أخويا استنى لحد ما دفنّا أمي حكايات صابرين محمد الفصل الثانى

 

ببطء.
أما أنا...
فحسيت إن ربنا هو اللي أنطقه، لأن محدش فينا جاب سيرة أصلًا إن أصل الورقة ضاع أو اتحرق.
ابتلع ريقه بسرعة وقال
قصدي... الورق القديم كله... كنت فاكره اتعدم.
لكن الكلمة الأولى كانت خرجت.
والكلمة لما تخرج...
مبتعرفش ترجع تستخبى.
أستاذة سحر ما علقتش.
بالعكس...
مدت إيدها للظرف البني اللي كان جنبها، وقالت
الظرف ده لقيناه وسط الأوراق المهمة اللي والدتكم كانت محتفظة بيها، ومكتوب عليه بخط إيدها يُفتح فقط إذا حصل خلاف بين أولادي بعد وفاتي.
حسيت قلبي بيتقبض.
حتى أمي...
كانت خايفة من اليوم ده.
فتحت الظرف بحرص، وطلعت ورقة مطوية.
أول ما شفت خطها...
حسيت وجع الدنيا كلها رجع مرة واحدة.
ابتدت أستاذة سحر تقرا
يا ولادي...
لو الرسالة دي اتفتحت، يبقى حصل خلاف بينكم بعد وفاتي، وعشان كده لازم الحقيقة كلها تظهر.
سكتت لحظة...
وبعدين كملت
يا منى... لو وصلتي للرسالة دي، اعرفي إن أصل الإقرار وباقي الأوراق المهمة مش موجودين هنا، أنا وأبوكي حطيناهم في مكان محدش يعرفه، علشان ميضيعش حق حد، ولا يقدر حد يغير الحقيقة بعد ما نمشي.
الرسالة كانت قصيرة.
لكن كل كلمة فيها كانت بتنزل على قلبي كأنها جبل.
وفي آخرها...
كان مكتوب بخط أمي المرتعش
المفتاح مع الرسالة... وهو مفتاح الدرج السفلي في مكتب أبوكي.
رفعت أستاذة سحر الورقة.
وفعلًا...
كان فيه مفتاح

صغير متثبت بدبوس في طرف الظرف.
أحمد اتغير لونه.
وقال بسرعة، لأول مرة وكأنه مش عايز الحقيقة تكمل طريقها
خلاص... الكلام ده ملوش لازمة.
ابتسمت أستاذة سحر ابتسامة هادية وقالت
بالعكس... إحنا لسه في أول الطريق.
مسكت المفتاح، وقامت من مكانها.
وقالت
هنروح البيت.
أحمد رجع خطوة لورا، وقال بعصبية حاول يخبيها
ليه؟ مالوش لازمة نروح.
وفي اللحظة دي...
اتأكدت إن اللي مستخبي جوه البيت...
أهم عنده من البيت نفسه.
ركبنا عربيتين، ولا حد فينا كان بيتكلم، كأن كل واحد سايب أفكاره تاكله من جواه، وأنا طول الطريق كنت ببص من الشباك، نفس الشوارع اللي كنت بعدي منها كل يوم وأنا راجعة من المستشفى شايلة أكياس العلاج، ونفس الإشارات اللي وقفت عندها مئات المرات وأنا خايفة ألحق أمي قبل معاد الدوا، لكن النهارده الطريق كان مختلف، لأن المرة دي ماكنتش راجعة علشان أغير ضمادة ولا أجهز حقنة، كنت راجعة أدور على الحقيقة اللي أمي وأبويا فضلوا شايلينها سنين كاملة من غير ما ينطقوا بيها.
أول ما وقفنا قدام البيت، أحمد فضل واقف عند الباب ومتحركش، وبص للمفتاح اللي في إيد أستاذة سحر وقال وهو بيحاول يبان هادي
أنا شايف إن الموضوع كبر على الفاضي... خلوا الورق زي ما هو.
أستاذة سحر بصتله وقالت
من شوية كنت مستعجل على المفاتيح... دلوقتي بقيت مستعجل إننا منفتحش البيت؟
ماعرفش يرد.
نزل بعينه في الأرض، ووشه بقى شاحب أكتر، وساعتها حسيت إن كل خطوة بنمشيها ناحية البيت كانت بتاخد منه حتة من الثقة اللي داخل بيها.
فتحت الباب، وأول ما دخلت، ريحة أمي استقبلتني، نفس ريحة المسك اللي كانت بتحطه بعد كل صلاة، ونفس الكرسي اللي كانت بتقعد عليه جنب الشباك، ونفس العصاية بتاعة أبويا متسندة جنب الحيطة، كأن الزمن وقف يوم ما خرجنا ندفنها ولسه مستنينا نرجع.
وقفت لحظة، وحطيت إيدي على الحيطة، وغمضت عيني، لكن أستاذة سحر قطعت الصمت وقالت
فين مكتب والدك؟
أشرتلها على الأوضة.
دخلنا كلنا، وأحمد فضل واقف عند الباب، لا هو داخل ولا هو خارج، كأنه خايف يقرب من حاجة هو عارفها أكتر مننا كلنا.
كان مكتب أبويا الخشب لسه في مكانه، والأوراق مرصوصة بنفس النظام اللي كان بيحبه، حتى نظارته كانت فوق المكتب، كأنه خرج يرجع بعد شوية.
بصت أستاذة سحر للمفتاح الصغير، وبعدين للدروج، وجربته في أول درج... ما فتحش.
وجربته في التاني... برضه لا.
أما لما دخلته في الدرج السفلي، سمعنا صوت تك خفيف، والدرج اتحرك ببطء.
في اللحظة دي حسيت أحمد خد نفس طويل من غير ما يحس، وكأنه كان بيدعي من جواه إن الدرج يطلع فاضي.
لكن أول ما اتفتح...
ظهر ظرف أبيض كبير.
وتحته ملف أحمر.
وتحتهم حافظة شفافة.
أستاذة سحر طلعت الحافظة الأول، وفتحتها.
كان جواها...
أصل الإقرار.
نفس الإقرار اللي كان معانا صورة منه.
بنفس توقيع أحمد.
وبنفس التاريخ.
وبنفس البصمة اللي كان أبويا حاططها كشاهد على استلامه المبلغ.
بعدها طلعت كشف التحويل البنكي الأصلي، مختوم من البنك، وفيه رقم العملية وتاريخها، وكل حاجة تثبت إن الفلوس خرجت من حساب أبويا، ودخلت حساب أحمد في نفس اليوم.
مرات أحمد بصتله باستغراب وقالت
إنت قلتلي إن الفلوس دي كانت سلفة بسيطة!
أحمد مردش.
ولا حتى رفع عينه فيها.
أستاذة سحر حطت الورقتين على المكتب، ومسكت الملف الأحمر، وكان واضح إنه متفتحش من سنين، لأن أطرافه كانت مصفرة، ولسه عليه شريط لاصق قديم بخط أبويا مكتوب عليه
لا يُفتح إلا إذا وقع خلاف على البيت.
قلبي دق بعنف.
وأنا اللي كنت فاكرة إن المفاجآت خلصت.
فتحت الملف بهدوء، وسحبت أول ورقة.
ولثواني...
ولا واحد فينا نطق.
كانت مسودة عقد هبة ابتدائي للبيت بالكامل باسم أحمد.
اسم أبويا مكتوب.
واسم أمي مكتوب.
واسم أحمد مكتوب كمستفيد.
لكن الورقة ماكانتش مكتملة.
مكان توقيع أبويا فاضي.
ومكان توقيع أمي فاضي.
وفي الهامش، بخط أبويا اللي حافظاه من وأنا طفلة، جملة قصيرة كسرت قلبي قبل ما تكسر أحمد
رفضت التوقيع بعدما عرفت إن ابني بيستغل مرض أمه علشان يخرج البيت من التركة ويحرم أخته من حقها.
حسيت الدنيا لفت بيا.
بصيت ناحية أحمد.
كان وشه أصفر.
ولأول مرة من يوم ما عرفته...
ماعرفش يدافع عن نفسه.
أستاذة سحر قلبت الصفحة اللي بعدها.
كانت نسخة مصورة من نفس العقد.
لكن النسخة دي

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات