رواية جاريتي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سارة مجدي

 

عاد السيد راجي إلى أرض الوطن بعدما أُغلقت في وجهه كل السبل، حيث لم يستطع الوصول لسفيان، وأيضًا رؤوف هاتفه دائمًا مغلق. حين خرج من المطار، كان حارس الشهاوي واقفًا في انتظاره. تقدم منه وأمسك الحقيبة ووضعها في السيارة، وتحرك به قاصدًا قصر الشهاوي.

كان يفكر طوال الطريق أن هذه هي النهاية. لقد دمر حياته بيده. كانت صورة مريم تتجسد أمامه وهو يلوم نفسه على كل لحظة تألمت بسببه. ابنته، الذي أضاعها هي الأخرى من يده. حدث نفسه قائلًا: «أدفع ثمن كل الظلم الذي عاشته مريم معك، ومن بعدها ابنتك، وكل شخص ظلمته في يوم.» أفاق من شروده على توقف السيارة أمام السلم الكبير لقصر الشهاوي. ترجل من السيارة ليجد الشهاوي يقف أعلى الدرج ينظر إليه من علو.

ها هو ذلك الخسيس يقضي على أسطورة السوق، السيد راجي الكاشف. ظل الشهاوي على وقفته لبعض الوقت، وعلى وجهه ابتسامة نصر يقف بغرور وتكبر. خطى السيد راجي خطوة واحدة ووقف مكانه حين استمع لصوت سيارات تعبر من البوابة الكبيرة. تعرف على سيارة سفيان، وشعر بسعادة غامرة. ترجل سفيان من السيارة وترك الرجال التي كانت بالسيارات الأخرى تتعامل مع حراس الشهاوي، ووقف أمام السيد راجي. ودون كلمة، مد يده له ببعض الأوراق.

نظر السيد راجي إلى ما في يده وقرأ ما بها، ثم نظر إلى سفيان وهو مقطب الجبين. فتكلم سفيان دون مراوغة: -أنت عارف هو بيعمل كل ده علشان يستولي على مجموعة الكاشف. وبالفعل قدر يورط المجموعة في شغل مشبوه. صمت قليلاً ثم أكمل بصرامة: -هما حلين: تتجوز ندى الشهاوي وتحافظ على المجموعة باسمك وتكون شريك معاه، أو تبيع المجموعة وتنقذ نفسك. ظل السيد راجي ينظر لسفيان بتركيز وهو يفكر في كل كلمة، ثم قال: -تفتكر هو هيوافق بده؟ رفع

سفيان حاجبه الأيسر وقال: -سيب الموضوع ده عليا. في هذا الوقت، كان رجال سفيان استطاعوا السيطرة على حرس الشهاوي. الذي يتابع ما يحدث بتركيز، ولكنه مطمئن. هو لم يترك ولو ثغرة صغيرة لراجي يستطيع منها الهرب. أخرج راجي القلم ووقع الأوراق وأعادها لسفيان، الذي أشار لإحدى الرجال خلفه. فتقدم من السيد راجي وتحرك به إلى سيارة سفيان. ووقف أمام الباب.

نظر سفيان لوقفة الشهاوي لثوانٍ معدودة، ثم تحرك باتجاهه. وحين وقف أمامه، مد يده الممسكة بالأوراق إليه دون كلام. أمسك الشهاوي الأوراق واطلع عليها بنظرة انتصار، ثم نظر لسفيان قائلًا: -والقصر؟ توحشت نظرات سفيان وقال: -احلم بيه، وإن شاء الله هتلاقيه في جهنم. ونزل خطوة واحدة ثم وقف ونظر للشهاوي بطرف عينيه وقال: -لو فكرت تقرب من السيد راجي تاني، افتكر إن إحنا مبقاش عندنا اللي نخسره. وأصعب لعب ألعب مع حد معندوش اللي يخسره.

ونزل السلم سريعًا عائدًا لسيارته وركبها بجوار السيد راجي وأدار المحرك وتحرك فورًا مغادرًا ذلك القصر. كان السيد راجي يشعر بالانكسار. لقد فقد كل شيء. مجموعة شركاته الكبيرة الأسطورية، الآن أصبحت ملك ذلك المتسلق الصعلوك الشهاوي. نظر لسفيان ثم قال: -هعمل إيه دلوقتي يا سفيان؟ أنا خلاص كده انتهيت. نظر إليه نظرة خاطفة، هو يحاول أن يلجم غضبه منه كلما تذكر كلمات مهيرة. وما حدث معها وكل ما مرت به كان سببه ذلك الرجل الذي بجانبه.

تكلم سفيان كاظماً لغيظه قائلاً: -القصر لسه ملكك، ممكن تبيعه وتشوف مشروع جديد وتشتغل. ابتسم السيد راجي بتهكم وهو يقول: -هبقى أشوف هعمل إيه. صمتوا لدقائق ثم قال: -مهيرة عاملة إيه؟ وحشاني جدًا. لو ممكن يا سفيان نروح لها، أنا محتاج أشوفها أوي.

كاد أن يصرخ به: أي نوع من الآباء أنت اليوم تريد أن تراها، وأنت كنت سبب كل معاناتها، سبب إصابة قدمها وإحساسها الدائم بالدونية، حرمانها من أمها، إشعارها الدائم أنها ناقصة وليست الفتاة التي حلم بها ابنة له. الآن يريد أن يقابلها؟ لا، وألف لا. فأجابه بتشفٍّ: -آسف والله، بس هي مش في البيت، هي عند والدتها. شحب وجه السيد راجي. هل وصلت مهيرة لمريم؟ إذا هي عرفت كل شيء وماذا فعلت بها؟ إذا لا أمل له في غفران وسماح.

نكس رأسه قليلاً ثم قال: -تمام، خلينا نروح على القصر، وإن شاء الله أمشي في​‌‍⁠ رواية جاريتي - الفصل 32 | مكتبة الروايات إجراءات بيع القصر، علشان أسافر تاني. أنا مبقاش ليا حد هنا ولا مكان.

شعر سفيان من داخله بالسعادة، فمهيرة بدأت في الفترة الأخيرة تستعيد ثقتها بنفسها وحبها للحياة وإقبالها عليها، وجوده في حياتها بدعمه المشروط وحبه الكبير. وأيضًا وجود أمها بحياتها ومساندتها. وأيضًا العائلة الصغيرة التي أصبحت فيها من أهم أعضائها. كل ذلك يمكن أن يتهدم إذا رأته أمامها سبب كل مشاكلها ومعاناتها. قال سفيان بصوت هادئ: -تمام، هكلم الناس معارفنا وهما هيتصرفوا. لماذا شعر بالخيبة حين لم يعقب سفيان على كلماته؟

مؤكد عرف أي أب سي هو. عرف كل ما فعله بابنته. سفيان يريد الانتقام منه ومعه حق. الآن هو وقت الحساب. الآن يدفع ثمن كل أخطائه. وياله من ثمن مؤلم وجارح. كانت جودي تجلس بجانب زهرة تحاول أن تقويها وتدعمها. أن حالتها المنهارة تلك لن تأتي إلا بنتائج عكسية. أمسكت يدها وهي تقول: -صهيب دلوقتي محتاجك أكتر من الأول، محتاج إنك تثبتي له إنك متمسكة بيه وإن مفيش حاجة في الكون هتبعدك عنه. هو محتاج دلوقتي لقوتك وصبرك وحبك.

تنهدت زهرة بصوت عالٍ. هي تعرف ذلك جيدًا. الآن لا مجال للانهيار أو التراجع. كل كلمة قالتها جودي هي تعرفها جيدًا، لكن بداخلها خوف كبير يجعلها تشعر أن كل شيء ضاع من بين يديها. نظرت لجودي وهي تقول: -أنا عارفة يا جودي، لكن خايفة. خايفة جدًا. اللي حصل المرة دي مش مني ومنه، ده برانا وده أثر أكتر وخلّاه يرجع لإحساس إني مينفعش ارتبط بيه لأنه عاجز. رفعت رأسها إلى السماء وقالت:

-يارب خد نظري ورجعله نظره، أنا موافقة وراضية. يارب ساعدني. صمتوا قليلاً ثم قالت جودي بصوت ساخر: -عرفتي خبر الموسم؟ نظرت لها زهرة بتمعن وقالت: -خير؟ إيه اللي حصل؟ خلينا نفرح شوية. نظرت لها جودي بتهكم وهي رافعة لحاجبها قائلة: -والله... طيب اسمعي بقى يا حلوة... أنا وحذيفة خطوبتنا بعد أسبوع. كانت زهرة تنظر إليها وكأنها كائن فضائي. وقالت باندهاش وسعادة: -بجد يا جودي؟ وأخيرًا! أشارت لها جودي أن تصمت ولا تكمل حديثها قائلة:

-مش زي ما أنتِ فاكرة. أنا مش في قلبه أصلاً. ابنه متعلق بيا جدًا وعلشان كده هنتجوز. قطبت زهرة جبينها وهي تقول: -يعني إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. وبعدين جواز إيه ده اللي علشان ابنه؟ يعني إيه؟ تنهدت جودي بصوت عالٍ ثم قالت: -يعني مفيش حب من ناحيته. ده حتى مفكرش يقولها بالكذب. لأ، وسفيان مقتنع إن هو بيحبني. مش عارفة جايب التأكيد ده منين. تنهدت زهرة وهي تلوّي فمها قائلة: -هو إحنا ليه بيحصل معانا كده؟

إحنا بنحبهم​‌‍⁠ وهما بيحبونا ليه يعذبونا معاهم كده ليه؟ لتقول جودي بتهجم: -اتكلمي على صهيب. حذيفة بره الكلام ده. عم الصمت عليهم لبعض الوقت، ثم نظروا لبعضهم البعض وانفجرا من الضحك. وبعد عدة دقائق، وقف أمامهم شبح رجل كان يومًا شابًا وسيمًا. كأنه يقف أحمد صديقه لحازم أمامهم في حيرة من أمره. كانت ملابسه مهملة وشعره مشعث. يبدو عليه الإرهاق. كانت جودي تنظر له بخوف وذكرى ما فعله معها حازم تعود لها. تكلم قائلاً:

-أنا آسف يا آنسة جودي، بس ارجوكي اسمعيني. حازم عمل حادثة كبيرة ورجله اتقطعت، وكمان اتعمى. وهو عايز يشوفك ضروري. حاولت الاعتراض أو الغضب عليه واتهامه بأنه يكذب وأنها لعبة جديدة منهم. أشار لها بيده وقال: -ليكي حق متصدقيش. أخرج من جيبه ورقة مطوية مكتوب بها عنوان المستشفى ورقم الغرفة وقال: -هنا عنوان المستشفى ورقم الغرفة. ارجوكي، ده رجاء من حازم نفسه بعد ما فقد كل حاجة.

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات