رواية جاريتي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سارة مجدي

 

كان في مكتب راجي الكاشف سابقًا، ومكتبه هو حاليًا، داخل مجموعة الكاشف العظيمة. جلس على الكرسي الفخم خلف المكتب الراقي، ورفع قدميه على المكتب بعظمة كاذبة. يقف أمامه رجله المخلص. نظر له الشهاوي وقال: -عملت اللي قلت لك عليه. ابتسم ذلك الرجل وهو يقول: -زي ما حضرتك أمرت. ابتسم الشهاوي بانتصار وهو يقول: -مات. قال الرجل: -في المستشفى، والراجل بتاعنا هناك، وهيجيب لنا الخبر الأكيد.

أمسك الشهاوي هاتفه بعد أن هز رأسه بنعم، ووضعه على أذنه ينتظر إجابة. حين سمع صوت محدثه قال: -أتمنى رسالتي تكون وصلت. ولو القصر مبقاش باسمي خلال يومين، بنتك هتنام جنب جوزها. وأغلق الخط مباشرة وهو يضحك بصوت عالٍ. كان السيد راجي جالسًا في غرفته بقصره، الشيء الوحيد المتبقي له بعد ضياع مجموعته الكبيرة وابنته وزوجته من قبلها، ومن قبلهم الكثير. والآن، ماذا؟ لم يتبق له شيء ولا أحد. حين استمع لنغمة هاتفه.

بعد تلقيه لتلك المكالمة التي قلبت حاله، وقف سريعًا ليصعد لغرفته، أبدل ملابسه وركب سيارته وتوجه لبيت سفيان. وهناك قابل حارس العمارة، وأخبره ما حدث، وتوجه من فوره لأقرب مستشفى. كانت جالسة على كرسي الانتظار، تنظر إلى الأمام وكأنها في عالم آخر. ملابسها الملطخة بالدماء التي تنبئها بخسارة قادمة. هي دائمًا خاسرة، لا أحد يبقى معها، الكل يتخلى عنها. نظرت إلى يديها التي كانت تضعها موضع قلبه، والدماء التي تغطيها.

هل هذا ما تبقى منه؟ تذكرت ما حدث وكأنه كابوس بشع. حين كانت تقف بجانبه سعيدة لفرحة جودي واعتراف حذيفة الرومانسي لها. حين اقترب من أذنها وقال: -أنا بحبك وبموت فيكي. حياتي من قبلك ملهاش معنى، ومن بعدك موت. نظرت إليه بلوم وهي تقول: -بلاش سيرة الموت. أنا بخاف عليك، أنت اللي ليا. أنا مبقاش ليا حد غيرك، أنت كل حاجة. ابتسم في سعادة وقال: -بحبك يا أغلى ما في حياتي. ودوي صوت إطلاق ناري في لحظة خاطفة.

كانت تستقر تلك الرصاصة الغادرة بداخل صدره. وسقط أرضًا مع صرخة مهولة باسمه، ووقعت أمه عن كرسيها، وصوت أقدام أخته وصديقه، وصراخ مهيرة المؤلم باسمه. -سفياااااان! لأ لأ يا سفيان لأ، ما تسبنيش، لالالا ااااااااااااااااه. كانت جودي تبكي بقهرة وهي تصرخ: -إسعاف بسرعة يا حذيفة، بسرعة. أخويا مش هيسبني. أخويا... سفياااااان. بعد عدة دقائق، حضرت سيارة الإسعاف، وحين حملوه كان يمسك بيد مهيرة بقوة.

حاولوا سحب يدها، ولكنه متشبث بها، فصعدت معه إلى سيارة الإسعاف. وتحرك حذيفة سريعًا ليحمل السيدة نوال، وحملت جودي الكرسي وركضوا إلى السيارة. كانت تبكي قهراً وحرقة من قلب أم، ثمرة حياتها الآن بين يدي الله. ظلت تدعو الله وتستغفر وتطلب العون من الله. -لا حول ولا قوة إلا بالله. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. استغفرك ربي وأتوب إليك.

يارب هو سندي وعكازي، هو ظهر أخته وحمايتها يارب من بعدك. نجيه يارب نجيه يارب عشان خاطر مراته الغلبانة اللي محتاجاه. يارب أنت القادر على كل شيء. يارب مالناش غيرك يارب، نجي ابني يارب. يارب لو مكتوب علينا ندوق طعم الخسارة، فإني يارب هو لسه في عز شبابه وملحقش يفرح ولا يعيش. يارب. كان بكاؤها وكلماتها يوجعان قلب جودي وحذيفة، الذي يموت خوفًا على صديق بدرجة أخ وأخ بدرجة صديق.

كانت تمسك يديه والمسعفين يحاولون إسعافه وإبقائه واعيًا حتى يصل إلى المستشفى. كانت تدعو الله بصوت منخفض وهي تتشبث بيديه تناجيه أن يبقى. ومن وقت وصولهم إلى المستشفى واختفائه داخل تلك الغرفة، وهم لا يعرفون عنه شيئًا. لم يخرج أحد من تلك الغرفة ليطمئنهم. حذيفة الذي يقطع ممرات المستشفى، يصرخ في أي أحد حتى يطمئنه. كانت نوال تنظر لمهيرة التي تنظر إلى يديها بشرود. واقتربت منها وربتت على كتفها وقالت:

-قولي يارب يا بنتي. ابني قوي ومش هيتخلى عنا، بس قولي يارب. في تلك اللحظة، فتح باب تلك الغرفة وخرج الطبيب. ركض الجميع إليه إلا مهيرة، ظلت جالسة في مكانها تنظر إليهم. سأل حذيفة الطبيب قائلاً: -طمني أرجوك. نظر الطبيب إليهم بشفقة وقال بعملية:

-الرصاصة مرت بالقرب من القلب. إحنا خرجناها، لكن للأسف المريض دخل في غيبوبة. مفيش حاجة نقدر نعملها دلوقتي، هو محتاج دعوتكم. هو هيتنقل دلوقتي العناية المركزة، وممنوع الزيارة. عن إذنكم. وتركهم وغادر. حين جلست جودي تبكي بقوة وانهيار، وصمت تام من نوال. حين تحرك حذيفة ليقف أمام النافذة، يبكي في صمت. هي فقط من كانت تتوقع، هي فقط من عرفت أنه سيتركها ويرحل. هي لا تستحق، لا أحد يريد البقاء معها.

كان يكذب حين قال أنه يحبها، أنه لن يتركها. في​‌‍⁠ رواية جاريتي - الفصل 37 | مكتبة الروايات تلك اللحظة، اقتربت منها إحدى الممرضات ووضعت بين يديها متعلقات سفيان: حافظته ومفاتيحه وساعته وخاتمه الخاص. التي نظرت إليه بتركيز لتجده منقوشًا عليه اسمها. ظلت تنظر إليه، ثم وقفت وتحركت في اتجاه السيدة نوال، وضعت ما بيدها في حجرها ما عدا الخاتم، وتحركت من أمامها في سكوت. لا تعرف إلى أين، ولكنها تريد أن تراه. كانت تمشي على غير هدى حتى اصطدمت بشخص ما.

رفعت رأسها لكي تعتذر، لكنها ظلت صامتة تنظر لمن أمامها بدهشة ورجاء. ولأول مرة لا يخيب رجائها، وفتح ذراعيه لها لترتمي بين ذراعيه باكية بحرقة وبألم، تبكي خسارة كبيرة لن تعوض. ظل يربت على ظهرها دون كلام. وحين هدأت قليلاً، رفعت رأسها لترى الطبيب المسؤول عن حالة سفيان. لتركض إليه راجية: -أرجوك يا دكتور، عايزة أشوفه. أرجوك مرة واحدة بس. أرجوك أبوس إيدك. مرة واحدة بس، مرة هي مرة بس. ظل الطبيب ينظر إليها بشفقة وقال:

-حاضر. اتفضلي معايا. أخذها إلى غرفة العناية، يتبعها والدها الذي يشعر أنه سبب كل الألم في حياة تلك البائسة. وقف أمام الغرفة ينظر إلى ذلك النائم بالداخل، لا حول له ولا قوة. أخرج هاتفه واتصل بالشهاوي قائلاً: -أنا موافق. وأغلق الهاتف مباشرة وعاد بنظره إلى ابن لم ينجبه قائلاً: -أنا آسف يا ابني، آسف. حركت السيدة نوال الكرسي في اتجاه ابنتها وربتت على رأسها المنكسر قائلة:

-أخوكي هيعيش يا جودي، هيعيش. أنا واثقة أن ربنا رحيم كريم، مش هيكوي قلوبنا بنار فراقه. اجمدي كده، اجمدي. ثم رفعت عينيها لذلك الصامت وقالت: -حذيفة. نظر إليها سريعًا، لترى تلك الدمعات المتجمعة في عينيه. فقالت: -شوف لي يا ابني مكان أصلي فيه. تحرك من فوره وهو يقول: -حاضر، ثواني. عاد الشهاوي إلى قصره وهو ينادي على ابنته قائلاً: -ندى، يا ندى، أنتِ فين؟ أجابته قائلة: -أنا في أوضة المكتب.

تحرك إليها ليجدها تجلس على الكنبة الجانبية، ممدة قدميها وبيدها كتاب. نادرًا ما يجدها تقرأ، ولكنه قال: -أخذت بتارك. نظرت له من خلف الكتاب قائلة: -من مين؟ أجابها بابتسامة واسعة: -سفيان. وقفت سريعًا وهي تقول: -بجد؟ بجد عملت إيه؟ -في المستشفى بين الحياة والموت. نظرت إلى البعيد وهي تتذكر سفيان، حبها الكبير. حاولت أن تجعله يشعر بها، يحبها، ولكنه لم يرها يومًا. وحين صارحته بحبها، أهانها. لا تنسى كلماته لها.

حين وصفها بأنها مومس لا تليق به، لمتعة وقتية ثم يرميها غير عابئ بها. نظرت لأبيها بسعادة واحتضنته وهي تقول: -شكرًا يا بابا. وأنا تحت أمرك في أي حاجة. كانت دموع عينيها تغطي وجهها وهي تنظر إليه في تلك الحالة. نائم في استسلام، شاحب الوجه، موصول بأجهزة كثيرة. تقدمت منه لتقف بجانبه، ثم جثت على ركبتيها وأمسكت يده لتقبلها بحب وخوف وهي تقول: -عارفة إنك مش سامعني، أو يمكن تكون سامعني. بس في كل الأحوال هقولك اللي عايزة أقوله.

قبلت يده مرة أخرى وهي ممسكة بخاتمه بين يديها. رفعت رأسها لتمسد على يديه وهي تقول: -أنا كنت بخاف منك أوووي، أصل أنت بصراحة ضخم كده. وكنت على طول مكشر. ديمًا كنت بحس إنك أنت مش بتحبني ولا طايقني. كنت بخاف أشوفك وأخاف أكلمك، وكنت بكره أي حاجة تقربني منك. لحد ما النصيب جمعنا وعرفت إنك كل الأمان والحياة. لكن... صمتت قليلاً تحاول تمالك نفسها من الدموع وشهقاتها التي ارتفعت. حين ارتفع صوت الجهاز بجانبها قليلاً، ثم هدأ.

حين ربتت على يديه مرة أخرى وقبلتها من جديد. أكملت كلماتها وهي تقول:

-وأنا صغيرة بعدت أمي عني. ولما كبرت شوية محستش بحنان الأب. ومكنش ليا صحاب في يوم. بعد كل ده هيكون ليا نصيب فيك. واضح إني نحس، أو ربنا مش راضي عني. لو حياتك قصاد بعدي، أنا هبعد. وعيش يا سفيان، عيش يا حبيبي. أيوه حبيبي وكل دنيتي. أنت وبس. في بيتك حسيت بالأمان وإن ليا ظهر وسند. حسيت إن ممكن يكون ليا عيلة وناس بتحبني. حبيتك، واتمنيت أعيش عمري كله معاك. لأ مش معاك، تحت رجليك. جاريتك اللي تتمنى رضاك. بس واضح إني مستاهلكش.

نظرت إلى الخاتم الذي في يديها وقالت: -أنا هاخد الخاتم بتاعك ذكرى منك، لأيام هعيش عليها عمري اللي جاي. قبلت يديه مرة أخرى، ثم وقفت على قدميها لتقترب من رأسه وتقبلها، وتقترب من شفتيه لتطبع عليها قبلتها الأخيرة. ثم قالت: -وداع يا أغلى من حياتي. وخرجت وهي تسحب خلفها ألم قلبها وروحها المذبوحة. نظرت إلى والدها وقالت: -رجعت متأخر أووووي. تركت المستشفى دون كلمة.

كان حذيفة يبحث عنها هو ووجودي في كل مكان ممكن في هذه المستشفى، لكن لا أثر لها. من وقت مغادرتهم وذهابهم للصلاة والدعاء لسفيان، لم يرها أحد. وجد الطبيب أمامه، فذهب إليه سريعًا وقال: -طمني أرجوك، سفيان أخباره إيه؟ نظر الطبيب إليه وقال: -من وقت ما البنت اللي كانت معاكم دخلت له، بدأت كل المؤشرات الحيوية بتاعته تعلى. وده مؤشر عن أنه ممكن يفوق قريب جدًا. قطب حذيفة حاجبيه سائلًا: -بنت مين؟ نظر إليه الطبيب وقال:

-اللي​‌‍⁠ كانت لابسة فستان أزرق. فهم حذيفة أنه يتكلم عن مهيرة، فقال سائلًا: -هي دخلت لسفيان؟ هز الطبيب رأسه مؤكدًا. فسائله: -طيب حضرتك متعرفش هي فين؟ هز الطبيب رأسه نافيًا وهو يقول: -الحقيقة مشفتهاش تاني من بعد ما خرجت من عند المريض. ثم غادر دون كلمة أخرى. عاد حذيفة إلى حيث تجلس السيدة نوال أمام غرفة العناية وأخبرها بما عرف. قطبت جبينها وهي تقول: -هتكون راحت فين بس؟ وعند ذلك الذي يسبح خياله في مكان آخر ودنيا أخرى...

حين استمع لكل كلماتها، ومن وقتها قلبه يؤلمه، ولكنه يشعر أنه مكبل ولا يستطيع الحراك. وفي تلك اللحظة نزلت دمعة وحيدة على خده قهرًا.

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات