رواية عشق على خط النار الفصل الثالث 3 - بقلم بسنت محمد
اندفعت السيارة المدرعة الخاصة بالرائد مراد كالسهم من الفناء الخلفي لمقر المباحث، مخلفة وراءها سحابة كثيفة من الغبار والدخان. كان مراد يقود بيد واحدة بثبات ويقظة تامة، بينما يمسك باليد الأخرى جهاز اللاسلكي ليصدر أوامر حاسمة وفورية للقوات المنتشرة في المحيط لإغلاق المداخل والمخارج ومحاصرة المهاجمين. أما ليلى، فقد ارتمت في المقعد المجاور له وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، وتضع يدها على قلبها الذي كان يدق بسرعة جنونية. نظرت من النافذة الخلفية لتتأكد أنهم ابتعدوا عن ساحة الانفجار، ثم التفتت إلى مراد وقالت وهي تحاول استعادة نبرتها الكوميدية المعتادة: “يا فندم، أنا بقترح إننا نغير خط السير ونطلع على أقرب محل كشري. الرعب ده بيجوع جداً صراحة، وأنا ضحيت بكوباية المقرمشات بتاعتي في الشقة ومحتاجة تعويض نفسي ومعنوي فوراً!”.
رمقها مراد بنظرة سريعة وحادة وهو يضغط على دواسة الوقود ليزيد من سرعة السيارة الجنونية على الطريق الدولي السريع. “كشري؟ نحن نجونا من الموت منذ دقيقتين فقط وأنتِ تفكرين في الطعام؟ يبدو أن جهازكِ العصبي يحتاج إلى إعادة ضبط مصنع يا ليلى”، قالها بنبرته الصارمة الجادة التي لا تتغير مهما كانت الظروف.
“إعادة ضبط مصنع إيه بس يا سيادة الرائد! دا أنا لسه منقذة حياتك ومفتحة لك الباب المشفر بدبوس شعر! يعني المفروض دلوقتي نكون بنحتفل، وحضرتك تعزمني على حاجة تشربها كنوع من رد الجميل”، ردت ليلى وهي تعدل من وضعية جلستها وتنظر إليه بطرف عينها معجبة بملامحه الحادة والتركيز الشديد البادي على وجهه أثناء القيادة.
لم يكد مراد يجيبها حتى أطلق جهاز اللاسلكي صوتاً مشوشاً، وجاء صوت الضابط المساعد متقطعاً ومرعوباً: “يا فندم.. احذر! هناك سيارتان دافعتان رباعيتا الدفع سوداوان تلاحقانكم على الطريق الدولي. يبدو أنهم استطاعوا تتبع سيارتك عبر أجهزة الرصد اللاسلكي البديلة للعصابة.. إنهم يقتربون منكم بسرعة!”.
تصلبت ملامح مراد تماماً، ونظر في المرآة العاكسة ليرى بالفعل أضواء سيارتين ضخمتين تقتربان من الخلف بسرعة رهيبة. التفت إلى ليلى وقال بنبرة قاطعة: “اربطي حزام الأمان فوراً وانخفضي برأسكِ لأسفل المقعد! العرض الحقيقي سيبدأ الآن”.
“يا مامي! عرض إيه تاني؟ أنا ماليش في المسارح والله!”، صرخت ليلى وهي تسحب حزام الأمان بسرعة وتكاد تختبئ أسفل لوحة القيادة من شدة الخوف، بينما انحرف مراد بالسيارة فجأة وبقوة لتفادي زخة من الرصاص الكثيف الذي أطلقته السيارة الملاحقة لهما، ليخترق زجاج السيارة الخلفي والمقاوم للرصاص جزئياً.
بدأت مطاردة مرعبة على الطريق الدولي المظلم. كان مراد يتحكم في عجلة القيادة باحترافية مذهلة، يناور بين السيارات والشاحنات الكبيرة كأنه في سباق للموت، بينما كانت رصاصات العصابة تطير حولهما وتحدث أصواتاً مرعبة عند ارتطامها بجسم السيارة المدرع.
رغم ذعرها، لم تستطع ليلى كبت فضولها، فرفعت رأسها قليلاً وقالت بنبرة مرتعشة: “مراد.. هما بيجروا ورانا كدة ليه؟ هو أنا سرقت الورث بتاع باباهم؟ كل ده عشان دخلت على السيرفر بتاعهم؟ دول قليلين الذوق أوي صراحة!”.
“أنتِ لم تخترقي سيرفر عادياً يا ذكية”، قال مراد وهو يدور بعجلة القيادة بعنف ليتفادى سيارة العصابة التي حاولت صدمهم من الجانب: “الملفات التي قمتِ بتحميلها تحتوي على أسماء شبكة التهريب الدولية بالكامل، ومواعيد الشحنات القادمة. أنتِ الآن تصبحين الصندوق الأسود الذي يهدد بانهيار إمبراطوريتهم، ولن يهدأ لهم بال حتى يمحوكِ من الوجود”.
ابتلعت ليلى ريقها بصعوبة وقالت: “يمحوني؟ طب ما كنت تقول لي كدة من الأول يا سيادة الرائد! أنا ممكن أعملهم دليت وفورمات للملفات دي من عندي ونرجع حبايب وأقعد في بيتنا معززة مكرمة!”.
“الأمر ليس بهذه السهولة.. لقد دخلتِ خط النار بالفعل، وحمايتكِ الآن أصبحت مسؤوليتي وواجبي”، قال مراد وعيناه تلمعان بتحدٍ وإصرار غريبين. في تلك اللحظة، شعرت ليلى أن نبرته تحمل شيئاً أكثر من مجرد الواجب المهني؛ كان هناك حرص حقيقي على حياتها جعل قلبها ينبض بطريقة مختلفة تماماً عن نبضات الخوف.
فجأة، تقدمت إحدى سيارات العصابة وأصبحت موازية لسيارة مراد، وفتح أحد الملثمين النافذة ووجه سلاحه مباشرة نحو زجاج ليلى. بلمح البصر وبدون تفكير، ترك مراد المقود لثانية واحدة، وسحب ليلى بعنف نحو أحضانه ليحميها بجسده، بينما أطلق بيد واحدة عدة رصاصات سريعة من مسدسه نحو إطارات سيارة المهاجمين.
انفجر إطار السيارة السوداء واختلت عجلة القيادة في يد سائقها، لتنحرف بقوة وتصطدم بالحاجز الخرساني للطريق وتشتعل فيها النيران، بينما استعاد مراد السيطرة على سيارته في اللحظة الأخيرة وسط صراخ ليلى المكتوم وهي متمسكة بقميصه بشدة.
أخذ مراد نفساً عميقاً، ونظر إلى ليلى التي كانت ما زالت متشبثة به وعيناها مغلقتان من الرعب. قال بصوت هادئ ومنخفض للغاية: “ليلى.. يمكنكِ الارتخاء الآن، السيارة الأولى انته أمرها”.
فتحت ليلى عينيها ببطء، لتجد نفسها قريبة جداً من وجهه، وتستنشق عطر رجولته القوي والممزوج برائحة البارود. ابتعدت قليلاً وهي تشعر بوجنتيها تشتعلان خجلاً، وقالت بصوت خافت وعفوي: “شكراً.. حضرتك بتطلع في الوقت المناسب دايماً زي أبطال الروايات بالظبط. بس على فكرة، حركتك دي كانت خطيرة وممكن نموت فيها!”.
ابتسم مراد ابتسامة خفيفة وصادقة ظهرت لأول مرة على شفتيه، مما أضفى على ملامحه الصارمة وسامة سحرت ليلى تماماً. “التدريب الجيد يجعل المستحيل ممكناً”، قالها وهو يعود للتركيز على الطريق، حيث كانت السيارة الثانية للعصابة ما زالت تلاحقهم لكن من مسافة أبعد قليلاً.
لمح مراد في نهاية الطريق مخرجاً فرعياً يؤدي إلى منطقة جبلية وعرة وغير مأهولة بالسكان، وكان يعلم أن الاستمرار على الطريق الدولي السريع سيجعلهم هدفاً سهلاً للإمدادات القادمة للعصابة. انحرف بالسيارة فجأة نحو المنعطف المظلم، لتدخل السيارة في وسط الجبال والدروب الضيقة.
“إحنا رايحين فين يا مراد؟ المكان هنا ضلمة ويخوف أوي”، سألت ليلى وهي تنظر حولها بقلق وتضم ذراعيها لجسدها.
“سنختبئ في موقع أمني سري قديم وسط هذه الجبال حتى الصباح”، أجاب مراد وهو يطفئ مصابيح السيارة تماماً ويعتمد على رؤيته الليلية وخبرته بالطرق الصحراوية ليضلل السيارة الملاحقة لهم: “هناك سنكون في أمان، وسأتمكن من وضع خطة لحمايتكِ وتأمين الملفات”.
توقفت السيارة أخيراً أمام مغارة جبلية مموهة ومجهزة قديماً كملجأ للطوارئ. ترجلا من السيارة بحذر وسط هدوء الليل القاتل وصوت الرياح التي تصطدم بالصخور. نظر مراد إلى ليلى التي كانت تبدو منهكة تماماً ومصابة بالبرد، فنزع سترته العسكرية الثقيلة ووضعها على كتفيها برفق ولين غير معهودين فيه.
نظرت إليه ليلى بامتنان كبير وابتسمت قائلة: “شكراً يا سيادة الرائد الصارم.. طلع عندك قلب أهو وبتعرف تحس بالناس”.
رد مراد وهو يسير أماماها ليفتح باب الملجأ: “لا تعتادي على هذا اللطف يا ليلى، فأنا ما زلت الضابط الذي سيحقق معكِ بمجرد انتهاء هذه الأزمة”.
ضحكت ليلى بخفة وتبعت خطواته إلى داخل الملجأ المظلم، وهي توقن في داخلها أن هذه الرحلة على خط النار لن تنتهي بمجرد تحقيق شرطي، بل هي بداية لقصة أكبر بكثير مما تتخيل.
تعليقات
