رواية جاريتي الفصل الأول 1 - بقلم سارة مجدي

 

كانت تقف أمامه خائفة حقاً، هي تهابه رغم أنه يعمل لدى والدها حارساً شخصياً منذ أكثر من عشر سنوات، لكنها لم تتعامل معه، كانت دائماً تتجنبه، هل لأنه ضخم جداً وملامحه خشنة وكلامه قليل؟ كيف أصبحت زوجته الآن، بل فُرضت عليه زوجة؟ كيف ستتعامل معه، كيف بعد ما سمعته يخبر أبيها أنها ليست على قدر المسؤولية؟ أي مسؤولية تلك التي يجب أن أتحملها؟ من الواضح أن حياتي القادمة معه سوف تكون مؤلمة ومرعبة.

في حديقة قصر كبير، كانت تجلس أرضاً فتاة رقيقة جميلة في عقدها الثاني، ذات بشرة خمرية جذابة وعيون عسلية لامعة، لديها طابع الحسن بذقنها وشامة أيضاً فوق شفتها من جهة اليسار، شعر عسلي كعينيها. كانت تمسك بيدها قلماً وورقة، متعمقة في رسم عينين تراهما يومياً في أحلامها، عينان قاسيتان لكن تنظر لها بحنان غريب. تظهر لها في أحلامها بصور مختلفة، وكل يوم ترسم تلك النظرة بشكل مختلف، وإذا رأيت الصور لن تتخيل أنهم جميعاً لنفس العينين.

أفاقت من استغراقها في الرسم على صوت فتح البوابة الكبيرة وعبور سيارة أبيها التي توقفت أمام الباب الكبير للقصر. ترجل السائق ليفتح الباب الخلفي ليترجل السيد راجي الكاشف ويتوجه مباشرة لداخل القصر، ويترجل من الباب المجاور للسائق الحارس الخاص لوالدها ويتبعه إلى الداخل أيضاً، بعد أن ألقى عليها نظرة خاطفة من خلف نظارته الشمسية. ذلك الوحش الكاسر الذي يتبع والدها في كل مكان كظله. قطبت بين حاجبيها وهي تحاول أن تنسى ذلك الكريه

الذي لا يلقي لها بالاً، هي ترى ذلك وكأنها هواء، وفي الحقيقة ذلك الأمر يريحها تماماً. في الحقيقة هي لا تحب التعامل مع أحد، ليس لديها أصدقاء، لا تذهب لجامعتها سوى في أوقات الامتحانات، هي تخشى الناس، تخشى تنمرهم عليها وعلى عرج قدميها، فهي لديها عيب خلقي في قدمها اليسرى أقصر من اليمنى ولذلك تعرج بشكل واضح.

"مهيرة... مهيرة." التفت مهيرة في اتجاه الصوت الذي يناديها وابتسمت بحب حقيقي للشخص الوحيد المقرب منها والتي لا تخشى قربها ولا تخجل منها. وقفت مهيرة على قدميها وتقدمت بخطوات بطيئة في اتجاهها وهي تقول: "نعم يا داده، أمري يا قمر." ابتسمت زينب في سعادة وهي تربت على كتف مهيرة قائلة: "ميأمرش عليكي ظالم، الغداء جاهز يا حبيبتي." وقفت مهيرة تنظر إليها بسؤال غير منطوق تعرفه زينب جيداً، ولكن ما باليد حيلة.

"أيوه باباكي مستنيكي على السفرة." أغمضت مهيرة عينيها بألم، أبوها مشكلتها الكبرى بعد عرجها. تحبه جداً، لديها عدة مشاكل معه غير أنه لا يفهمها، يريد منها أشياء معينة لا تستطيع تنفيذها، كيف وهي تخجل من نفسها ومن عجزها؟ لا يفهم أن نظرات الناس تقتلها، وأيضاً أشياء أخرى حدثت في الماضي.

تحركت ببطء وفي صمت في اتجاه غرفة الطعام، وكالعادة في ذلك الموقف تجد ذلك الوحش الملقب بسفيان يجلس على يمين والدها، وكالعادة أيضاً لا يتخلى عن نظارته الشمسية. لا تفهم سبب ذلك، كانا يتحدثان في أمور العمل وحين دخلت صمتا كالعادة. في الحقيقة هي لا تعرف ما وظيفة هذا سفيان، هل هو حارس شخصي أم مدير أعمال والدها، أم هو شريك، أم كل ذلك؟ لا يهم، كل ما يشغلها الآن هو أن ينتهي ذلك الغداء الكارثي بسرعة.

تقدمت بخطواتها البطيئة المؤلمة لها بسبب نظراتهم عليها. ألقت تحية صغيرة بصوت منخفض وجلست على يسار والدها في​‌‍⁠ رواية جاريتي - الفصل 1 | مكتبة الروايات مواجهة الوحش، هكذا قالت لنفسها. نظر إليها السيد راجي: "إزيك يا مهيرة." رفعت رأسها عن طبقها وقالت بخفوت متلعثم: "كويسة يا بابا." ابتسم بواقار الذي يفرضه عليه سنه ومركزه وقال: "كنتِ بترسمي إيه وأنتِ قاعدة في الجنينة؟ نظرت إليه باندهاش، هل لاحظها؟ ثم نظرت إلى سفيان نظرة سريعة

ثم عادت إلى أبيها قائلة: "مجرد شخبطة يا بابا، مش حاجة مهمة." ربت والدها على يدها في حنان أبوي نادراً ما يظهر وقال: "مفيش أي حاجة أنتِ بترسميها بتكون شخبطة وخلاص، صحيح أنا عارفة إنها حاجات ملهاش معنى بس أتمنى يوم تخليني أشوف شخابيطك دي."

شعرت بالخجل لتحدث والدها عن هوايتها بذلك الأسلوب أمام سفيان، وخاصة وهي تشعر أنه ينظر إليها الآن من خلف تلك النظارة، ولا تعلم هل هذا اهتمام أم كما تشعر دائماً أنه في الأساس لا يراها ويرى كل شيء يخصها تافهاً وبلا معنى كأبيها. وكان سفيان من داخله يغلي غضباً، ذلك المشهد كل يوم يجعله يشعر برغبة عارمة في تحطيم ذلك الرجل الجالس بجواره ببرود. عاد الصمت من جديد، ولكن من كسره هذه

المرة هو سفيان وهو يسأل: "سيد راجي، ممكن النهاردة أروح بدري بما إن حضرتك هتقضي اليوم في البيت؟ تنهد السيد راجي وهو يقول: "على الرغم من إني مش بطمن غير في وجودك، لكن كمان والدتك ليها حق فيك ولازم تروح، مفيش مانع طبعاً." انتهى الغداء وعادت مهيرة إلى غرفتها بعد أن استمعت إلى الجملة التي قالها والدها لسفيان: "عايزك تفكر في اللي قولتهولك، أنا مش هكون مطمن عليها غير معاك، أنت أكتر واحد عارف الخطر اللي حواليا."

ماذا كان يقصد؟ هل يقصدها هي؟ وما هذا الخطر الذي يحوم حول والدها؟ لماذا لديها شعور أن القادم سيء جداً؟

توجهت إلى نافذة الغرفة وفتحتها، وقفت تنظر إلى كل تلك المساحة الخضراء حول القصر، ذلك المنظر يشعرها بالراحة، يهدئ أعصابها وينسيها خوفها. لاحظت ذلك الواقف عند بوابة القصر يتحدث إلى الحراس، يبدو أنه يعطيهم تعليمات أمنية في فترة غيابه. هي أيضاً رغم خوفها منه إلا أن وجوده يشعرها بالأمان، ولا تعرف تفسيراً لذلك. أحياناً تشعر إنها مجنونة، كيف تخافه وتشعر بوجوده بالأمان؟

كان يتحدث​‌‍⁠ وهو يشير إلى جوانب القصر، ثم صمت. شعرت في تلك اللحظة أنه ينظر إليها، ولا تعلم لماذا شعرت بأنها تريد أن تمد يدها لترى عينيه لأول مرة وترى ما لون عينيه. أخفضت نظرها أرضاً ثم تحركت لتعود لداخل الغرفة. جلست على مكتبها الصغير وأخرجت دفترها الوردي وفتحته وكتبت:

"أريد أن أجد الحب يوماً، فلربما تغيرت حياتي وأصبح لها معنى. أتمنى أن أجد من لا يجدني ناقصة أو معيبة، أريد من يشعرني بأنني أستحق. فيا من أحلم به كل يوم، يا صاحب العيون القاسية الحانية، فلتأتِ سريعاً، لقد أوشكت أن أصاب باليأس."

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات