رواية القلب يعشق مرتين الفصل السادس عشر 16 بقلم هند سعدالدين
ـ أنا هقولك على كل حاجة، بس توعدني تسامحني.
ضحك بمرارة راجل في يوم وليلة اتحولت حياته لجحيم أسرار، وإن حب عمره اتحولت لإنسانة ميعرفهاش!
ـ توعدني؟ إنتي بتملي عليا شروطك؟
قالها وهو بيقرب راسه منها، كانت قاعدة ساندة على ركبتها قصاده، محاولة منها عشان تصعب عليه!
ـ إنتي فاكرة إن الحقيقة لعبة، وإن الاعتراف جايزته غفران؟
سلمى اتلخبطت:
ـ يحيى أنا، أنا كنت صغيرة، ماكنتش فاهمة وكنت مضغوطة و..
قاطعها:
ـ مضغوطة ولا مبسوطة؟
رجع سند بضهره على الكرسي، والابتسامة لسه مش مفارقة وشه..
الكذاب طريقه قصير، كانت بتحاول تكسب وقت عشان تقدر ترد عليه!
ـ يحيى بالله عليك، اسمعني وبعدها قرر..
ـ بالله؟ ده قسم كبير أوي عليكي!
قرب وشه من وشها..
ـ قوليها..
قالها ببطء، بحدّة، بصوت راجل مش بيطلب إجابة، ده بيعرّيها.
ـ كنتي معاه برضاكي ولا غصب عنك؟
عينيها لمعت، بس مش دموع صادقة، دموع خوف مش ندم.
ـ أنا… كنت..
كأن الحقيقة حجر واقف في زورها.
هزّ راسه:
ـ خلّي بالك، أول ما هتكدبي.. أنا هعرف.
شافت نفسها مكسورة في عينه، وانكسارها بيكبر.
ـ كنت…
نزلت دمعة.
ـ كنت بحبّه زمان… قبل ما أعرفك… قبل ما الدنيا تلخبطني، أنا ماكنتش فاكرة نفسي بغلط، أنا كنت بحبه وهو كمان بيحبني وكنا متفقين هنتجوز شرعي بعد الجامعة، وبعدين أنا كنت مراته..
ـ مراته؟
كررها مرتين، باستغراب!
ـ كان بينا عقد جواز عرفي..
قاطعها..
ـ اه اه، العقد اللي بتحللوا بيه الزنا، مسمهاش كنت متجوزاه يا سلومة، اسمها كنت بقضي معاه يومين!
حطت إيديها على شفايفه، مكانتش قادرة تتحمل كلامه اللي بيوصمها بإنها مش شريفة!
ـ أنا غلطت زي أي واحدة بتغلط..
ـ هششش، أي واحدة! لأ في نضاف كتير يا سلمى، متقارنيش نفسك بيهم لتوسخيهم..
ـ إنت عاوز إيه؟ مش هتعرف تثبت حاجة؟
هو ما اتفاجئش من بجاحتها..
ما انفعلش.
ما اتكسرش.
هو اتأكد.
اتأكد إن اللي تعب قلبه سنين، كان حقيقة مش وهم.
انهارت، وبدأت سطوتها تروح، قصاد سكاته..
ـ يحيى، والله! أنا جيت عندك نظيفة! أنا حبيتك بجد..
ـ نظيفة؟
رجع خطوة وسابّها تقع على الأرض.
ـ يا سلمى، اللي بيخاف يخسر.. ما يكذبش.
كان باصص لها كأنها كتاب اتقرأ خلاص.
ـ من النهاردة..
قالها وهو واقف بينما هي قاعدة على الأرض زي حد اتكشف فجأة.
ـ أنا اللي هقرر النهاية.. مش إنتي.
مسحت دموعها بسرعة..
قامت واقفة بتتحداه، كانت عارف إن الصعبانيات مش جايبة همها معاه، وقفت زي حد لسه عنده آخر طلقة وعاوز يضربها.
رفعت راسها، وابتسمت…
ابتسامة صغيرة، بس كانت كفيلة تقطع النفس.
ـ يا نهار أبيض يا دكتور..
قالتها وهي بتضحك ضحكة قصيرة.
ـ إنت بجد مصدق إنك هتقدر تعملي حاجة؟! بلاش دي هتقدر أصلًا تواجه حد؟ بلاش دي كمان، تفتكر هيصدقوا مين؟
جسمه اتجمد قبل رجله.
لفّ لها، بص لها بغضب..
ـ قولي كمان.
قالها ببرود.
قربت منه..
مش بخجل، ولا بتوسّل، لكن بعناد وقلة خوف.
ـ إنت فاكر نفسك إيه؟
قالتها وهي بتشاور عليه.
ـ من ساعة ما دخلت حياتي وإنت عامل فيها بطل وأنا؟
ضحكت.
ـ تفتكر واحدة زيي هتوافق بواحد زيك؟ يحيي أنا كنت عارفة إنك بتحبني، ده أنا كنت وخداك محتوى، أقولك حاجة كمان، الاعتداء ده كان متدبر، كنت عارفة إنك بتراقبني، واليوم اللي نوينا نعمل ده فيه إحنا اللي كنا راسمين لك الخيوط وممشينك ورانا، مش إنت، كنت عارفة إني لو قلت لك ارمي نفسك في البحر عشاني كنت هتعملها!
حس باالدنيا بتلف من حواليه، سند على الحيطة..
ـ قولي كمان يا سلمى..
صوته كان واطي، بس وراه زئير.
ـ أقول تالت ورابع..
قربت أكتر لحد ما بقوا نفس واحد.
ـ لو ماكنتش لقيتك، كنت هرجع لسليم أو أشوف راجل غيرك..
وقفت ثواني…
ملست على وشه..
ـ يحيى إنت اتجوزتني عشان تجرب تبقى راجل، وأنا خليتك تجرب، بذمتك مش انبسطت؟
الضربة دي كانت في منتصف قلبه..
في اللحظة دي بالذات حس كإن حد ضربه على دماغه وأخده على خوانه!
وشه سخَن.
ودماغه كانت فيها مسامير بتنغز فيه.
قرب منها خطوة..
خطوة ما كانتش محسوبة، خطوة راجل اتقفل عقله واتفتح وجعه.
مد إيده عشان يفش غله، ماكنش ناوي يضربها..
كان بس بيحاول يبعدها من قدامه، زقّها، كانت محاولة منه عشان يخرّس الصوت اللي بيدوس على كرامته.
لكن الزقّة جات وهي مش واقفة ثابتة.
اترجّت.
وقعت.
اتخبطت في طرف الترابيزة، اغمى عليها في لحظتها..
هو اتجمّد، وعض على صوابعه من الخضة..
محسش بنفسه غير لما شاف دم كتير..
جري عليها
ـ سلمى؟
خرجت من جواه مهزومة، ماكنش خايف غير عليها رغم وجع قلبه منها..
ركع جنبها، إيده بترتعش، بيحاول يشوفها، يرفعها، يفوّقها…
كان مرعوب من اللي حصل، مش مصدق إن إيده عملت ده.
هو مش وحش، هو كان بيحاول يحميها من اندافع غضبه..
ملامحها كانت نص واعية…
دمعة نازلة…
مش دمعة ألم.
دمعة انتصار.
لأنها فهمت إنها أخيرًا جرّته للنقطة اللي تقدر تبتزّه منها.
شالها حطها على السرير، جري يجيب بوكس الإسعافات..
مسح وشها ووقف النزيف..
كانت نايمة بهدوء، فيها ملامح من حبيته سلمى اللي عرفها زمان، سألها: ليه كده؟
مردتش، قعد جمبها لحد ما فاقت..
ـ أنا اسف..
مردتش عليه، ونامت من التعب أو هروب!
بعد شوية وقت صحيت..
لمّا فاقت، كانت بتتنفس بسرعة، عينيها بتدوّر عليه، مش بتفتش عن ضعف فيه، لأ، بتفتش عن الأمان اللي كانت بتجري منه طول عمرها.
هو كان واقف في آخر الأوضة، ضهره للحيطة، بيبص لها كإنه مش قادر يقرب، وخايف يقرب.
خايف عليها منه، وخايف من نفسه.
نادته:
ـ يحيى..؟
قالتها بصوت مبحوح، صوت حد اكتشف إن اللعب بالنار ساعات بيحرق صاحبها.
قرب خطوة، ووقف في نص الطريق.
مش عشان مش عايز…
لكن عشان خايف يلمسها ويبوّظ كل حاجة تاني، كان خايف يحن!
ـ أنا..
كملت ودموع الندم نازلة من غير تمثيل:
ـ أنا غلطت، غلطت كتير أوي وكنت فاكرة إني أقدر أستخدمك، أقدر أهرب من بابا، بس..
مسحت دموعها وهي بتترعش.
ـ بس لما وقعت، حسّيت، حسّيت إن الدنيا كلها كانت هتنتهي في لحظة، إنت كنت خايف عليّا، وأنا… ماستاهلش خوفك.
بلع ريقه، وصوته اتكسر لأول مرة من الليلة دي:
ـ أنا ماكنش قصدي، والله ما كان قصدي أعمل فيكي كده.
هزت راسها بسرعة..
ـ أنا عارفة، وعارفة إن غضبك أنا اللي سببته.
قربت منه بإيديها المرتعشة.
ـ بس بالله عليك، سامحني، مش عشان أخرج من الغلط، لأ يا يحيي، عشان أنا فعلاً، مش عايزة أخسرك.
نظرته اتبدلت للحظة…
قلبه لسه متعلق بيها، متشرّب خوف عليها أكتر من خوفه من جرحه.
واكتشف إنه مهما كان، لسه بيخاف عليها أكتر ما بيكرهها.
طبطبت على إيديه، سمح لها تلمسه من غير ما يحس بالاشمئزاز..
ـ أنا فعلاً حبيتك، ماكنتش بكذب، خلينا نفتح صفحة جديدة، هه..
#القلب_يعشق_مرتين
ـ الحلقة السادسة عشر
