زهره الربيع موت امى الفصل الثانى


 في اليوم الخامس، قعدت مع نفسي وقللت انهارده هكلمه يطلقني، يضربني، يعمل اللي يعمله، أنا هقوم ألبس وأروح لأمي، ."

​وقفت قدام المراية بأيد بترتعش، لسه بمسك الطرحة عشان ألبسها.. تليفوني رن.
كان محمد أخويا.
فتحت الخط بلهفة وقلت: "محمد، أنا لابسة وجاية في الطريق اهو والله..."
بس صوته الناحية الثانية ما كانش صوت عتاب.. كان صوت مكتوم، مكسور، طالع من بئر حزن مالوش قاع:
— "تعالي يا حنان... أمك ماتت."
​السماعة وقعت من إيدي، وحسيت الدنيا بتلف بيا والحيطان بتميل.
جنازتي كانت قبل جنازتها. جريت في الشارع زي المجنونة،، دموعي عميانه وصرختي كاتماها في صدري. وصلت.. بس كان الفأس وقعت في الرأس. أمي كانت اتدثرت بالغطاء الأبيض، وشها كان ساكن ومبتسم ابتسامة باهتة، راحت للرؤوف الرحيم وهي بتسأل عني.. راحت وأنا ما بلتش ريقها بكلمة، ولا بصلة، ولا حضنتها الحضن الأخير.
​في اللحظة دي، أتولد في قلبي غضب أسود من راضي. غضب دمر كل مشاعر الحلوة اللي كانت بيننا. كنت حاسة إن هو السبب، قسوته وجموده هم اللي حرموني من أمي في أخر

أيامها، مش قادرة أغفر له، ولا قادرة أنسى إنه كان السد اللي اتسرقت وراه أغلى حاجة في حياتي. حتى سعاد أختي، لما شفتها في الصوان، ما قدرتش أبص في وشها، كنت شايفاها شريكة في القتل، خذلت أمها وخذلتني.
​مرت أيام العزا وأنا عبارة عن جثة ماشية على الأرض، مفيش في عيني غير الدموع، وفي قلبي جمر بيتأكل.
وف أخر يوم في العزا، بعد ما الناس مشيت، دخل راضي الصالة. كان باين عليه الخجل والتردد، وشكل وشه مكسور لأن عارف إنها ماتت وأنا مجبورة أقعد في بيته بسبب الخصام.
قرب مني بصوت واطي ومتردد وقال:
— "البقاء لله يا حنان.. دي أعمار، وده أجلها ومحدش يقدر يغير قدر ربنا."
​ما رديتش عليه ولا رفعت عيني فيه. أخدت بنتي في حضني وفضلت أنيم فيها بقهر ودموعي بتنزل.
​راضي حس بالفجوه اللي بنا وبالقهر اللي في عيوني، وكان لسه بيلف ضهره عشان يخرج ويسيبني لحد ما أهدى، بس فجأة وقفه صوت محمد أخويا وهو يناديه بنبرة جادة وتقيلة:
— "استنى يا راضي.. متقفلش الباب."
​راضي اتلفت، وكان في الشقة كلنا موجودين: أنا، وسعاد أختي وجوزها، ومحمد ومراته ناهد.
محمد قرب مننا، ومسك حاجة في إيده وقال بصوت ثابت :
— "بما إن كلنا موجودين هنا، وأمي الله يرحمها خلاص راحت للي خلقها.. فالازم تعرفوا إن المرحومة ما سابتش أي حاجة وراها، ولا كان حيلتها قرش ولا دهب غير الحلق اللي كان في ودنها.. بس وهي بتطلع في الروح، سابت كيس بلاستيك أسود ومربوط جامد. قالتلي: ده لراضي جوز حنان، وحلفتني بأغلى ما عندي مفيش مخلوق يفتحه ولا يعرف اللي جواه غيره هو.. اتفضل يا راضي، أمانة أمي ليك."
​راضي استغرب، وعينيه اتوسعت بذهول. وقال...ليا انا متأكد!!!!
محمد هز راسه بموافقه 
وراضي أخد الكيس البلاستيك المقفول من إيد محمد.
الكل كان ساكت وبيراقب.
​مسك راضي الكيس، وفك العقدة بتاعته بالبطيء، وفتح الكيس وبص جواه...
​في لحظة واحدة، وش راضي اتخطف، ألوانه كلها طارت، وعينيه أتسعت بذهول وصدمة زلزلت كيانه. الكيس ما كانش فيه فلوس، ولا دهب، ولا حتى جواب أو ورقة مكتوبة منها!
بس اللي شافوه عينيه جوه الكيس البلاستيك ده... خلى راضي انفجر في بكاء هستيري وندم يعصر القلب، ندم هيعيش يفتكره وياكله أكل طول ما فيه نفس بيطلع وينزل!
مسك راضي الكيس، وفك العقدة بتاعته بالبطيء، وفتح الكيس وبص جواه...
​في لحظة واحدة، وش راضي اتخطف،، وعينيه أتسعت بذهول وصدمة زلزلت كيانه. الكيس ما كانش فيه فلوس ولا كنوز، كان فيه ثلاث حاجات بس... ثلاث حاجات ينزلوا الدمع من العين.
​جوه الكيس، كان فيه الحلق الذهب القديم بتاع أمي، الحلق الوحيد اللي حيلتها من الدنيا ومفرطتش فيه في أشد أوقاتها.
وجنبه صورة قديمة متطبقة ومكسورة أطرافها... صورتي أنا وراضي من يوم فرحنا، كان وشنا فيها بيضحك والدنيا مش سايعانا، وأمي واقفة جنبنا بتدعيلنا من قلبها.
وتحت الصورة، ورقة كراسة مسطرة صغيرة، مكتوب فيها بضع كلمات بخط متكسر وضعيف جداً، خط يشبه خط طفل صغير لسه بيتعلم يمسك القلم، خط إيد بتترعش وهي بتودع الدنيا:
​"ده كل اللي حيلتي يا راضي.. الحلق وحنان وأنت، التلاتة ليك .. شكراً إنك الراجل الوحيد اللي مكنش بيمنع بنتي عني."
​راضي وقف مبرق للورقة، الكلام كان ينزل على قلبه زي المية المغلية، الشقة كلها بقت في حالة صمت قاتل، مفيش غير صوت أنفاسه اللي بقت تعلى وتضيق.
ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات