حبست مراتى فى البلكونة الفصل الثالث
هروح أشهد بكل حاجة. اللي عملته ميرفت، واللي عملته فايزة، واللي عملته أنا. نور بصتله بسكوتماما محتاجة العملية.تمنها اتدفع خلاص رد شريف بسرعة كلمت المستشفى في طنطا وحجزنا كل حاجة. ومش بعمل كده عشان أشتري رضاكي أو سماحك، بعمل كده لأن ده اللي كان المفروض يتعمل من الأول... إني أكون ضهرك وسندك.نور غطت بقها بإيدها وبكت من غير صوت. شريف هو كمان بكى.مفيش مشهد تصالح من بتوع المسلسلات حصل.كانوا مجرد اتنين مكسورين، قاعدين في أوضة بيضا، عارفين ومدركين إن فيه جروح مبتلمش بكلمة آسف.الأيام اللي بعد كده كانت عبارة عن تحقيقات، وجلسات، ومستشفى، وسكوت تقيل. ميرفت اتأحالت للمحاكمة بتهمة الشروع في القتل والتسميم. محاميها حاول يتكلم عن الوجع، والصدمة، وفقدان أخوها، بس القاضي كان حاسم الوجع ميديهاش الحق تخرب حياة غيرها. حكم عليها بالسجن المشدد.فايزة متسجنتش، بس خسرت حاجة بالنسبة لها كانت أوحش من السجن خسرت مكانتها وأخوها وللأبد.قبل ما ترجع طنطا، راحت المستشفى. وقفت عند باب الأوضة ومجرتش تدخلنور قالت بصوت مكسور مش طالبه منك تسامحيني. أنا بس عايزة أقولك إني قرفانة من نفسي وندمانة.نور بصت لها من على السرير،وفضلت ساكتة كام ثانية، بعدها ردتالندم مش هيرجعلي الليلة اللي قضيتها وأنا فاكرة إن جوزي بيكرهني وشايفني خاينة.فايزة حطت إيدها على صدرها بوجععارفاة.خلاص، عيشي بالوجع ده قالت نور وأنا هحاول أعيش باللي حصلي.فايزة مشيت وهي بتعيط. شريف وصلها لحد موقف الأتوبيس. مكنش فيه عتاب ولا لما ميبقوش عارفين هل هما بيودعوا بعض لكام شهر، ولا العمر كله؟خلي بالك منها يا شريف قالت فايزة وهي بتركب.شريف ضغط على سنانهده اللي كان المفروض أعمله من الأول.لما نور رجعت الشقة، كل حاجة كانت زي ما هي السفرة، الكوبايات، قوارير الزرع، الستائر. بس بالنسبة لها، مكانيش حاجة زي الأول. البلكونة كانت لسه واقفة مكانها، ساقعة، ساكتة، وذكرى الليلة دي لازقة في الإزاز.في يوم الظهر، وقفت قدام باب البلكونة بتطالعها. شريف كان مراقبها من المطبخ.أنا مش قادرة أعيش هنا قالت من غير ما تلتفت له كل ما ببص للبلكونة دي، برجع أسمع صوت الترباس وهو بيقفل عليا.شريف حط الكوباية اللي في إيدها وقالهنمشي.مش لازم تعمل كده عشان حاسس بالذنب.مش عشان الذنب قالها عشان البيت ده مبقاش أمان ليكي.عزلوا ونقلوا لبيت صغير في حي المعادي، قريب من شارع هادي ريحته الصبح بتبقى قهوة وعيش طازة وريحة الشجر المبلول بعد المطر. نور أخدت زرعها معاها، وشريف أخد حاجات قليلة جداً، والباقي كله باعوه أو تبرعوا بيه.ولشهور طويلة، عاشوا بالراحة وخطوة خطوة.كان فيه أيام حلوة فطار هادي، تمشية في الهدوء، ومكالمات مع طنط آمال بعد ما عملت العملية ونجحت والحمد لله.وكان فيه أيام وحشة نور تقعد ساكتة بالساعات مش بتتكلم، وشريف يصحي الفجر مفزوع يطمن عليها ويشوفها لسه جنبه ولا لاء، كأنه راجل محكوم عليه يعيش يفتكر غلطته طول العمر.وفي ليلة مطر، نور عملت شاي بمرمية، وقعدوا فيالبلكونة الصغيرة الجديدة. ومحدش فيهم اتكلم لوقت طويل.شريف قالت أخيرًا أنا مش عارفة لو كان هيجي يوم وأسامحك زي الأول ولا لاء.هز راسهفاهم ومقدر ده.بس في نفس الوقت، مش عايزة أعيش عمري كله وأنا بكرهك.شريف حس بغصة ونغزة في حلقه. ونور بصت للمطر وهو بينزل على الزرعاللي حصل ده علمني حاجة مرعبة.. إن الست ممكن تنام جنب جوزها في نفس السرير، وتكون لوحدها تماماً.غمض عينيه بألممش عايزك تحسي إنك لوحدك معايا تاني أبداً.دي حاجة مش بتتأصل بالوعود يا شريف قالت له دي حاجة بتثبتها الأيام والأفعال.من وقتها، شريف اتعلم يسأل قبل ما يتخيل أو يشك. اتعلم يسمع الإجابة كاملة قبل ما يدافع عن كبريائه ورجولته. اتعلم إن الأهل مش دايماً بيحموا؛ ساعات بيقتحموا، ويحشروا نفسهم، ويشكوا، ويخربوا البيوت باسم الحب.واتعلم كمان إن سكوت الست مش دايماً دليل إدانة أو كدب.ساعات بيبقى قلة حيل وتعب.ساعات بيبقى خوف.وساعات بيبقى طريقة انتحار بطيئة عشان متقلقش حد عليها وهي بتتفرفط من الجوه.نور مرجعتش زي الأول، بس مستسلمتش. رجعت كملت كورس الحلويات بتاعها، وبقت تزور أمها كل أسبوعين. وبدأت تبتسم تاني، مش بنفس البراءة بتاعت زمان اللي فاكرة إن الحب كفاية، بس بقوة الست اللي مرت بالخيانة والوجع ووقفت على رجليها تاني.بعد سنة، شريف استلم جواب من فايزة مكتوب بخط إيدهامش بطلب نرجع نتكلم. أنا بس عايزاك تعرف إني كل يوم جمعة بولع شمعة وبدعي لنور. هي علمتني متأخر إن حبك لشخص مش معناه إنك تملك حياته أو تقرر مكانه. لو جه يوم وقبلت تشوفني، هاجي. لو رفضت، هفهم وأحترم ده.شريف ورى الجواب لنور. قرأته بهدوء، وطبقته وشالته في الدرجلسه مش دلوقتي.شريف مألحش عليها.وده كان درس تاني اتعلمه السماح ملوش جدول مواعيد.مش بيتفرض.مش بيتسرع.ومشبنستخدمه عشان نريح بيه ضمير الشخص اللي أذى.هو بيجي لوحده، ولو مجاش... بنحترمه.آخر مرة شريف عدى فيها من قدام شقتهم القديمة، وقف الناحية التانية من الشارع وبص للدور التالت. البلكونة كان محطوط فيها ستائر جديدة وزرع تاني خالص. فيه عيلة تانية عايشة هناك دلوقتي، جايز بيضحكوا، بيتعشوا، أو بيتخانقوا على حاجات تافهة، ومن غير ما يعرفوا إن في المكان ده فيه ست حست إن الدنيا كلها بتطردها براها.شريف نزل عينه في الأرض.نور كانت مستنياه في العربية.أنت كويس؟ سألته لما ركب.مسك الدريكسيون وبص لهاآه، كنت بفتكر بس قد إيه البيت بيبقى هش وضعيف لما نملاه بالشك والظنون.نور من طقتش بكلمة، بس حطت إيدها فوق إيده.مكانش سماح كامل... بس كان حاجة أصدق بكتير.كان قرار إنهم يكملوا طريقهم مع بعض، ومن غير ما ينكروا الجرح اللي معلم فيهم.لأن فيه قصص مش بتنتهي بنهاية مثالية وسعيدة زي الأفلام. بتنتهي بحقيقة صعبة إن الحب ممكن يغلط، وإن الأهل ممكن يوجعوا ويخربوا، وإن الثقة ممكن تتدمر في ليلة واحدة... وتأخد سنين عشان ترجع تعيش تاني.وعشان كده، لو فيه حد في البيت ساكت زيادة عن اللزوم، اسألوه بحنية.ولو حد بيحوش أو بيحول فلوس من وراكم، اعرفوا حكايته الأول قبل ما تتهموه.ولو أخت، أو أم، أو أي حد من الأهل جه يبخ سم ويشكككم في شريكحياتكم، افتكروا إن البيوت مش بتتفتح ولا بتتفهم بإهانة الشخص اللي نايم جنبكم على نفس المخدة.شريف كان هيخسر مراته بسبب باب قفله في وشها.وميرفت خسرت إنسانيتها عشان انتقام لغى عقلها.وفايزة خسرت أخوها عشان فاكرة إن الحب سيطرة وتملك.ونور... الست الوحيدة اللي حاولت تنقذ الكل في صمت، هي اللي شالت الوجع الأكبر في الآخر.ساعات المصيبة متبدأش بضربة أو خناقة.بتبدأ بظن وشك.بكلمة مسمومة على السفرة.بسؤال خايفين نسأله.ولما الحقيقة بتبان في الآخر، ساعات مابتكونش كافية عشان ترجع اللي انكسر.
تعليقات