رواية صاحبة السعادة الفصل الثامن 8 - بقلم رضوي جاويش


 جلست جواره تحتضن حقيبتها على تلك المقاعد الخشبية لقطار الصعيد الذي غادر في تمام الواحدة بعد منتصف الليل. كان الطقس باردًا، وخاصة في مثل تلك الساعة، ومع وجود النوافذ الخشبية المتهالكة والغير قابلة للإغلاق، كان الأمر أشبه بالوقوف في وجه ريح عاصفة. انكمشت على نفسها مشددة احتضان كفيها للحقيبة تستمد منها دفئًا، وقد استشعر ارتجافاتها قربه، فهمس في اهتمام: -شكلك بردانة!

حاول أن يتعامل قدر الإمكان مع تلك النافذة الخشبية التي تجاورهما ليخفف من ذاك الهواء البارد الذي يندفع منها، لكن بلا طائل. ربتت على كتفه تستوقفه ليكف عن المحاولة. وما إن سكن جوارها حتى أسندت رأسها على كتفه وراحت في نوم عميق. فابتسم في فرحة ولم يحرك ساكنًا، فاغفائها أفضل حتى لا تستشعر مشقة الطريق وطول المسافة. ***

تململت على كتفه، وأخيرًا انفرجت عيناها على جانب وجهه المنحوت كما تمثال من عقيق أسمر، وكذا شاربه المهذب فوق شفتاه اللمية. تنبه لاستيقاظها، فاخفض الطرف إليها لتبتسم في محبة وترفع رأسها عن كتفه الذي ما شعر بثقل رأسها قط. تطلع إليه أحد المسافرين وأشار لربابته هاتفا: -ما تدج لنا شوية يا واد عمي، السكة لساتها طويلة. ابتسم حِزن متطلعًا إليها، وقد أومأت برأسها في استحسان للفكرة، فاحتضن ربابته وبدأ في العزف والغناء منشدا:

يا وابور الساعة ١٢ يا مجبل ع الصعيد عبادي يا واد عبادي، كرباچك ع الهچين سلم لي ع الست بهية اللي حبت ياسين ليهتف بعض المسافرين معه مع التصفيق: عبادي يا واد عبادي، كرباچك ع الهچين ليشدو هو مستمتعًا: يا وابور الساعة ١٢ يا مجبل ع الصعيد خبريني يا بهية ع اللي جتل ياسين ليهتف الجمع: عبادي يا واد عبادي، كرباچك ع الهجين ليرد في حماسة مع إيقاع ربابته: جتلوه السود عيوني من فوج ضهر الهجين ليردوا:

عبادي يا واد عبادي، كرباچك ع الهچين استمر الشدو والغناء، والمسافرون ما بين مردد أو مصفق لتلك الأنشودة الصعيدية التي تغنت بدومات تصف حكاية بهية وياسين بكل تفاصيلها. *** وصلوا لتلك المحطة المتواضعة، التي ما إن توقف عندها القطار للحظات حتى أخذ بكفها جاذبًا إياها خلفه ليترجلا منه. تطلعت حولها لا تدرك أين هي بالضبط، فما كان حولها إلا رصيف المحطة المتهالك واتساع من الأخضر على مد البصر. تركها تستطلع المكان للحظات، وأخيرًا

همس في محبة: -معلش، السفر طويل وبلادنا بعيدة. همست تستفسر: -لسه فاضل كتير؟ أكد هاتفا: -لااه، نچعنا جريب من هنا. هبطا للطريق الترابي وسارا بعض الوقت جنبًا إلى جنب، واضعًا ربابته التي كان الفضل في استرجاعها من حجرتهما لصبي الشيخ صالح، لسرة ملابسها حاملاً إياها. مضى بعض الوقت وما من أمل في الوصول إلى مبتغاهما، حتى هل رجل يقود عربة كارو يجرها حمار وخلف الرجل بعض من أحمال البرسيم. أشار إليه حِزن طالبا في أريحية:

-السلام عليكم، خدنا معاك ف طريجك يا واد عمي. هتف الرجل في ترحاب: -اتفضلوا، على فين العزم؟ هتف حِزن وهو يتجه بسعادة للعربة: -نچع مچاور. هتف الرجل: -دِه ف طريجي. ظلت نظرات الرجل صوب الطريق، تاركًا حِزن يتعامل مع سعادة التي لم تستطع اعتلاء سطح العربة، ليمد كفيه محتضنًا خصرها دافعًا بها لتصعد جالسة على طرف العربة، ويقفز هو جالسًا جوارها. وما إن انتهى حتى ربت على كتف الرجل محفزًا: -ياللاه توكل على الله.

أصدر الرجل صوتًا بفمه ليستجيب حماره ملبيًا النداء في تلقائية. كانت العربة تسير الهوينى على ذاك الطريق الغير معبد، تاركة محطة السكة الحديد خلفها مكملة طريقها، وعلى جانبيها تظهر الحقول الخضراء الممتدة حتى ذاك الجبل الشاهق هناك. وعلى الجانب الآخر تمتد ترعة بطول الطريق تتلوى لتتسع تارة وتضيق تارة أخرى.

أخذ حِزن الحنين لتلك الأرض التي كان يعتقد عندما غادرها يومًا أنه لن يشتاق لها أبدا، لكن ها هو يعب من ريحها العبق برائحة الثرى الندي، وينتشي لمرأى السنابل الخضراء تتراقص في إغراء مع هبات النسيم التي تميل للدفء في هذا الوقت من النهار وبهذا الفصل من العام. هتف الرجل مخرجًا حِزن من غياهب الخواطر والذكريات: -وصلنا يا واد عمي.

تطلع حِزن لذاك الجسر الممتد للطرف الآخر من الأرض فوق الترعة والذي يفضي لمدخل النجع، وبدأ قلبه في الخفقان بقوة، حتى أنه ظل موضعه لم يتزحزح وهو يتطلع إلى حيث يجب عليه الذهاب. تنبه أنه أطال البقاء دون أي رد فعل، وقد استشعرت سعادة اضطرابه، فوضعت كفها فوق كفه المتشبثة بحافة العربة الخشبية تستحثه على النزول، ليفعل مساعدًا إياها كذلك على النزول حاملاً متاعهما ليبدأ رحلة المسير تجاه الجسر وسعادة جواره في طريقهما لداره. ***

توقف حِزن على أعتاب الدار المبنية بالطوب اللبن، وتوقفت سعادة بدورها خلفه تحترم صمته واستشعاره الرهبة لأمر لا تعلمه. جال بناظريه في أنحاء الدار يتذكر كل ما كان، لدرجة أنه يكاد يستمع إلى صوته صارخًا وهو يتلقى الصفعات من أمه التي لم تكن تكف عن الصراخ بدورها لتلقنه أصول الرجولة ومبادئها. دفع بالباب الخشبي الذي أصدر صريرًا معترضًا وهو يدفعه للداخل. وانتفض كلاهما عندما هتف صوت من الداخل يحمل بعض الخشونة

الممتزجة بحشرجة الشيخوخة: -مين اللي بره؟ لم يستطع حِزن أن يجيبها، فقد أحس أن لسانه أصبح بمنتصف حلقه، فظل على حاله ساكنًا لم يبرح موضعه، لتظهر امرأة تتشح بالسواد من خلف أحد الأبواب تسير في تؤدة. وما إن توقفت على أعتاب الحجرة حتى أبصرت حِزن يقف في تيه متطلعًا إلى موضع ظهورها. طال تطلعها إليه لفترة وجيزة، وأخيرًا تحركت لتجلس أمام ركوة من نار كانت على وشك الانطفاء، فأعادت أزكاء جزوتها هاتفة في صلابة: -إيه اللي رچعك؟

واستطردت وهي لا تزال أمام ركوتها توليها ظهرها: -لو راچع ولساتك راكب دماغك، يبجى عاود من مُطرح ما چيت. همس حِزن بنبرة صوت متحشرجة: -إني راچع أتحامى فيكِ يا مندهة. استدارت متطلعة إليه بنظرة متفحصة أثقلها الزمان خبرة، وما إن همت بالنطق حتى وقعت عيناها على سعادة المختبئة خلفه تتحامي فيه بدورها، لتهتف في حدة: -مين دي اللي معاك؟ جذب حِزن سعادة من خلفه هاتفا: -دي مرتي. هتفت مندهة في حنق:

-چالك نفس تحب وتتمعشج وتتجوز كمان وأبوك دمه لسه مبردش؟ اندفع حِزن إليها جاذبًا كفها مقبلًا ظاهرها هاتفا في وجع: -ياما بجينا الحديت دِه من زمان، أحب على يدك ما نرچعوا ليه تاني، أبويا مات من زمان، وعارف إن تاره في رجبتي، بس مش هجدر أخده، إني مرحتش من هنا إلا عشان الجصة الجديمة دي، بلاها ياما أحب على رچلك. تجاهلت كل ما قال وأشارت لسعادة هاتفة: -والحلوة دي رضيت بيك على إيه؟ هتف حِزن أمرًا: -جربي يا سعادة.

قهقهت مندهة حتى بانت نواجزها المفقود أحدها وهتفت في​‌‍⁠ رواية صاحبة السعادة - الفصل 8 | مكتبة الروايات سخرية: -سعادة! اسمها سعادة؟ طب كيف يكون الحِزن ويا الفرح! دِه بيدخل م الباب، التاني بيخرچ م الشباك. هتف حِزن في يقين: -ربنا چمعنا ياما من غير ميعاد، واللي ربنا چمعه محدش يجدر يفرجه أبدا. ربتت مندهة على كتف ولدها هامسة: -واتچوزتوا ميتا؟ هتف حِزن شارحًا: -إحنا لساتنا عرسان چداد طازة، يا دوب كتبنا الكتاب وچينا على هنا طوالي.

ونظر إلى سعادة نظرة تحمل بين طياتها رغبته في عدم الإفصاح عما حدث في القاهرة من أهلها وكل ما كان، فأثرت الصمت. نهضت مندهة في انتفاضة قوية لا تليق بعمرها وهي تجذب سعادة إليها مؤكدة في صرامة: -عروستك تلزمني يا سيد الرچالة، ولما تبجى تاخد تار أبوك يبجى ليك عندي حريم. وجذبت سعادة خلفها في اتجاه غرفتها التي خرجت منها عند قدومهما، مستطردة: -ولحد ما دِه يحصل، مرتك هتنام بجاعتي، ع الله ألمح خيالك معدي جرب الباب دِه.

ودخلت بصحبة سعادة وأغلقت الباب الخشبي لحجرتها في عنف، تاركة حِزن وحيدًا بقلب الدار يتطلع حوله في قلة حيلة. وأخيرًا هتف في غضب مكبوت وهو يندفع لخارج الدار: -إني إيه اللي رچعني، يا ريتني ما رچعت، يا ريتني موت على يد عزوز ارحم لي مية مرة من وچع الجلب اللي هبجى فيه دِه. صفق باب الدار خلفه في غضب وهو يتجه إلى مكانه المفضل عندما تضيق به الدنيا وتنغلق أمامه أبواب الفرج. ***

جلس على ذراع الساقية التي كانت تلف، شاعرًا أن الأرض تدور به كما هذه الساقية تحمله من موضع لموضع وتلقي به من مكان لآخر، وهو لا حول له ولا قوة، ليس بيده إلا الإذعان لكل ما يحدث دون أن يكون له يد فيه ولا له القدرة على تغييره لما يرضيه. أخذ يشدو في وجيعة: سبع سواجي كانت بتنعي على اللي نابها من المظالم فضلت حياتها تدور وتدعي الله أكبر عليك يا ظالم

بينما كان يدور في دوامة أفكاره وخواطره مستأنسًا بغنائه، كانت هناك أعين تتلصص غير مصدقة أنه هو. أخذ صاحبها يطيل النظر في غفلة من حِزن حتى تأكد أنه هو بالفعل. فاندفع مهرولاً بين غيطان القصب حيث وجهة معلومة، بيت الحاج لطفي المراشدي. دخل الرجل صارخًا في مجلس الرجال الذي يترأسه الحاج لطفي: -ألحج يا حاچ لطفي، ألحج. قاطعه بسطاوي صارخًا: -هتعلموا إيه ف رچعة واد عايش الضنك.

وقف الحاج لطفي في صدمة لم يستطع أن يداريها، وتطلع لمن حوله، ثم عاد لينظر إلى بسطاوي متسائلًا: -چبت الكلام الخايب دِه منين يا واد؟ أكد بسطاوي: -شوفته بعيني وهو جاعد عند الساجية الجبلية اللي چار دارهم. هتف الحاج لطفي في رجال المراشدة: -حد يعرف حاچة عن المصيبة دي؟ ما أصلها كانت ناجصة واد مندهة كمان. هز الجميع رأسه نافيًا، ليؤكد بسطاوي في ثقة:

-والله​‌‍⁠ هو يا عم الحاچ، هو إني هتوه عنِه، واللي مش مصدجني يروح يشوفه بنفسه حدى الساجية زي ما جلت لكم. دخل أحد الرجال ما إن أنهى بسطاوي كلامه هاتفا في عدم تصديق: -مدريتوش، الواد ابن عايش الضنك رچع من مصر. هتف بسطاوي متفاخرًا: -مش جلت لكم. أهاا. هتف رجل آخر من بين الجمع المحتشد للعائلة موجهًا كلامه لكبيرها الحاج لطفي: -إيه العمل دلوجت يا حاچ؟

موال لا كان ع البال ولا ع الخاطر، دِه إحنا جلنا سافر وريحنا وريح روحه ومصر هتاخده وينسى النچع وناسه. هتف الحاج لطفي: -صدجت، بس اهو رچع وكنه لا نسي ولا هاينسى طول ما مندهة وراه عمره ما هينسى أبدا. هتف آخر: -طب العمل إيه دلوجت؟ هتف الحاج لطفي في حزم: -ملهاش إلا حل واحد، وأمرنا لله. هتف أحدهم: -حل إيه يا حاچ؟ لم يجبه الحاج لطفي، بل تطلع إليهم في صمت وهو يتذكر الماضي البعيد.

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات