رواية القلب يعشق مرتين الفصل الثالث 3 بقلم هند سعدالدين
ـ اجري يا سلمى، امشي من هنا، ما تبصيش وراكي..
صوته كان بيتردد في الهواء، جمد الدم في عروقي..
اتسمرت مكاني، رجلي مكانتش شايلاني، كإن حد ماسكني..
ـ اجري يا سلمى!
المرة دي الصوت كان ورايا، صوت جاي من بعيد، بصيت لقيت يحيي ماسك قلبه وبيزنف..
ظهر من بين الضباب، بيجري، إيده على صدره، الـ.. دم مغرق هدومه، وملامحه كانت باهتة!
جريت ناحيته، أول ما شافني، ملس على وشي وشعري بإيده المليانة د... م، وابتسم لي زي أول مرة شوفته فيها!
كلمني بصوت مبحوح طالع بالعافية..
ـ لسه واقفة، مش قلت لك امشي..
ـ إنت جيت ليه؟ ومين عمل فيك كده..!
ـ جيت عشان حسيت إنك مش هتمشي، القدر عاوز يحرمني تاني.
قالها وابتسم باستهزاء..
وقع عليا، سندته وقعدنا على الأرض، ماكنش بينطق ولا بيتحرك..
بصيت للسما، وكنت بصرخ من القهرة، صراخ المعترض مش المتألم!
إيدي محطوطة على قلبه بحاول أمنع النزيف، الناس اتلمت، والستات بتصوت والرجالة بتزعق، كانوا بيسألوني عن حاجات مش قادرة افسرها..
وقفت عربية وشالوه وروحنا بيه مستشفى القوات المسلحة في الحضرة..
كان شكلي مريب ويخوف، سألني دكتور الطوارئ..
ـ اسمه إيه؟
ـ يحيي عايش صح؟ قولي إنه مامتش..
نده للممرضة تمسح لي أثار يحيي مني، رفضت وبعدتها عني..
وهي طالعة من باب الأوضة اتعلقت في إيديها..
ـ هو يحيي فين؟
ـ في العمليات، الجرح غائر، للأسف الضربة كانت قريبة أوي من قلبه واللي عمل كده شال السـ.. لاح كان قصده يقتـ... له وده خلى دمـ.. ـه يتصفى.
ـ بس هو هيعيش صح؟
ـ ادعي له، الدكاترة هتعمل اللازم والباقي على ربنا، اتفضلي بس الحاجة دي بتاعته، موبايله وسلسلة فضة ومحفظة..
اخدتهم منها، تليفونه كان مش مبطل اتصالات..
لقيت المتصل" ماما"
افتكرت ماما، بصيت في الساعة لقيتها ١٠ ونص..
ـ ألو..
ـ كده برضه يا سلمى، سايباني أغلي، يا بنتي إنتي فين؟ أبوكي لو جه وملاقكيش هيقلب الدنيا..
ـ أنا في المستشفى يا ماما..
ـ فيكي إيه يا سلمى، يا بنتي انطقي، ريحي قلبي..
ـ تعالي لي يا ماما وهاتي هدوم معاكي أنا في مستشفى الحضرة..
قومت من مكاني وقفت قصاد غرفة العمليات، مستنية حد يطمني..
لقيت ممرضة بتجري..
سألتها في إيه؟
ـ محتاجين دم للحالة اللي جوا وبنك الدم هياخد وقت على ما يوصلنا..
ـ أنا فصيلتي بتدي لأي حد..
دخلت جوا وتجاهلتني، جه دكتور مع الممرضة..
ـ فصيلتك نوعها إيه؟
ـ o negative.
ـ عندك أنيميا أو أي حاجة تمنعك؟
ـ لأ، خدوا اللي تعوزوه..
ماما دخلت والممرضة بتشكرني على تبرعي بالد... م
أول ما شافتني لطمت على وشها، غالبًا شكت إن حصلي حاجة..
قومت لها وطمنتها إني كويسة..
فضلت تمسح لي وشي وتمسح على شعري..
ماكنتش بتكلم، اترميت في حضنها، وعيطت..
قعدت تطبطب عليا، وبعد ما بطلت عياط، مسكتني من كتفي ورفعت راسي ناحيتها..
ـ إنتي كويسة صح؟
هزيت لها راسي..
ـ إنتي هنا ليه؟
ـ يحيي في العمليات بسببي..
كانت في صدمة، بس كملت..
ـ يحيي مين؟
ـ معرفش حاجة عنه، غير إنه البطل بتاعي..
رفعت حواجبها باستغراب، وبهدوء كملت..
ـ البطل بتاعك!
ـ من كام يوم وأنا مروحة في شباب عاكسوني و...
ـ وإيه يا سلمى؟ انطقي!
ـ وكانوا بيلمسوني بطريقة ما تصحش، جه يحيي، دافع عني وحماني منهم، والشباب دي اتوعدوا له و..
ـ وبعدين يا سلمى يا بنتي، نشفتي دمي..
ـ النهاردة يحيي حاول يحذرني، وقالي امشي، بس يا ماما والله حسيت بجسمي حد ماسكه، ولما شوفته كان سايح في د... مه وديناه أنا وناس طيبة للمستشفى، الجرح كان قريب من القلب، ونزف كتير، ادعي له يا ماما والنبي..
ـ طيب اهدي وروحي وأنا هشوف طريقة..
قومت من مكاني، وكنت لسه دايخة.. سندت على جرف السرير
ـ أنا مش هسيب يحيي يا ماما.
ـ هتعملي لي ثورجية يا سلمى، أبوكي لو عرف الحكاية دي مش هيعديها يا سلمى..
قاطعنا صوت الاتصالات من تليفون يحيي..
ـ ردي على الزفت ده، عليتي لي ضغطي، الله يسامحك يا سلمى..
ـ ده تليفون يحيي ودي مامته اللي بتتصل..
ـ حلو هاتيها أرد عليها وييجوا يشوفوا ابنهم وإحنا نروح بيتنا..
ـ هو ده رد الجميل لشخص حافظ لك على شرف بنتك؟
ـ طب عاوزة إيه دلوقتي، خايفة من أبوكي، إنتي عارفة مالوش مواعيد وخايفة ييجي من المعسكر فجأة ويسأل عليكي..
ـ بصي روحي إنتي عشان مريم أختي ولو جه من الجيش، قولي له إن رحمة تعبت وأنا معاها أكيد مش هيشك في بنت خالتي.. !
ـ الله يسامحك يا سلمى يا بنتي، طلاقي هيبقى على إيدك..
دخلت الممرضة تطمن عليا..
ـ طلع ولا لسه؟
ـ لسه، بس محتاجين شوية داتا لو حضرتك بس تيجي معايا..
ـ خليكي يا سلمى، هاتي تليفونه ..
ـ بلاش يا ماما..
ـ يا بنتي دول أهله لازم يعرفوا.. هاتي بس وأنا هتصرف..
سابتني في حيرتي وخوفي..
سندت على الحيطان من حواليا، مردتش أقول للدكتور إن عندي انيميا " كدبة بيضا" لحد ما وصلت للعمليات..
ريحة الطرقة بيتادين، الهدوء في المستشفى مميت،
قعدت على الكرسي اللي قدام غرفة العمليات، عيني مش بترمش وأنا متنحة على اللمبة الحمراء، قلبي بيدق وصدري مخنوق، كل اللي جاي في بالي، شكله وهو بيبتسم لي وبيقع عليا!
طلعت ممرضة بعد شوية وقت..
ـ طمنيني أرجوك..
ـ الحمد لله اتطمني، هننقله العناية المركزة، لإنه محتاج يتحط تحت الأجهزة...
مدت لي ورقة صغيرة.
ـ الدكتور لقى الورقة دي في جيبه، مكتوب فيها اسمك.
خدتها، كانت متطبقة ومبلولة دم.
فتحتها بإيدين بترتعش..
"لو حصلي حاجة، ما تصدقيش حد.."
البرد لف جسمي، قلبي وقع من مكانه، مفيش ثواني لحد ما سمعت صوت خطوات ورايا.
لفّيت ببطء، لقيت نفس الشاب، باريستا الكافيه، واقف، مبتسم، وبيقول..
ـ غريبة أوي يا سلمى.. القدر لسه مخلصش لعبه معاكم، تفتكري دي النهاية؟
اللمبة الحمرا فوق غرفة العمليات انطفت فجأة.
#القلب_يعشق_مرتين
ـ الحلقة الثالثة
