لأ مش هينفع نعمل عبط، وسيبني أعمل صينية البطاطس وأخلصها على خير..
وهي ماشية شافت كيسة الحلوى اللي جابها لها. شالتها وحضنتها، دورت وشها ناحيته وهي حضناها..
قالها بصوت عالي..
ـ يا رتني بدالها.
ضحكت ودخلت المطبخ تكمل..
زودت شوية ماية ودخلت صينية البطاطس الفرن، وطت على الرز، وقلت فلفل ليحيى عشان بيحب الحامي..
وهي بتلم الأطباق لمحت حاجة أو بمعنى أصح لمحت ورقة مرمية..
محشور بين علبة السكر والحوض.
فتحتها..
عنوان كافيه، اسمه ليل في روف فوق فندق القوات المسلحة في محطة الرمل..
وتحت العنوان،
قلم جاف ضاغط الحروف:
«لو ماجيتيش، هضطر أقول للدكتور على اللي ما يعرفوش، قولي لي يا سلمى هو إنتي حسستيه إزاي إنك كنتي ضحية؟.»
#القلب_يعشق_مرتين
ـ الحلقة العشرون
