رواية جاريتي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة مجدي

 

بعد أن خرجت زهرة من غرفة صهيب، أمسكت زوجة عمها يدها وسحبتها خلفها حتى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. وقالت وهي على وشك الانهيار: -فهميني يا بنتي.. إيه اللي حصل ده؟ ابني بيعمل فيكي كده ليه؟ وأنتِ ساكتة ليه؟ أغمضت زهرة عينيها وأطلقت صراح تلك الدمعات التي حبستها وهي في غرفة صهيب. تنهدت بصوت عالٍ، ثم أمسكت بيد زوجة عمها وهي تقول: -أهدي أرجوكي، وأنا هفهمك كل حاجة. وبدأت سرد ما اتفقت عليه مع صهيب وشرطه لإتمام الزواج.

شعرت الحاجة راضية بقديمها لا تحمله، فألقت بجسدها على الكرسي الذي خلفها وهي تقول: -وأنتِ قبلتي يا بنتي؟ ومستحملة معاملته دي؟ جثّت زهرة أمامها وهي تقول: -أنا بحبه... صهيب عامل زي الأطفال بيكسر لعبته عشان يلفت نظر أمه ليه... لكن أنا متأكدة إنه بيتألم دلوقتي لأن ده مش طبعه. كانت الحاجة راضية تستمع إليها وقلبها يؤلمها، إلى متى سيتعذب ابنها ويعذب من حوله؟ قالت زهرة بتوسل:

-أرجوكي يا مرات عمي، أوعي حد يعرف. ده هيكون سر. أنتِ عارفة لو بابا وعمي عرفوا إيه اللي هيحصل. هزت الحاجة راضية رأسها وقالت: -لا يا بنتي مش هقول حاجة. وربنا يعينك على اللي أنتِ هتشوفيه معاه. *** جلست مهيرة في الكرسي المجاور للسائق في صمت. وأيضًا سفيان لم يجد ما يقوله لها، ففضل الصمت. كانت جالسة منكمشة على نفسها، خائفة منه. ظل الصمت فترة طويلة، ثم أمسك هاتفه واتصل على أمه. سمعته يقول:

-أيوه يا أمي، أنا جاي دلوقتي على البيت ومهيرة معايا. صمت قليلاً ثم قال: -آه يا أمي، كتبنا الكتاب. صمت مرة أخرى يستمع إلى أمه، ثم قال: -لأ معاكم لحد ما أخلص الشغل اللي فاضل فوق. صمت مرة أخرى ثم قال: -لا يا حبيبتي، متتعبيش نفسك. أنا هطلب أكل جاهز. تحبي حاجة معينة؟ صمت لثوانٍ قليلة ثم قال: -خلاص، مسافة الطريق.. مع السلامة. وضع الهاتف في جيبه مرة أخرى. ونظر بطرف عينيه إلى تلك الجالسة بجواره، تلتصق بالباب خوفاً منه.

أراد أن يسألها عن أي نوع طعام تفضل تناوله، ولكنه لم يعتد الكلام معها ويشعر بالخجل. ولكنه قرر أن يسألها حتى يظهر لها القليل من الترحيب والاهتمام. فنظر إليها وكاد أن يتكلم، حين انكمشت هي أكثر من الأول وظلت تتمتم بكلمات غير مفهومة. فصمت سفيان ولم يحاول مرة أخرى التكلم معها. وصل تحت البناية الذي يسكن فيها. ترجل من السيارة. ظلت مهيرة تنظر إليه برهبة حين اقترب من بابها وفتحه وهو يقول: -اتفضلي.

نزلت مهيرة من السيارة وهي تشعر بالخوف الشديد. كان يشعر بها، لكنه لا يجد الكلمات التي تطمئن قلبها المرتجف. الآن حضر حارس العمارة راكضًا حين أشار له سفيان. حمل الحقيبة وسبقهم. أشار لها سفيان لتتقدمه، ولكنها ظلت واقفة مكانها. فتحرك خطوتين لا أكثر لتتحرك هي خلفه، فأكمل طريقه دون كلمة وهي خلفه في هدوء. وقف أمام المصعد ينتظر نزوله.

بعد دقائق نزل المصعد، ففتح لها الباب فعبرت إلى الداخل ولحقها هو وطلب الطابق الذي به شقة والدته. وهي تنظر أرضًا خوفًا وقلقًا. وصل المصعد أخيراً. وكانت أعصاب مهيرة كلها على شعرة واحدة، تشعر أن الدنيا تميد بها. تشعر كـ**الذب**يحة التي تساق للذبح. كانت حقيبتها أمام الشقة بجانب الباب. كاد قلبها يتوقف حين أخرج سفيان المفتاح من جيب بنطاله. كان عقلها يعمل ويحلل كل ما يحدث. هو قال إنه ذاهب لبيت والدته، لماذا لم يطرق الباب؟

هل كان يكذب أم أنا من فهمت خطأ؟ ولكن كل تلك الهواجس اختفت حين فتح الباب لتجد السيدة نوال تقف خلفه فاتحة ذراعيها لها بحب وترحيب مع ابتسامة واسعة سعيدة. تقدمت منها مهيرة ببطء وارتمت بحضنها، تحتاج أن تحتمي لذلك الحضن من كل شيء. ربتت السيدة نوال على ظهرها وهي تقول: -نورتي بيتك يا حبيبتي... وألف مبروك وجوازة العمر كله. انقبض قلب مهيرة بخوف، هل ستظل معه كل عمرها القادم؟

أغمضت عينيها وهي تتمنى من داخلها أن يكون عمرها قصيرًا جدًا وتنتهي حياتها سريعًا. أبعدتها السيدة نوال عن حضنها برفق وأشارت لهم بالدخول. كان سفيان يشعر بها. يتمنى أن يضمها إلى صدره، يطمئنها ويريحها من كل ذلك العذاب والخوف. ظلت مهيرة واقفة تنتظر أن يتحرك هو حتى تمشي خلفه، وكانت السيدة نوال تنظر لها بتعجب. فأمسكت يدها حتى تدخلها، لكن عينيها ظلت تنظر أرضًا في اتجاه سفيان الذي لاحظ الموقف.

فتحرك ليمر من جانب أمه بعد أن قبل رأسها. فت Cتحركت مهيرة خلفه وهي تسحب يدها من يد السيدة نوال. قطبت السيدة نوال جبينها من تصرف مهيرة. تحركت بكرسيها خلفهم، فوجدت أن سفيان جلس على الكنبة التي في صدر الصالة وأرجع رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه في محاولة لتجميع أعصابه التي كادت أن تفلت أكثر من مرة. ومعيرة تقف أمامه مطرقة الرأس. ما هذا؟ ماذا يحدث مع تلك الفتاة؟

نادت على سفيان بصوت هادئ ليفتح عينيه وتقع مباشرة على تلك الواقفة أمامه في مشهد ذكره بالأفلام القديمة التاريخية. الجارية واقفة أمام سيدها مطرقة الرأس تنتظر أوامره. أغمض عينيه بألم وهو يقول لنفسه: -بس هي مش جارية، دي مهيرة الكاشف، ملكة قلبي. تكلم أخيراً ولأول مرة معها قائلاً: -واقفة كده ليه؟ ما تقعدي. صوته عصبي متوتر، وطريقته التي أرادها هادئة مطمئنة أصبحت عصبية متوترة. فأمرها. فنظرت إليه مهيرة بخوف

وقالت بخفوت وصدق مؤلم: -أقعد فين؟ رفع حاجبه الأيسر في اندهاش وأجاب: -في مكانك. هو كان يقصد بجانبها، وهي فهمت أنها مجرد شيء يزدريه ويحتقره. وكانت السيدة نوال تتابع الأمر في صمت. تشعر بخوف مهيرة وتخبطها، وتشعر بحيرة ابنها وتوتره. ولكن ما حدث جعل قلبها ينتفض مثل جسد سفيان الضخم، حين جلست مهيرة أرضًا أمام سفيان مباشرة. وقف سفيان سريعًا ليمسكها من كتفيها بخشونة ويوقفها على قدميها وهي منكسة الرأس أمامه.

وقال بعصبية نتيجة تلك القبضة القوية التي تؤلم قلبه بقوة: -أنتِ إزاي تعملي كده؟ ليه؟ ليه قعدتي على الأرض؟ ظلت تنظر أرضًا وهو ينتظر إجابتها. ولكنها لم تتكلم، كانت دموعها هي ما تجيب في صمت. فهزها بقوة وهو يعيد سؤاله. فأجابته بصوت منخفض يختنق من كتم بكائها: -حضرتك قولتلي اقعدي مكانك. قطب جبينه وهو يقول بتلعثم وخجل: -أنا قصدت... ولم يستطع أن يكمل ويقول... جواري. ولكنه قال بخشونة: -متعمليش كده تاني، مفهوم.

هزت رأسها المنكس بنعم. فأكمل هو قائلاً: -وكمان ارفعي راسك. كان أسلوبه جاف، كانت السيدة نوال تفكر هكذا، لكنها تعرف ولدها جيدًا. هو لا يعلم كيفية إظهار مشاعره. تقدمت من مهيرة في محاولة لتهدئة الموقف قليلاً وأمسكت بيدها وهي تتحرك بها في اتجاه غرفة سفيان. وقالت: -تعالي ارتاحي شوية. وأدخلتها إلى الغرفة وهي تقول:

-جودي قربت ترجع، هي خلصت كليتها من بدري بس نزلت على السوق تجيب لي شوية طلبات. ارتاحي أنتِ على ما هي توصل عشان نتغدى سوا. تكلمت مهيرة سائلة وهي تنظر إلى الغرفة الذكورية جدًا بأثاثها الأسود الأنيق: -هي دي أوضة مين؟ ابتسمت نوال بحب وقالت: -أوضة سفيان. بصي يا بنتي، أنتِ وسفيان دلوقتي متجوزين...

ومكانك في الأوضة دي معاه. إلا إذا أنتم الاتنين قررتم تأجيل الجواز شوية، وساعتها يا بنتي هتكون شقتكم خلصت وفوق تعملوا اللي يريحكم. ثم تحركت في اتجاه الباب وهي تقول: -أسيبك أنا بقى. وخرجت من الغرفة وتركت تلك التي تقف في وسط الغرفة تائهة وكأنها طفلة صغيرة تاهت من أهلها وسط الزحام. وقفت تفكر أين يمكنها أن تنام. أن الغرفة ليس بها سوى سرير سفيان. وبزاوية الغرفة بجانب النافذة توجد طاولة صغيرة وكرسيان مريحان.

وبالزاوية الأخرى يوجد مكتب صغير وعليه كتب كثيرة. وعلى الحائط بجانب الباب توجد خزانة كبيرة وفي مواجهتها السرير. أين تنام الآن؟ تخشى أن نامت على السرير يغضب سفيان إذا أراد النوم عليه. ولكنها لا تستطيع النوم أرضًا، ذلك صعب. فتحركت لتجلس على كرسي من الكرسيين وتكورت بداخلة بعد أن أحضرت شرشف خفيف ووضعته على جسدها وذهبت في نوم عميق. *** كان جالس بالخارج يشعر أنه يحارب طواحين الهواء معها. يقف عاجزًا عن أن يتكلم أي كلمة.

كيف سيتعامل معها وذلك الخوف يسكن عينيها؟ وقفت أمه أمامه وهي تربت على رأسه قائلة: -البنت خايفة جداً... ونفسيتها سيئة. حاول يا ابني تطمنها وتحتويها... وربنا يعينك على اللي جاي. كان حذيفة جالس بجانب أواب يشاهدان إحدى برامج التلفزيون التعليمية. التي يشعر أمامها حذيفة أنه ضعيف الذكاء إن لم يكن غبي. نظر إلى ابنه الذي يستمع إلى البرنامج بتركيز كبير وقال له: -حبيبي، أنت إزاي بتتفرج على البرامج دي؟ نظر إليه أواب ببراءة وقال:

-مالها بس؟ أنا مش فاهم أنت ليه مش بتحب البرامج دي؟ أطلق حذيفة صوتًا متهكمًا وهو يقول: -أنا دكتور جامعي على فكرة... بس البرامج دي يا ابني بتحسسني إني مش معايا إعدادية على فكرة. ضحك أواب بصوت عالٍ وقال: -طيب أنا هريحك وهدخل أنام. ممكن تقعدني على الكرسي لو سمحت. فقطب حذيفة جبينه وهو يقول: -هتنام دلوقتي؟ قاعدين مع بعض يا صاحبي. عاد أواب يضحك بصوت عالٍ وهو يقول: -لا يا صاحبي، خلينا ننام عشان متأخر بكرة. أمسكه

حذيفة​‌‍⁠ من خديه وهو يقول: -يا ابني، فيه تلات نقط بيطيروا ليه؟ نفسي أفهم على فكرة. قطب أواب جبينه وجعد أنفه وهو يقول: -على فكرة أنت اللي مش بتعرف تتكلم... ويلا بقى أنا عايز أنام. نظر إليه حذيفة بشجن. أنه يحاول التمسك بوجود أواب بجانبه حتى يشغل عقله به. حتى يتوقف عن التفكير في جودى واحتمالات الأخطار عليها من ذلك الحازم. يبدو أنه أطال في تفكيره، حيث أنه حين أفاق من شروده وجد أواب قد نام بالفعل.

وهو يسند رأسه على كتف والده. حمله برفق وتحرك به إلى غرفته ليضعه على سريره ويخلع عنه حذائه الطبي. وانحنى يقبل قدمه الصغيرة وهو يقول: -أنا آسف يا ابني، مخترتلكش أم صح وأنت اللي دفعت تمن اختياري الغلط. يالله أطمن عليك يا ربي.

تابغ الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات