كانت زينب تقف في الحديقة الخلفية بجوار شجرة كبيرة تحاول تمالك أعصابها. ويقف خلفها سفيان ينتظر أن يعرف تلك الأسرار التي أوصلت صغيرته لتلك الحالة. بعد عدة دقائق أخرى كان قلبه بها يحترق. قالت زينب بصوت يقطر ألمًا ووجعًا:
-السيد راجي من عائلة كبيرة أوي أوي، والست مريم والدة مهيرة كانت بتشتغل في شركتهم. شافها وحبها، لكن هي لأ، كانت مرتبطة بابن عمها. لكن السيد راجي مقدرش يقبل إن في واحدة تقوله لأ، فـأجبرها إنها لو متجوزتوش هيسجن ابن عمها، وهي كانت عارفة إنه يقدر يعمل كده، فـمُجبرة وافقت.
وهنا بدأت حياة كلها عذاب. شك وإهانة، ضرب وحبس. لحد ما عرف إنها حامل في مهيرة، اتحول معاملته ليها وبقى هادي وكويس. لحد في يوم كانت في أواخر الشهر السابع، أبوها وابن عمها جم يزوروها. وهو أول ما شافهم وكأنه شافها بتخونه، طردهم وفضل يضرب فيها لحد ما كانت خلاص هتموت في إيده. وهي في الأرض باست جزمته وقالت له: -بنتي هتموت، ارجوك، مش قادرة، أنا حاسة إني هولد. تنهدت زينب بصوت عالي وهي تجلس أرضًا وأكملت:
-فاق على كلمتها وفضل واقف مكانه مش عارف يتحرك. ولما ملاهاش بتتحرك ولا طالع منها أي نفس، شالها بسرعة وراح على المستشفى. وهناك كان الدكتور عايز يبلغ البوليس، بس السيد راجي بنفوذه منعه. حالتها كانت صعبة جدًا وآثار الضرب في كل جسمها وبتنزف. ولما عملوا السونار اكتشفوا إن رجل البنت اتكسرت وحصل تهشم لعظمة الساق. دخلت العمليات على طول وولدوها قيصري. وفعلاً لقوا البنت فيها كسر في رجلها الشمال وحالة رجلها سيئة. والست مريم فضل عندها نزيف لحد ما شالولها الرحم.
بعد ما الست مريم خفت والبنت فضلت في الحضانه أكتر من أسبوعين، الدكتور سمح إنها تروح معاهم. بعد ما قال إنها هتاخد وقت طويل على ما الكسر يلتئم لأنها نازلة بدري وضعيفة وكمان محتاجة تتعرض على دكتور علاج طبيعي. لكن راجح بيه ما اهتمش خالص بالموضوع. صمتت قليلاً ثم قالت: -وعشان كده فضلت تعرج طول حياتها.
كان سفيان يستمع إليها وهو يشعر أن نارًا تشتعل بداخله. كان يود لو يعود لذلك الوحش اللي بالداخل ويضربه ويضربه أو يقتله، إنه حيوان في شكل إنسان. جلس سفيان أمامها وهو ينظر إليها قائلاً: -وبعدين إيه اللي حصل بعد كده، خلى أمها تسيبها وتهرب؟ أغمضت زينب عينيها في ألم وقالت:
-تفتكر يعني اللي ضربها بالوحشية دي لدرجة إنه يسبب عاهة مستديمة لبنته اللي لسه متولدتتش، هيتعامل معاها إزاي. ده غير إنه، وللقدر، ورثت مهيرة الشامة اللي فوق شفتها، ودي وراثة في عيلة أمها، يعني باباها وابن عمها عندهم الشامة دي. قطب سفيان بين حاجبيه وهو يقول: -هو شاكك في نسب مهيرة. نظرت إليه بصمت ثم أخفضت رأسها. كان حازم يجلس مع أصدقائه في مكانهم المعتاد، وما هو غير نايت كلوب درجة تالتة. تكلم ياسر قائلاً:
-هتعمل إيه يا عم مع البت جودي؟ دي يا عم طرقعتلك الجامعة كلها بتتكلم عليك. وقف حازم بغضب وأمسكه من مقدمة ملابسه قائلاً: -أنت عايز إيه يا هـ... ومين قالك إني هسيبها في حالها؟ بكرة أخليها تبوس جزمته ولا هعبرها. وقف أحمد وهو يفصل بينهم وقال: -اقعدوا بقا. وانت يا عم حازم، ما تفكك من البت دي، باين عليها فعلاً محترمة وملهاش في الكلام ده. شرب حازم من الكوب اللي أمامه وهو يقول: -وده حلوته...
بكرة نقعد نشرب هنا بعد ما أكون نفذت اللي في دماغي. وبعدين ملهاش إزاي؟ أنت مشفتش الدكتور الجديد ده وقف معاها إزاي... أكيد في حاجة بينهم يا عم. وأنا بقا عايزكم تقولوا كده لكل الناس، علشان أنا أعرف ألعب. وشرب مرة أخرى من كأسه. حين اقتربت فتاة تتمايل بملابس تظهر أكثر مما تخفي، ووضعت يدها على كتف حازم قائلة: -حازم باشا، منور الدنيا كلها. تأمر بحاجة يا باشا؟ رفع عينيه إليها وقال: -أنا هدخل الأوضة وابعتيلي حاجة على ذوقك.
ووقف على قدميه وهو يغمز لأصدقائه. ومشى وهو يترنح إلى تلك الغرفة ليفعل الفاحشة الكبرى وهو يتباهى بها. كان حذيفة جالس في غرفته يفكر في كل الاحتمالات. يعرف أن ذلك الشاب لن يمرر الأمر وهو يخاف عليها جدًا، لكنه سيكون كظلّها وسيتدخل إذا حدث أي شيء. هي أمانة صديقه ولابد من حمايتها. فاق من شروده على طرقات على باب الغرفة. وقف على قدميه واتجه إلى الباب وفتحه. كانت السيدة ناهد. ابتسمت بهدوء خجل وقالت:
-آسفة يا دكتور حذيفة، بس كنت عايزة أفكرك بميعاد بكرة. قطب بين حاجبيه وهو يقول: -ميعاد إيه؟ أخفضت رأسها وهي تقول: -دكتور أواب. تنهد بصوت عالي وهو يقول: -هو إمتى؟ أجابت مباشرة: -بكرة بعد الظهر. فكر قليلاً. لا يستطيع العودة باكراً ويترك جودي وحدها. نظر إلى السيدة ناهد وقال: -هو ممكن نأخر الميعاد؟ هزت رأسها بنعم وقالت: -إمتى يعني؟ -بكرة بردو بس بعد ما أرجع من الجامعة. قالت: -يعني على الساعة خمسة كده. ابتسم وقال: -تمام.
استأذنت منه وغادرت. أغلق الباب واستند عليه بظهره وهو يقول: -يا ترى اللي أنا بعمله ده صح ولا غلط؟ كانت جودي تجلس خلف مكتبها تطلع إلى كتاب، ولكن عقلها سارح في من ملك قلبها منذ كانت صغيرة. كانت دائمًا تحب مشاكساته. كانت دائمًا تصر على النزول مع سفيان لتقابله. لكن هو لم يعاملها يومًا غير أنها أخت صديقه فقط. قلبها يؤلمها جدًا...
وكأن قبضة قوية تعتصره، ودموع عينيها لا تتوقف. هي من أول مرة رأته وقلبها أخبرها أنه هو، لكنها كانت تريد أن تتأكد. وسفيان أكد ذلك. ولكنه به شيء مختلف، عيناه بها ألم رغم ابتسامته، هي تشعر به. كما شعرت به منذ أكثر من ثلاث سنوات، شعرت بألم قوي في قلبها ولا تعلم وقتها ماذا حدث معه. ولكنها أكيدة أن في ذلك الوقت حدث شيء مؤلم.
تابع الفصل التالى من هنا