ماسكين إيدين بعض كأنهم خايفين يسيبوا بعض ثانية.قربت منهم، وحضنتهم، وقلت
محدش هيقدر يفرقكم تاني.
عدت أيام صعبة.
رحاب كانت كل ما تسمع صوت عربية تقف تحت العمارة، تروح تجري للبلكونة وهي مرعوبة.
وكل ما جرس الباب يرن، قلبها يقع.
لكن مع كل يوم كان بيعدي، كانت بتبدأ تسترد جزء صغير من نفسها.
وبعد أيام، جالنا اتصال.
الجهات المختصة أخبرتنا إن الإجراءات القانونية ماشية، وإن الزوج اتخذت ضده الإجراءات اللازمة بناءً على البلاغ والأدلة المقدمة.
أول ما قفلت المكالمة، لقيت رحاب قاعدة تبكي.
المرة دي ماكانش عياط خوف...
كان عياط ارتياح.
بعدها بأيام قليلة، بدأت القصة تنتشر على فيسبوك.
حد نشر خبر القضية، وبعدها انتشر الفيديو بين الناس بسرعة.
التعليقات كانت كلها دعوات للبنتين، وكلمات دعم لرحاب، والناس كانت بتدعي إن ربنا يعوضهم عن اللي شافوه.
صفحات كتير اتكلمت عن معاناة الأم وبنتيها، وناس كتير عرضوا المساعدة.
واحدة بعتت إنها هتجهز أوضة الأطفال.
واحد اتبرع بأجهزة كهربائية.
أسرة عرضت أثاث مستعمل بحالة ممتازة.
وجمعية خيرية تواصلت مع رحاب، ووعدتها إنها تساعدها لحد ما تقف على رجليها.
لكن أكتر مكالمة أثرت فيها، كانت من رقم ما تعرفوش.
ردت بتردد.
وبعد ثواني، لقيت ملامح وشها بتتغير.
سمعتها بتقول
بجد؟
وسكتت شوية.
وبعدين دموعها نزلت من جديد.
قفلت المكالمة، وبصتلي وهي مبتسمة لأول مرة من سنين.
وقالت
ده مدير الشركة اللي كنت بشتغل فيها قبل الجواز.
سألتها
وقالك إيه؟
ردت وهي مش مصدقة نفسها
قالي... مكانك لسه محفوظ، ولو حابة ترجعي، هنكون سعداء برجوعك.
في اللحظة دي، ياسمين جريت حضنت أمها.
ومريم مسكت طرف هدومها وهي بتضحك.
أما أنا...
فاكتفيت إني أحمد ربنا.
لأن الست اللي دخلت بيتي أول مرة وهي مكسورة، وعينيها كلها خوف، بقت تخرج من البيت من غير ما تبص وراها كل شوية، وترجع آخر النهار وهي بتحكيلي حصل معاها إيه في الشغل.
عدت الشهور.
القضية خدت وقت، لكن في الآخر المحكمة حكمتلها بالطلاق، والبنتين فضلوا في حضن أمهم، وهو اتحاسب على اللي عمله، وساعتها لأول مرة حسيت إن الحق، حتى لو بيتأخر، عمره ما بيضيع.
رحاب رجعت لشغلها، وكل يوم كانت تخرج الصبح وهي شايلة شنطة اللاب توب، وماسكة إيد مريم، وياسمين ماشية جنبها تحكيلها عن اللي حصل في المدرسة، ولما يرجعوا بالليل كانوا يعدوا عليا الأول، كأن بيتي بقى محطة لازم يقفوا فيها قبل ما يطلعوا شقتهم.
ياسمين رجعت تضحك من قلبها بعد ما كانت بتخاف حتى تعلي صوتها.
ومريم بطلت تفزع من النوم كل ما تسمع صوت عالي، وبقت تنام وهي حضنة لعبتها لحد الصبح.
أما أنا...
فالأوضة اللي كانت مقفولة من يوم ما مات جوزي، مبقتش تتقفل تاني.
نفضت التراب اللي كان ماليها، وفتحت الشباك اللي ما اتفتحش بقاله سنين، ودخلت الشمس تنورها من جديد.
حطيت فيها سريرين صغيرين، ودولاب أبيض، وستارة عليها ورد أصفر، وفرشت على الأرض سجادة ملونة، وحطيت فوق الكومود علبة ألوان وقصص أطفال.
ومن يومها، كل ما ييجوا يباتوا عندي، كانوا يدخلوا الأوضة وهم بيجروا، وكل واحدة فيهم بقت عارفة مكان هدومها ولعبها، لدرجة إن مريم بقت تقول لأي حد يسألها
دي أوضتي عند ديدا.
وكل مرة أسمعها تقول الجملة دي، كنت أبتسم من غير ما أحس.
عدت سنة كاملة.
ولو حد قالي يومها إن البيت اللي كان ساكت بقاله خمس سنين هيبقى مليان ضحك تاني، كنت هقول عليه بيحلم.
وفي يوم، وأنا بعمل شاي بعد العصر، سمعت خبطة على الباب.
نفس الخبطة...
اللي غيرت حياتي من سنة.
فتحت.
لقيت ياسمين ومريم واقفين، لكن المرة دي ماكانش في إيدهم طبق صاج فاضي.
كانت ياسمين شايلة صينية بسكويت سخنة، ولسه ريحتها طالعة.
أول ما دخلوا، مريم قالت وهي بتضحك
المرة دي إحنا مش جايين نستلف معلقة دقيق.
وياسمين حطت الصينية على الترابيزة، وقالت وهي مبتسمة
إحنا اللي عملناه بإيدينا.
بصيت للصينية. ..
وافتكرت طبق الصاج الصغير اللي وقفت بيه ياسمين على بابي أول مرة، وهي طالبة معلقة دقيق.
يومها افتكرت إني اديت بنت صغيرة شوية دقيق...
لكن الحقيقة...
إن ربنا كان باعتلي مع المعلقة دي...
عيلة كاملة.
