بعد آخر تقارب بينهما أصبح الدنو منها مهلكًا، وأصبح التعامل معه حذرًا. كلاهما كان يتعامل مع الآخر من وراء ستار يحجب عن الآخر مشاعره الحقيقية. هي تستشعر أن من الواجب والمفروض أن تنتظر أباها حتى يعود لتكون لها حياة خاصة بعلمه ومباركته. وهو ينأى عنها لأنه أعطاها وعدًا بأن يظل الزواج شكليًا لحمايتها وصونها حتى عودة أبيها، وهو لن يسمح لمشاعره بأن تجعله يخسر رجولته بكسر وعده لها مهما حدث، ومهما كان القرب منها مضنيًا والبعد أكثر وجعًا من انتزاع الروح.
طرق على الباب المتهالك عدة مرات حتى ظهرت نعمات من خلف الطاقة التي كانت تضع مكان بعض أسياخها المفقودة قطعة كرتونية. تطلعت إليه للحظة ثم هتفت في نبرة حانقة: -نعم!؟ هم بالحديث إلا أنها هتفت من جديد هذه المرة بإدراك لكيّنته: -مش أنت اللي جيت قبل كده مع البت سعادة!؟ غض الطرف متحدثًا: -آه يا ست نعمات.. أنا.. هو.. قاطعته متسائلة في فضول: -أمال هي فين!؟ مجتش معاك ليه!؟
ابتسم ساخرًا، فقد تعجب من سؤالها وهي التي طردت سعادة بآخر مرة كانت معه هنا تسأل عن أبيها، وهتف في عجالة: -هتيجي معايا المرة الجاية، بس هو الحاج سعيد رجع!؟ أطلقت نعمات ضحكة ماجنة مجلجلة جعلته يجفل في حرج وهتفت متشدقة بكلماتها في سخرية: -سعيد بقى حاج!؟ وده من إمتى!؟ ع العموم هو لا جه ولا ورانا وشه من ساعة جوازة الشوم.. بس أنت بتسأل عليه ليه!؟ مد حِزن كفه بورقة مطوية تسلمتها هي من خلال الطاقة المشرعة هاتفا:
-ده عنوان سعادة.. لما يرجع بالسلامة، قوليلها إنها ساكنة في البيت ده. هتفت نعمات متطلعة للورقة في حيرة وأخيرًا هتفت في لامبالاة: -طيب يا خويا.. بس هو يظهر ويبان وهبلغُه. هتف حِزن بالتحية في عجالة ورحل مبتعدًا، تاركًا إياها تتفرس بالورقة في تمعن، ثم أغلقت الطاقة ودفعت بالورقة بأحد أدراج الطاولة المتهالكة والوحيدة بالشقة. ***
سار باتجاه البيت لا يعلم إن كان ما قام به صحيحًا أم لا، فهو كل غرضه أن يستأذن من أبيها في الزواج بها. قلبه يستشعر أن هذا هو سبب تمنعها الوحيد، وهو يريد أن يلتزم بوعده معها ويفعل ما يريحها. مر بالخرابة التي جمعتهما يومًا فابتسم عندما تذكر كيف خرجت له من بين الركام والفوضى كجنية أرعبته يومها، ولم يكن يعلم أنها سرقت قلبه في غيبوبته التي سقط بها عندما طالعه محياها المرعب المسربل بالسواد لحظتها.
تحسس حافظة نقوده وابتسم، فما كان يتوقع أن يحصل يومًا على مبلغ كهذا الذي يحمله بداخلها. كان يعلم أن وجودها بحياته سبب كل السرور ومصدر كل السعادة التي يتمنى اكتمالها عندما يضمها بين ذراعيه زوجة طائعة. وصل لباب حجرته وطرقها بأدب لتفتح هي الباب وقد ارتدت ردائها الجديد، هديته إليها. تطلع إليها وقد خطفت ناظريه، تتبعها أينما حلت بأركان الغرفة التي كان يعمل بها في جهد لتحضر له وجبة الغذاء.
جلس على حصيرته لتحمل له الأطباق لتضعها أمامه، إلا أنه شعر بالاختناق داخل الغرفة، فنهض مسرعًا آمرًا إياها: -هاتي الأكل بره.. الأوضة خانجة وريحتها كلها طبيخ. حملت خلفه الأطباق طائعة وهمست وهي تضعها أمامه أرضًا: -حاضر.. أنا هفتح الشباك مع الباب وأهويها قبل ما تدخلي تنامي. هتف في حنق: -ومين قال إن هنام جوه!؟ أنا هسحب الحصيرة وأنام هنا في الطل. هتفت تعارضه: -لكن الدنيا هتبقى برد عليك. هتف وهو يمد كفه يتناول طعامه مجيبًا
دون أن يرفع عينيه إليها: -لااااه.. أنا هرتاح كده.. اجفلي عليكِ بابك وسيبيني براحتي. رفع ناظريه أخيرًا ليجد عيونها تحمل دمعًا محبوسًا بمآقيها وهمست في حيرة: -هو أنا زعلتك في حاجة يا سي حِزن!؟ هتف مؤكدًا: -لااااه.. ليه بتجولي كده!؟ همست منكسة الرأس: -أصل بقالك كام يوم وانت مش زي عوايدك. هتف معللاً: -يمكن تعب الشغل.. أصل ربنا فاتحها عليا الحمد لله.. والبركة فيكِ. هتفت متضرعة: -ربنا يوسع رزقك.. ويكفيك شر طريقك.
هتف في راحة وقد زال كل هم بصدره إلا الرغبة في وصالها والتي تنغص عليه عيشه: -اللهم آمين. أنهى طعامه لتضع بين كفيه كوبًا من الشاي الساخن، ارتشف منه رشفة في استمتاع. واستأذنت متثائبة: -أنا رايحة أنام يا سي حِزن.. عايز حاجة!؟ هم بأن ينطقها: -أيوه.. عايزكِ.. لكنه أحجم وهز رأسه نفيًا وهو يعلم علم اليقين أنها تحاول أن تحتجب بالغرفة والوقت لا يزال مبكرًا جدًا على النوم الذي ادعت الرغبة فيه. لكنه استشعر أن ذاك أفضل للجميع.
أمسك بالكوب وسار بخطوات وئيدة يتطلع من فوق سطح البيت على الحارة، وخاصة ذاك المقهى الذي يديره عزوز، الذي كان يجلس بإحدى الطاولات بركن بعيد يتابع كل ما يحدث بمقهى. لقد اعتبره أهل الحارة واحدًا من الأبطال لشجاره مع عزوز وهزيمته بضربة العصا التي يضع حول موضع إصابتها عصابة حتى الآن. ويعتبرون أن جرحه الذي اندمل والحمد لله إصابة حرب جاءت غدرًا من يد عزوز الخسيس.
لقد كان الجميع من أبناء الحارة يستقبله استقبال الفاتحين ما أن يمر عليهم إلا عزوز ورجاله الذين يستشعر من نظراتهم اضمارًا للشر. فهو على يقين أن عزوز لن يترك ما حدث بينهما يمر مرور الكرام دون أن يرد له الصاع صاعين ليستعيد مكانته وهيبته المفقودة بالحارة.
أنهى كوبه وسار نحو الحصيرة التي انتزعها من الداخل مسرعًا ووضعها جانبًا وتمدد عليها يحاول أن يمسك بخيوط النعاس الذي يجافيه. لكنه انتفض ما أن تناهى لمسامعه صرخة مكتومة قادمة من داخل الغرفة جعلته يطرق بابها بلهفة. وعندما ساد الصمت ولم يتلق ردًا دفع بالباب ودخل متوجهًا رأسًا إلى المرتبة التي كانت تجلس عليها متكومة تضم ركبتيها لصدرها وتبكي في ذعر واضح. جلس على طرف المرتبة هاتفا بقلق عليها: -إيه في!؟ إيه اللي حصل!؟
ساد الصمت إلا من صوت نحيبها، وأخيرًا همست آسفة: -معلش.. أنا خضيتك.. بس أصله كان حلم صعب. نهض بسرعة وتناول القلة الفخارية وعاد بها ليجلس من جديد، مقدمها إليها هامسًا بتفهم: -ولا يهمك.. خدي اشربي.. ده يمكن عشان أكلتي ونمتي طوالي. ارتشفت بضع رشفات من الماء ليعيد القلة الفخارية لموضعها هاتفا بنبرة مطمئنة وهو يهم بالخروج من الغرفة حيث حصيره الممدود على السطح بعيدًا عن الغرفة:
-سمي الله ونامي واني جارك ع السطح لو عاوزة أي حاجة.. ناديني. همست تناديه قبل أن تخط قدمه أعتاب الغرفة: -حِزن.. كانت المرة الأولى التي تناديه باسمه مجردًا. توقف متسمرًا ونظر تجاهها ليجدها تفرك كفيها اضطرابًا وهمست: -ينفع يعني.. تنام هنا في الأوضة.. مش بحس بالأمان وانت بعيد. هتف مازحًا يحاول السيطرة على تلك الرجفة التي أصابت قلبه لمطلبها بذاك الصوت الناعس: -ده انتِ هتبقي في الأمان أكتر وأني بره. وهم
بالخروج لتناديه من جديد: -حِزن.. هتف واضعًا كفيه على هامته: -يا حِزنك يا حزن.. وتطلع إليها هامسًا: -يا بت الناس نامي وسيبيني ف حالي الله يكرمك. نهضت من موضعها متجهة إلى الخارج مرورًا به مما أشعل نيران صدره التي لم تهدأ جزوتها من أساسه. وهتفت وهي تقف بوسط السطح: -أنا مش جايلي نوم. هتف هو معاندًا: -أما أني بقى هنام. وتمدد على حصيرته هاتفا في حنق: -تصبحي على خير.
تركته يفعل ما يحلو له وجلست بأحد أركان السطح تتطلع إلى الذاهب والأيب. وأخيرًا شعرت بالملل فقررت التوجه لغرفتها لعلها تجد النعاس الذي ولى هاربًا من بين جفونها جراء ذاك الكابوس الذي رأت فيه أباها كفه مدرجة بالدماء التي كان يرغب في أن يلطخ بها ثوبها الجديد الذي جلبه لها حِزن وهي تفر مبتعدة حتى لا تطالها يده.
كانت تلك الصورة هي المسيطرة على تفكيرها في تلك اللحظة، فلم تبصر تلك القطع الممزقة من الحصير التي اشتبكت بقدمها لتتعثر رغما عنها لتطلق الصرخة الثانية لهذه الليلة وهي تسقط لينتفض هو موضعه مذعورًا متلقيًا إياها بين ذراعيه. ساد الصمت وظل الوضع على ما هو عليه للحظات حتى رفعت نظراتها متطلعة إليه بنظرات تحمل كم من الأسف لا بأس به وكم من المحبة لا يستهان به كذلك. مد كفيه مطوقًا خصرها حتى لا تنهض هاربة وهمس بصوت آخ:
-أني رايدك يا سعادة.. وهموت من شوقي.. قوليها.. أني ريداك يا حِزن وفكي الوعد اللي مطوق رقبتي.. قوليها يا سعادة. همست متعلثمة غير قادرة على الإفصاح عما بداخلها فالحروف لا تطاوعها جراء ذاك الصخب الدائر بداخلها: -أنا.. أيوه.. أنا كمان ريداك. اعتصرها شوقًا بين ذراعيه ونهض من موضعه جاذبًا إياها في اتجاه الغرفة إلا أنه توقف لحظة وتركها على أعتابها هاتفا بلهفة: -بصي.. شوية وراجع. هتفت متعجبة: -على فين!؟ أكد وهو يندفع هابطًا
الدرج: -هتعرفي لما أرجع. تطلعت إليه في دهشة. واتسعت ابتسامتها وهي تدخل الغرفة تضم جسدها بذراعيها في سعادة فقد كانت منذ لحظات بين ذراعيه وبعض قليل يعود ليدثرها بحنان قلبه ويغمرها بحبه وتصبح أحضانه موطنها الدافئ للأبد. *** جال سعيد بنظراته مستوضحًا ذاك العنوان الذي يطالعه بالورقة التي يحمل. شاهده عزوز من على البعد وهو يقف حائرًا فتقدم نحوه متسائلاً: -أي خدمة يا حضرت!؟ هتف سعيد:
-أنا بدور على عنوان بنتي.. قالوا لي ساكنة هنا في البيت ده. تطلع عزوز للورقة مؤكدًا: -آه مظبوط.. بتك اسمها إيه!؟ هتف سعيد: -اسمها سعادة. انتفض عزوز صارخًا: -مرات الواد الصعيدي اللي اسمه حِزن!؟ هتف سعيد في حنق: -مراته!؟ ده حصل إزاي وامتى!؟ هتف عزوز في فرحة غامرة: -هو كمان متجوزها من غير علمك!؟ أنا قلت من ساعة ما شوفته إنه ولد مش تمام. اندفع سعيد لداخل البيت تاركًا عزوز وصعد الدرجات مسرعًا حتى وصل
للسطح وهتف باسمها في غضب: -بت يا سعادة. انتفضت سعادة من داخل الحجرة مندفعة للخارج عندما تناهى لمسامعها صوت أبيها. تطلعت إليه بشوق واندفعت تطوقه بذراعيها إلا أنه دفع بها بعيدًا بعنف كاد أن يسقطها أرضًا لولا محاولتها التوازن لتقف متعجبة من رد فعله العجيب وهو يهتف: -اتجوزتي!؟ اتجوزتي ومن غير شورتي ومن واحد جربوع مش لاقي لقمته!؟ همت سعادة بالنطق لتوضيح الصورة له إلا أنه لم يمهلها هاتفا في غضب هادر وهو يمسك برسغها جاذبًا
إياها خلفه كالذبيحة: -ياللاه بينا.. ده مش مكانك.. مكانك أعلى من هنا بكتير.. هطلقك م الشحات ده وأجوزك سيد سيده. انتزعت سعادة رسغها من كف أبيها هاتفة بهدوء: -لكن أنا مش عايزة أسيب جوزي ومش هطلق عشان أتجوز الأحسن منه لأن مفيش أحسن منه. قهقه أبوها ساخرًا: -إيه اللي عاجبك في القرف اللي أنت عايشاه ده.. منيمك على حصير.. فيه اللي ينيمك على حرير ويتمنى لك الرضا ترضي. هتفت بإصرار: -وأنا مش هرضى إلا بيه. هتف سعيد:
-يا بنتي فوقي.. حتى متفكريش في نفسك.. فكري في أخواتك الغلابة وأبوك اللي مش عارف يأكلهم.. بموافقتك الجواز من العريس اللي أنا جايبهولك هتعيشي وتعيشينا معاكِ في عز محدش شافه. هتفت سعادة: -مابيعش جوزي ولا بكنوز الدنيا ومش هبقى بيعة وشروة عشان خاطرك أو خاطر إخواتي اللي أنت أصلًا راميهم ومش سائل فيهم. هتف سعيد في حنق: -هو ده آخر كلام عندكِ. أكدت سعادة بحزم: -ومعنديش غيره. هتف سعيد في غل وهو يهم بالمغادرة:
-تمام.. يبقى أنتِ اللي اختارني. جلست على أقرب مقعد لها في صدمة من أفعال أبيها وهي التي كانت تنتظره رغبة في إتمام زواجها من حِزن فإذا به يأتي بعد كل هذا الانتظار من أجل تزويجها من شخص آخر كصفقة رابحة تدر عليه دخلاً يسعده ويسعد أخوتها وتكون هي الخاسر الوحيد فيها. بكت وارتفع نحيبها حتى أنها لم تدرك مجيء حِزن والسعادة تحمله على جناحيها ليقف متطلعًا في تعجب لتلك التي تركها في قمة الفرح ليعود ليجدها بقمة الحزن.
اقترب حِزن منها واضعًا تلك اللفافة التي أحضرها جانبًا وأنحنى بمستواها يرفع ذقنها لتواجه نظراته هامسًا: -ليه البكا وانت السعادة كلها!؟ إذا كنتِ غيرتي رايك.. خلاص ولا يهمك. واستطرد مازحًا رغم أن داخله يتمزق: -رغم إني هموت مقهور لحد ما أبوكِ يرجع.. لكن.. هتفت سعادة بوجع: -أبويا رجع يا حِزن.. واستطردت في قهر: -وعايزك تطلقني عشان يجوزني واحد غني على هواه.
هم حزن بالرد عليها إلا أن أبوها الذي كان يقف في تلك اللحظة على أعتاب السطح وسمع حوارهما الأخير هتف بغضب وخلفه عزوز وبعض رجاله: -وهيطلقك.. برضاه أو غصب عنه. انتفض حِزن يزود عنها يقف في ثبات أمامها ما أن رأى عزوز ورجاله يقتربون منه ببطء وتشفي وعلى وجوههم ابتسامة صفراء فقد حان اللحظة التي انتظرها عزوز لينال ثأره ولكن بطريقة وضيعة كأصله.
وقعت من يديه تلك اللفافة التي كان يحملها وهو يقف كجبل شامخ يشهر كفين عاريتين إلا من قوة حق يزود بها عن سعادة التي احتمت خلف ظهره هربًا من أقرب الناس إليها.
تابع الفصل التالى من هنا
