رواية القلب يعشق مرتين الفصل الواحد والعشرون 21 والاخير بقلم هند سعدالدين
— لو قلت لك إني رايحة أقابل شخص ممكن يهدد حياتي بس لازم أعمل كده؟
— هقول لك خدي المفاتيح اللي على الترابيزة، واستنيني في العربية.
بصت له بثقة وفخر..
— واثق فيّا؟
ابتسم.
— واثق في اللي بينا.
بدون تفكير وانتظار، قام من مكانه، لبس بسرعة، ونزل هو يستناها..
قفلت الباب وراها بهدوء.
إيديها كانت ثابتة وهي بتمسك المفاتيح، بس قلبها؟ كان شغال زيادة عن اللزوم، زي ماكينة مش راضية تطفي.
نزلت السلم، خطوة خطوة.
مشيت قدّام العمارة، وبصّت يمين وشمال، حركة تلقائية، مش خوف، حذر.
العربية كانت مستنياها، يحيى جوّاها، ماسك الدركسيون بإيد واحدة، والتانية على رجله، صباعه بيخبط خبط خفيف..
فتحت الباب وركبت من غير ما تبص له.
سكتوا.
— الرسالة فين؟
قالها من غير ما يبص لها.
طلعت الورقة من شنطتها، حطتها بينه وبين الزجاج الأمامي.
قرأها بسرعة، بس عينه وقفت عند آخر سطر.
— قليل الأدب.
قالها بهدوء مخيف.
— ومش غبي خالص يا يحيى.
دور العربية.
— المكان ده مش عشوائي.
— عارفة.
قالتها وهي بتعدل الحزام.
— هو عارف إنه الروڤ مفتوح، ناس داخلة وطالعة، فاكر نفسه ذكي.
ابتسم نص ابتسامة.
— ما يعرفش إن الذكاء الحقيقي، إنك تفتكر نفسك سابق الكل، بس إنت لسه في نص الطريق..
وصلوا قُرب الفندق.
ركن العربية في شارع جانبي.
لفّ لها.
— من اللحظة دي، كل كلمة محسوبة وكل نظرة وكل خطوة، خليكي عارفة جوزك في ضهرك، إنتي مش لوحدك..
هزّت راسها.
— أنا مش داخلة له فريسة سهلة، متقلقش عليا، مراتك شجاعة..
ضحك..
قرب شوية.
— وأنا مش واقف متفرج.
سكتت ثانية، وبعدين قالت بصوت واطي:
— مهما حصل، متدخلش غير لما أديك الإشارة.
بصّ لها.
— إشارة إيه؟
رفعت عينها.
— لما أبص لك وأطرقع بصوابعي.
ابتسم.
— ماشي يا سلمى، مطلعتيش سهلة برضه.
ضحكوا
نزلت، نده عليها..
ـ سلمى؟
ـ نعم؟
ـ أنا هنا عشانك، مهما حصل أنا موجود..
بصت له وابتسمت ومشيت.
كافيه “ليل” كان منور زيادة عن اللزوم.
نور أصفر، موسيقى هادية، ضحك ناس مش فارق معاهم حاجة.
الروف مفتوح، الهوا بارد، بس مش قارس، ديسمبر بيحب يبان لطيف وهو بيعض.
شافته قبل ما يشوفها.
قاعد على ترابيزة في الركن، ضهره للمدينة، ووشه للباب.
نفس الابتسامة البايخة.
قربت.
وقف وهو بيبص لها من فوق لتحت، كإنه بياكلها بنظراته
— مدام سلمى.
قالها وهو بيمد إيده.
ما مدتش.
قعدت.
— اتأخرتي.
— وأنا مش في ميعاد مع صاحبتي.
ضحك.
— حلوة.
سكت شوية، وبعدين مال للأمام.
— شكلك متوترة.
رفعت حاجبها.
— شكلي جاية اسمعك، فاختصر.
شرب بق من قهوته..
— تحبي نبدأ منين؟ من الفيديو؟ ولا من الدكتور؟
قلبها دق.
بس وشها؟ ولا حركة.
— من الآخر، إنت عايز إيه؟
ـ عايزك..
ـ يعني إيه؟
ـ ليلة تقضيها معايا حتى لو هحضنك بس، سليم مش أحسن مني..
ـ سليم كان جوزي..
ـ اتخدعتي بالورقة دي؟
ميلت راسها وضيقت عينيها..
ـ تفتكر هكررها تاني؟
ـ حقي فيكي..
ـ بس أنا ست متجوزة..
ـ ما دي حلاوته، يعني مش خسرانة حاجة من أي ناحية..
ـ أنا بحب جوزي يا علي، واللي بتطلبه ده مستحيل..
— أنا ماليش دعوة بده كله، عايز حقي.
— تاني؟
ابتسمت وشبكت ايديها في بعض..
— الحقيقة إنك واحد عاش عمره على صور مش بتاعته.
عينه ضاقت.
— خلي بالك مني يا سلمى الغدر أحلى طبع فيا..
— لأ. خلي بالك إنت.
قالتها بهدوء قاتل.
— لأنك بتلعب مع ناس أكبر منك.
ضحك، بس الضحكة طلعت ناشفة.
— لسه بتثقي فيه؟
— في مين؟
— في جوزك.
سكتت ثانية.
— أنا متجوزة راجل، مش فكرة.
قرب وشه.
— وهو يعرف إنك هنا؟
ابتسمت.
— وهو اللي وصلني.
ثانية صمت.
عينه اتحركت، حاول يقرأها.
— بتكذبي.
ميلت راسها.
— جرب.
طلع موبايله.
— طب خلينا نكلمه؟
في اللحظة دي، رفعت عينها، وبصّت ناحية السور الزجاجي.
مش بصّة عادية.
بصّة متقصدة.
طرقعت بصوابعها في الهوا..
— إيه ده؟
قالها وهو بيتلفت.
قالت بهدوء:
— الإشارة.
في ثانية، يحيى كان واقف، واثق مش مندفع.
واقف كإنه كان هنا من الأول.
قرب.
وقف جنب سلمى.. طبطب على كتفها..
وجوده لوحده غيّر الهوا.
— مساء الخير.
قالها بصوت مهني بارد.
البارستا اتعدل في قعدته.
— الدكتور صدفة، معقول؟
— مش بؤمن بالصدف، أنا بصنعها..
ابتسم ببرود وكمل كلامه..
— ترتيب.
بص لسلمى.
— إنتي كويسة؟
— تمام.
قالتها بثبات.
لفّ للباريستا.
— تحب نكمل هنا؟ ولا نطلع نغير جو؟
— إنت بتهددني؟
— أنا بعرض عليك اختيارات.
ضحك الباريستا بتوتر.
— فاكر نفسك مسيطر؟
يحيى قرب شوية.
— أنا مش فاكر، أنا عارف.
طلع موبايله.
فتح تسجيل.
— ده صوتك، وإنت بتعترف بابتزاز، وتحرش، واحتفاظ بمحتوى غير قانوني.
عين الباريستا وسعت.
— ده، ده مش..
قاطعه.
— ده كفاية يخليك تختفي من غير ما حد يسأل عليك.
سلمى كانت واقفة.
هادية.
مش محتاجة حضن.
مش محتاجة دفاع.
— إنت فاكر إنك لما لعبت على خوفي، هتكسب؟
قالتها له مباشرة.
— إنت بس كشفت نفسك.
بلع ريقه.
— عايزين إيه؟
يحيى رد:
— تمشي.
— وبس؟
— تمشي، وما ترجعش تاني لإن صدقني المرة الجاية اللي هشوفك فيها، إنت مش هتشوف الأسفلت تاني.
قام الباريستا.
— واللي معايا؟
ابتسم يحيى.
— كان معاك، بس دلوقتي مش معاك حاجة تدين حد، إنت عارف ممكن يتوجه لك كام تهمة؟ طب عارف إني مسحت كل اللي على تليفونك من قبل ما اطلع؟
البلرستا مسك تليفونه يتأكد..
ـ أدي عيب اللي بيفتحوا لينكات مجهولة، بس إيه البنت اللي كلمتك كانت شديدة لدرجة إنك نسيت تاخد حذرك!
لفّ ومشي.
من غير تهديد زيادة.
من غير استعراض.
بعد شوية، كانوا واقفين جنب العربية.
الهوا بقى أهدى.
— إنتي كويسة؟
— أيوه.
سكتوا.
— لما قولتي له “وهو اللي وصلني”
قالها وهو بيبص قدامه.
— كنتي شجاعة.
بصّت له.
— ولما وقفت جمبي اتأكدت إن العالم كله في صفي..
لفّ لها.
— الاتفاق لسه موجود.
ابتسمت.
— بس اتغير.
— إزاي؟
— أنا عاوزة أكمل معاك وأنا صفحة بيضا يا يحيي.
فتح الباب.
— نرجع البيت؟
— نرجع.
مشيوا.
المدينة وراهم.
والليل؟
كان شاهد… مش تهديد.
وفي الطريق، قالت فجأة:
— يحيى؟
— نعم.
— شكرًا إنك وثقت فيا..
ابتسم.
— شكرًا إنك ما خذلتنيش.
سكتوا.
الطريق كان فاضي على غير العادة، كأن المدينة قررت تسيبهم لوحدهم مع اللي جواهم.
وصلوا البيت.
دخلوا.
ولا واحد فيهم شغّل النور فورًا.
خلع چاكته، علّقه بعناية مبالغ فيها، كأنه بيكسب وقت.
هي حطت شنطتها على الترابيزة، قعدت من غير ما تشيلها، كأنها مش ناوية تطوّل.
الصمت بقى تقيل.
— إحنا محتاجين نتكلم.
قالها وهو لسه واقف.
— عارفة.
قالتها وهي باصة للأرض.
قعد قدامها، ما بينهم مسافة محسوبة.
مش بُعد، حذر.
— اللي حصل النهاردة..
سكت.
— خلاني أفهم حاجة.
رفعت عينيها.
— إيه؟
— إنك بقيتي أقوى، وبتهيألي الحِمل من عليكي إنزاح..
ابتسم ابتسامة باهتة.
— ودوري في الحكاية انتهى صح؟
شدّت نفسها.
— إنت شايف كده؟
— شايفك بقيتي حرة.
قالها بصراحة جارحة.
— وأنا.. لسه واقف مكاني هناك، لما استنيتك تكذبي حاجة أو حتى تقولي لي.
قربت شوية.
— أنا ما خنتكش يا يحيى
— عارف.
قالها بسرعة.
— بس اتكسرت قدامك، راجل عبيط وأنا مش كده..
الكلام نزل تقيل على قلبها اللي حبه فعلاً.
ـ عرفتي ليه أول ما شوفتيني أول مرة على البحر كانت ابتسامتي مهزومة؟
اتنفست بعمق.
— يعني إيه يا يحيى، كده خلاص؟
سند ضهره.
— خلينا نسيب بعض قبل ما نكره بعض.
سكتت كإنها بتحاول تستوعب الصدمة، هي كانت بتنضف حياتها عشانه، بقت قوية وبتواجه عشانه!
بعدين قالت بهدوء موجع:
— تقصد نطلق؟
هز راسه.
— بهدوء، من غير فضايح ومن غير ما نجرح بعض أكتر.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— إحنا متأخرين على كده.
وقف.
— أنا بحبك، بس مش قادر أكمل.
قامت هي كمان.
— تعبنا، مش قادرة ألومك، صحيح غلطات إمبارح هتفضل تجري وراك لحد ما تصلحها..
وقفوا قدام بعض.
ولا حضن.
ولا دموع.
اتفاق عقلاني، بين قلبين تعبانين.
رجعت بيت أهلها بعد أيام.
اوضتها زي ما هي.
بس هي؟ لأ.
الوقت عدّى.
شوية أسابيع بقوا شهرين، ملامحها اتغيرت، كإنها اتغيرت، كبرت، بقت عاقلة زيادة عن اللازم..
بتصحى، تنام، تشتغل، تضحك للناس، بس في حتة جواها ناقصة، حتة كانت بتوجع بس كانت موجودة.
الذكريات ما بترحمش حد، والعليل بداء الحب ما بيخفش.
في صباح عادي، تعبت فجأة.
دوخة.
غثيان.
ضحكت على نفسها.
— ما أنا ماكنش لازم أعيط وماكولش إمبارح برضه، أدي التوتر اللي بيجيلنا من الحب..
بس التوتر ما بيأخرش البريود شهرين.
الاختبار كان على رخامة حوض الحمام.
ثانيتين كانوا سنين، بتقول في نفسها
ـ أكيد لأ.
لحد ما شافت خطين.
قعدت على الأرض.
ما صرختش.
ما فرحتش.
بس دموعها نزلت.
— يا رب!
همست.
— ليه دلوقتي؟
يحيى كان في شغله لما الموبايل رن.
اسمها.
قلبه كان طاير بس كان عاوز يبان قوي
رد فورًا.
— خير؟
صوتها كان واطي.
— محتاجة أشوفك.
— حصل حاجة؟
— أيوه.
ـ إنتي فين؟
ـ أنا في كافيه wave على البحر..
ـ مسافة السكة، اهدي واطلبي حاجة هتلاقيني عندك.
بعد شوية وقت..
جه، من بعيد، ابتسمت بفرحة، هو كمان كان مبسوط..
وقفت وأول ما شافته حضنته، كانت بتعاتب قلبه على القاسية وطول الفرقة..
كان مصدوم بس فرحان، ماكنش قادر يحاوطها بدراعاته، خاف ليضعف..
قعدوا قدام بعض تاني.
نفس المكان.
بس الدنيا مختلفة.
حطت التحليل قدامه، ما قالتش كلمة.
قرأ.
رفع عينه ببطء.
— ده…
— أيوه.
سكت.
ابتسم، باس إيديها وبعدها.. اتأسف
— حامل؟
— أيوه.
وقف قدامها.
— ابني؟
رفعت عينها بثبات.
— أو بنتك!
قعد، مسك راسه بإيديه.
— أنا..
— ما تقلقش.
قالتها بسرعة.
— مش جاية أفرض عليك حاجة، أنا بس جاية أعرفك إني بعد إذنك عاوزة احتفظ بالبيبي، أنا مش عاوزة الوقت يسرقني وانساك، أرجوك خليني احتفظ بالبيبي وإنت مش ....
حط إيديه على شفايفها، رفع عينه.
— وأنا عمري ما هسيبك لوحدك تاني، أنا مش عايز أعيش عمري ندمان إني معملتش حاجة، ربنا بيسامح فأنا مين عشان ماكنش رحيم بيكي..
سكتوا.
— نرجع؟
قالها وهو بيبص لها للمرة الأولى برجاء.
ابتسمت بدموع.
— نرجع، بس المرة دي من غير خوف، ومن غير أسرار ولا جري..
مد إيده.
مسكتها.
ـ أنا بحبك يا يحيى، أوي.
الليل بره كان هادي.
والحكاية..
قفلت دايرتها أخيرًا.
#القلب_يعشق_مرتين
ـ الحلقة الأخيرة
تمت
