رواية صاحبة السعادة الفصل الأول 1 - بقلم رضوي جاويش

 


دخل إلى الحارة في ذاك الوقت المتأخر من الليل. كانت هذه عادته أن يتسلل إلى حجرته بعد أن يكون الجميع قد هجع للنوم، حتى لا يكون مضطراً لمقابلة صاحب البيت المتهالك الذي يسكن فيه، مطالباً بأجرة الغرفة المتأخرة في سدادها للشهر الثالث على التوالي.

وصل إلى البيت ودفع بوابته الحديدية الصدئة، فأصدرت صريراً مزعجاً ينم عن غضبتها لإيقاظها من رقادها في هذه الساعة. صعد الدرجات الأربعين التي تفصله عن سطح البيت، حيث غرفته الوحيدة به. أخرج مفتاحها من جيب جلبابه وعالج به القفل بصعوبة في هذا الظلام المنتشر حوله.

دفع الباب بحذر وولج للحجرة، واضعاً ربابته على الطاولة العرجاء، وجلس بحرص متأوهاً في إرهاق على ذاك الفراش الذي يدفع النوم بعيداً عن الأعين دفعاً قسرياً، بهذه المرتبة المتأكلة والوسائد التي خلت تقريباً من القطن، وألواحه التي فُقد بعضها، فأصبح المسافة بين كل لوح وأخيه كافية لينزلق جسده بينهما. تمدد متطلعاً للسقف المشقوق بالأعلى وهمس لنفسه وهو يلتف لينام على جانبه الأيمن: "مش مهم.. كله هايبقى تمام بإذن الله."

وأغمض عينيه يحاول أن يوازن جسده على الفراش الخرب، حتى راح في سبات عميق لا يدرك كيف سيأتي الغد وهو لا يملك بجيبه ثمن إفطاره، ولا يعلم كم سيصبر عليه صاحب البيت من أجل أجرته المتأخرة. لكنه نام يحلم رغم ذلك بالغد الوردي. ••••••••••••••• صرخت نعمات في صدمة وهي تضرب بباطن كفها على صدرها في لوعة: "اتجوز عليا؟ حسبنا الله ونعم الوكيل. أشوف فيك يوم يا سعيد يابو السعد. يجي ويحط عليك." هتفت سعادة وهي تربت

على كتفها تحاول تهدئتها: "معلش يا خالتي.. عادة أبويا ولا هيشتريها يعني؟ ما هو اتجوزك على خالتي سنية ومن قبلهم كانت أمي الله يرحمها." صرخت بها نعمات في غيظ: "قطيعة تقطعك انتِ وأبوكِ في ساعة واحدة. ولما هو بسلامته اتجوز سايبك ليا أعمل بيكِ إيه؟ حاجة من ريحته؟ مستكفية يا أختي كفاية عليا دول." وأشارت لإخوة سعادة المبعثرة أجسادهم نيام. هتفت سعادة في اضطراب: "قصدك إيه يا خالتي؟

جذبت نعمات كف سعادة ودفعت بها باتجاه باب الشقة، التي لا يصح أن يطلق عليها لقب شقة من الأساس. فهي عبارة عن حجرة بدور أرضي، كانت في الأصل غرفة مخزن، مكونة من اتساع كبير تم تقسيمه بأغطية الفراش الممزقة لحجرات يتجمع بها أخوتها الخمس كما تراهم اللحظة، حتى أنه لا متسع لحركة قدم توضع ما بين التصاق أجسادهم. فتحت نعمات الباب ودفعت بسعادة خارج الشقة هاتفة: "روحي يا أختي لأبوكِ ومراته الجديدة. خليها تنفعه وتنفّعك."

وأغلقت الباب في وجهها بعنف. أجفل سعادة التي وقفت على أعتابه متشبثة بأسياخ الطاقة الحديدية، وطرقت في تضرع: "افتحيلي والنبي يا خالتي. افتحيلي ومن النجمة همشي. طب أبَات الليلة دي بس وبعدين أعرف أبويا فين وأروح له."

فتحت نعمات الباب بالفعل، لكن ليس لأن قلبها رق لابنة زوجها، ولكن لتدفع ببعض ماء من دلو قذر أمام باب الشقة حتى تمنعها من النوم حتى على الأعتاب. مما دفع سعادة لتشهق في صدمة تحاول تجنب الماء حتى لا تبتل ملابسها، مندفعة باتجاه الدرج تعتليه للخارج، وهتفت في قلة حيلة وزوجة أبيها تهم بغلق الباب: "طب هاتي هدومي من جوه." هتفت نعمات في غل: "هدوم إيه يا أم هدوم؟ هي الهلاهيل دي بتسميها هدوم؟ روحي ياللاه اتكلي على الله. روووحي."

صرخت نعمات بكلمتها الأخيرة في غضب وهي تغلق الباب بوجه سعادة في عنف كاد أن يخلعه، لتتركها وحيدة في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل، لا سقف يظلها ولا تملك مليماً واحداً تضمن به قوت يومها على الأقل. كانت تنوي النوم أمام عتبة البيت حتى الصباح، لكن ما باليد حيلة وقد أصبح المكان كله مبتلاً بماء قذر، مما دفعها لتكمل صعود الدرجات التي تفصلها عن باب البيت، متطلعة للعالم المجهول خارجه، لا تعلم ما عليها فعله. *****************

"ما هذه الصرخات والهتافات المدوية؟ أما من سبيل للنوم براحة في هذه الحارة المنكوبة بسكانها؟ تعالت الصرخات من جديد، ليستشعر أن الأرض تميد به مترنحة، وتنبه لتحذير واحد وصل لمسامعه جعله ينتفض من سباته، ملتقطاً ربابته واندفع يقفز الدرج في سرعة، ليتزاحم جسده مع باقي سكان العقار الذي يبدو أنه ينهار في تلك اللحظة على رؤوس قاطنيه.

لحظات وكان يلتقط أنفاسه في تتابع من أثر الصدمة، بعدما أيقن أنه نجى بأعجوبة من الموت تحت أنقاض ذاك البيت الذي يبصره بالكاد من بين غبار ركامه المتطاير المنتشر هنا وهناك، حاجب الرؤية عن الجميع.

جلس بأحد الأركان البعيدة عن ذاك الصخب والعويل، وقد استيقظت الحارة كلها على صوت انهيار المنزل ليتحول بها الليل لنهار. ما عاد له بقاء بهذه الحارة، ولم يعد لديه ما يربطه بها. هو يعلم حظه التعس، وماذا بعد الحزن اسماً حتى يعلم أن الحزن سيرافقه دوماً طوال حياته. ألا يقولون أن لكل امرئ نصيب من اسمه، فماذا ينتظر واسمه هو.. حِزن.

كان أمامه العديد من البيوت ليسكن بها، لكنه لم يختر إلا هذا البيت. وما العجب وقد أيقن تماماً أن لا اختيار جيد واحد قام به في حياته. نهض مبتعداً وسار حتى كلت قدماه، ولا يزال النهار بعيداً وهو تقريباً لم يغمض له جفن. وجد نفسه أمام خرابة بنهاية إحدى الحارات. دخلها وجلس على أحد الأحجار الموجود بها، مستنداً برأسه على الجدار الملاصق، محتضناً ربابته متشبثاً بها، وراح في نوم عميق. •••••••••••••••••••

كان البرد ينخر عظامها وهي لا ترتدي إلا تلك العباءة التي لا تقيها قرصاته. كانت ترتجف موضعها، لكنها قررت العبث بما حولها لعلها تجد غطاء ما ممزق أو بعض القطع الكرتونية التي يمكن جمعها لتصنع لنفسها حائط صد أمام تيارات الهواء البارد الذي يكاد يحولها إلى تمثال متجمد. تحركت هنا وهناك، وما أن عثرت أخيراً على بغيتها ووجدت ذلك الصندوق الكرتوني، حتى سمعت صرخات رجولية مصدومة تهتف في​‌‍⁠ رواية صاحبة السعادة - الفصل 1 | مكتبة الروايات ذعر: "عفريتة.. عفريتة الخرابة."

تطلعت لموضع الصوت محاولة استيضاح مصدره في ذاك الظلام الدامس، إلا من لمبة خافتة الضوء بأحد أعمدة الإنارة التي تقف كأشباح ما عادت تخيف أحداً، لتجده لشاب يقف مرعوباً ملتصقاً بالحائط خلفه. اقتربت منه تحاول إظهار حقيقتها، إلا أنه صرخ من جديد: "عفريتة.. لا تؤذيني ولا أؤذيكِ. انصرفي.. انصرفي." لكنها لم تنصرف، بل كانت تقترب منه أكثر بغية تهدئته وتأكيد هويتها البشرية، لكنه لم يحتمل الصدمة وسقط غائباً عن الوعي.

••••••••••••••••••• انتفض مبتعداً ما أن لامس وجهه رزاز المياه الذي اندفعت تحضره من أقرب صنبور عمومي، وهم بأن يصرخ من جديد وهو يرى ذاك الشبح لامرأة متشحة بالسواد تطل عليه في رقدته، إلا أنها هتفت في محاولة لطمأنته: "أنا مش عفريتة، متخافش. أنا إنسية." هتف في شك: "احلفي بالله إنكِ بني آدم زيي زيك." هتفت مؤكدة: "والله العظيم أنا بني أدمة زيك بالظبط." هتف متعجباً: "طب إيه اللي جابك الخرابة في وقت زي ده؟ هتفت مجيبة:

"هو نفس السبب اللي جابك." اعتدل قليلاً وهو لا يزال يتوجس منها، لتستطرد متسائلة: "انت صعيدي؟ أكد في اعتزاز: "أيوه. ليه؟ ابتسمت هاتفة في سخرية: "أمال اتخضيت ليه ووقعت من طولك؟ هتف في غيظ: "إني مترعبتش. إني بس اتخدت على خوانة." هتفت تشاكسه: "اتخدت على خوانة؟ هو العفاريت في بلادكم بيدوك خبر قبل ما تظهر ولا إيه؟ هتف في غضب: "لااااه بجولك إيه؟ إني محدش يتريق عليّ. ده إنّي راجل وسيد الرجالة كمان." همت بالنهوض هاتفة:

"تشرفنا يا سيد الرجالة." هتف متعجباً: "على فين يا اسمك إيه انتِ؟ هتفت مجيبة بلامبالاة: "اسمي سعادة. سعادة سعيد أبو السعد." قهقه وقد واتته الفرصة للأخذ بثأره على طبق من فضة: "حصل لنا منتهى الانشراح." تجاهلت سخريته متوجهة إلى حيث وجدت صندوقها الكرتوني لتحمله حيث ذاك الطرف الخفي من الخرابة، لتحصل على قسط من النوم في تلك الليلة العجيبة التي يبدو أنها بلا نهاية. وهتفت تستحثه ليعود لموضعه مبتعداً عنها:

"انت يا صعيدي. ارجع مكانك بقى وسبني في حالي. خلي الليلة دي تعدي على خير. كفاية البرد اللي متوصي بيا ده. هموت متجمدة." وهمست تحدث نفسها حتى ظن أنها جُنت: "ليه كده بس يا عم سعيد؟ ده وقت جواز! طب كنت استنى الصيف واتجوز براحتك. اهو ما كانش الواحد اترمى في البرد ده." سمع همهماتها فاستحثته نُخوته ليقترب من موضعها، يخلع عنه كوفيته الصوفية التي كان يتلحف بها، ومد كفه بها إليها هاتفا: "خدي يا ست بهجة." هتفت متطلعة

من خلف جدارها الكرتوني: "اسمي سعادة. وبعدين آخد إيه؟ مش.." أخرست كفه الممتدة بكوفيته لسانها متطلعة إليها في رغبة لجذبها على الفور، لكنها همست متسائلة رغم إدراكها مقصده: "إيه ده؟ هتف مؤكداً: "الكوفية عشان تدفيكي. البرد الليلة دي شديد جوي." همست وهي تمد يدها بالفعل تتناولها متسائلة: "وانت؟ أكد مشيراً لصدره: "متجلجيش. إنّي متعود على النوم في الطل."

بدأت في فرد الكوفية الصوفية العريضة متلحفة بها في سعادة غامرة، وقد شعرت أن الدفء قد بدأ يغزو جسدها قليلاً، فهتفت ممتنة: "أنا متشكرة قوي يا.." ثم هتفت متسائلة: "صحيح.. مقلتش هو انت اسمك إيه؟ تردد قليلاً قبل أن يهتف أخيراً: "حِزن." تطلعت إليه في شك، لكنها ما أن أيقنت أنه اسمه الحقيقي فعلاً، حتى انفجرت ضاحكة وهتفت من بين قهقهاتها: "بتهزر صح؟ أكد في غيظ:

"لاااه. ده اسمي يا ست سعادة. حِزن عايش الضنك. واوعاكِ تضحكي وإلا هرجع في كلامي وآخد كوفيتي وأغور." لم يكن الأمر محتملاً. حاولت أن تضغط على نفسها لتمنع تلك القهقهات التي تتزاحم بحنجرتها لتخرج صادحة. جاهدت جهاد الأبطال لوأدها، لكنها لم تستطع، لتخرج مجلجلة في تلك الساعة من الليل. وفي ظل محاولاتها لتحد من صخب تلك القهقهات، تعجبت عندما وجدته يشاركها ضحكاتها في أريحية ولم يغضب كما كان يدعي، بل إنه هتف من بين ضحكاته:

"ليكي​‌‍⁠ حق تضحكي والله. هو ده اسم يرضي ربنا؟ أجول إيه بس؟ الله يسامحك ياما." ابتسمت ولم تعقب، ليهتف وهو يشير لموضعه السابق: "إني راجع مكاني. لو احتجتي حاجة نادمي عليّ. جولي يا حِزن الحزن هتلاقيني قصادك." ضحكت لمزاجه هاتفة: "زي جزر بتاعت إسماعيل ياسين؟ همست بدورها خلفه: "وانت من أهل الخير."

اتجه إلى موضعه الأول وأنزل طاقيته الصوفية حتى مستوى أذنيه، وضم جسده بذراعيه جلباً لبعض الدفء، محاولاً الخلود للنوم من جديد قبل أن تستيقظ الحارة.

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات