قلبت عينيها عفاف، خليكي في شغلك، ده مش تخصصك.عفاف فضلت هادية ممكن مش تخصصي، بس إني أشوف أب تعبان شايل بنته والناس مش عايزة تساعده، ده يخصني جداً.بكل قرف، صافي فتحت صفحة تانية وكتبت كام أمر.بعد أربع ثواني.. كل الثقة اختفت من وشها.لقيته، همست بصوت واطي.جناح 904.حجز شركات إداري.متأكد من أسبوعين.ساد صمت تقيل في اللوبي. الموظفين فجأة استوعبوا إنهم طردوا واحد من أهم ضيوف الفندق لمجرد شكله. بس اللي ما كانوش عارفينه.. إن عاصم عز الدين ما كانش مجرد ضيف مهم، ده كان المؤسس.. المالك.. والراجل اللي اسمه محفور على كل عقد، وكل شيك مرتب، وكل طوبة اتبنى بيها الفندق اللي هماواقفين جواه.كانت صافي بتبلع ريقها بصعوبة، وشها فقد كل ألوانه واتحول للون أقرب للورق، وإيديها اللي كانت من لحظات بتشاور لعاصم ناحية الباب، بدأت ترتعش بشكل ملحوظ فوق لوحة المفاتيح. نادية وقفت متجمدة، عينيها بتتحرك بين شاشة الكمبيوتر وبين ملامح عاصم اللي كانت لسه هادية، بس نظرة عينيه كانت اتغيرت لحاجة تانية خالص.. نظرة الشخص اللي بيشوف الحقيقة بوضوح تام.عاصم ما نطقش ولا كلمة. فضل واقف مكانه، ساند ليلى اللي اتنهدت في نومها وغيرت وضعية راسها على كتفه، وكأنها بتقوله إنها مأمنة له تماماً، مهما كان العالم اللي حواليهم قاسې. الهدوء اللي خيّم على اللوبي كان مرعب؛ صوت تكّة ساعةالحائط، صوت أنفاس ليلى المنتظمة، وحتى صوت تكييف الفندق القوي بقوا مسموعين بوضوح.عفواً.. يا فندم.. بدأت صافي تتأتأ، إحنا.. إحنا ما كناش نعرف.. يعني.. السيستم.. كان فيه عطل تقني.. إحنا نعتذر جداً عن سوء التفاهم ده..عاصم بص لها، وابتسامة باهتة ومؤلمة اترسمت على وشه. سوء التفاهم، يا آنسة صافي، مش في السيستم. السيستم دايماً بيقول الحقيقة لو دورتي في المكان الصح. سوء التفاهم الحقيقي هو في الطريقة اللي اخترتي بيها تتعاملي مع ضيف واقف قدامك، سواء كان مالك الفندق أو أب بسيط بيدور على مكان يريح فيه بنته. الكرسي اللي أنتي قاعدة عليه ده اتصمم عشان يخدم الضيوف، مش عشان يقيّم قيمتهممن هدومهم.فياللي شافت إنسان قبل ما تشوف زبون. وده اللي أنا محتاجه في كل موظف بيشتغل في جراند ريجنت.طلع عاصم في الأسانسير الزجاجي، وعفاف معاه.طول الطريق، ما كانش فيه أي كلام، بس كان فيه نظرات تقدير متبادلة. لما وصلوا للجناح 904، جناح رئاسي بيطل على النيل، حط عاصم بنته بالراحة على السرير الضخم، وغطاها ببطانية ناعمة. قعد جنبها، وطلع الأرنوب القماش اللي كان في شنطته وحطه في حضنها، وباس جبينها.خرج للصالة الكبيرة، لقى عفاف لسه واقفة مستنية بتهذيب. عفاف، أنا مش بس شاكر ليكي موقفك، أنا عايز أعرف أكتر عن شغلك هنا.فضلت عفاف تتكلم عن طموحها، وعن إنها بتشتغل عشان تكمل تعليمها، وعن تعبها في الفندق اللي بيتعاملوا فيه مع عمال النظافة كأنهم أشباح. عاصم سمع لها بكل جوارحه. هو كان عارف إن الفندق كان بيكسب دهب، بس الروح اللي كانت في المكان بدأت تبهت بسبب إدارة بتدور على الأرقام وبس.في الوقت ده، كان تحت في اللوبي، المشهد كان كارثي. المدير سمير استدعى صافي ونادية للمكتب. إنتوا مش بس أهنتوا ضيف،إنتوا أهنتوا مالك المكان. عارفين يعني إيه عاصم عز الدين؟ الراجل اللي كان بيشرف بنفسه على اختيار خامات المفروشات دي! الراجل اللي بيعرف كل موظف باسمه لو اهتم يسأل! طردكم مش كفاية، أنا هعمل اللي في وسعي عشان ما تلاقوش شغل في فندق تاني في مصر كلها!تاني يوم الصبح، ليلى صحيت وهي بتفرك عينيها، شافت باباها واقف في بلكونة الجناح، بيبص على النيل، والورد اللي كان دبلان كان محطوط في فازة كريستال، مرشوش عليه مية طازجة، وشكله رجع ينور تاني.بابا؟ نادت ليلى بصوت واطي.لف عاصم وابتسم، ابتسامة حقيقية المرة دي، خالية من ۏجع السنين اللي فاتت. صباح الخير يا ليلى. النهاردة يوم جديد خالص.عاصم ما اكتفاش بطرد الموظفين، ده أصدر قرار إداري فوري بتغيير سياسة التدريب في الفندق. أسس صندوق ليلى للتميز الإنساني، صندوق بيقدم مكافآت للموظفين اللي بيظهروا تعاطفوإنسانيةمع الضيوف، بغض النظر عن رتبتهم. وعفاف؟ عفاف بقت مديرة قسم العلاقات العامة، لأنها أثبتت إن اللي بيعرف يتعامل بقلبه هو الوحيد اللي يقدر يدير قلوب الناس.عاصم عز الدين، الأرمل اللي كان داخل الفندق بقلب مكسور وشنطة قديمة، خرج منه وهو أقوى. اكتشف إن جراند ريجنت مش بس حجارة ورخام، ده بيت المفروض يلم الناس، مش يطردهم.ومع كل سنة بتمر، في ذكرى ۏفاة سارة، كان عاصم بيحجز نفس الجناح، وبياخد ليلى، وبياخد عفاف معاهم في العشا، ويحكوا لليلى عن مامتها، وعن اليوم اللي اتعلموا فيه إن الكرامة مش في الفلوس اللي في جيبك، ولا في اللبس اللي لابسه، الكرامة في الطريقة اللي بتشوف بيها الناس، والطريقة اللي بتخلي بيها غيرك يحس بوجوده.نهاية القصة ما كانتش بس برجوع حق عاصم، كانت بداية لروح جديدة دبت في الفندق، روح بتفكر كل اللي بيدخله إنت هنا غالي.. مش عشان اللي تملكه،لكن لأنك إنسان.
