رواية تلميذ الجن الفصل الخامس والاربعون 45 بقلم جمال الحفني
**الجزء الخامس والأربعون**
الأرض تحت رجلي كانت مرسومة, أرض الغرفة كلها كانت مرسومة, خيوط متداخل جديدة وقديمة كإنها شبكة عنكبوت, بصيت حواليا الجدران كانت عليها تكملة الرسومات, لكن بشكل أهدى, كإنها ذيول أو مكملات الطلسم, قلت وأنا باصص في عنيه اللي فرحان بالقوة اللي فيهم وأظهرت إني مش واخد بالي منها أساسا, وقولتله كإني بدردش مع واحد صاحبي, كنت وسيط؟
سكت وبعدين رفع راسه وبصلي وعنيه لمعت لمعة مش مريحة وقال بفخر, وكنت شاطر..
مرهوب اتحرك جوايا, صوته كان جاف وهو بيقولي دا كداب..
سألته كسرت العهد ليه؟
وقف وهو بيبتسم ببطء وقال العهد؟ سكت وقال العهد معمول للضعيف, للي محتاج إذن عشان يستخدم القوة..
سكت ثانية وقال وهو بيقرب مني خطوة, أنا مبقيتش محتاج عهد..
الهوا بينا كان تقيل, والإحساس اللي جه في اللحظة دي كان واضح, مش مس, مش تلبس, دا اتفاق اتطور لحاجه تانية, قولتله بدأت تستخدم الطقوس لنفسك وبس؟
ما ردش عليا, بس عينه راحت ناحية الأرض, بصيت عليها بالمثل وشوفتها, بقعة سودة شكلها مكانش مفهوم في الأول, لكن لما ركزت فهمت, كان فيه أثر لجسم صغير, ولما ركزت أكتر شوفت أثر لأكتر من جسم, بصيت ناحيته وأنا بحاول أداري اشمئزازي وقولت بهدوء تقيل, أطفال؟
سكت وبعدها قال بصوت واطي جدا كإنه بيقول لنفسه قبل ما يقولي, الأطهر هم الأسرع استجابة..
مرهوب انفجر جوايا, وقال اقتله, اقتله,اقتله, كررها مرات كتير في كل مرة كان غضبه بيزيد وبيفقد السيطرة عليه, لكن شدام قال كلمة واحدة, اسمع!
قولتله انت مكنتش بتقدم, انت كنت بتاخد وبس..
ضحكته جات طويلة المرة دي وقال كنت بدفع طبعا بس زي ما اتعلمت..
وقتها الصورة جاتني تاني, مش رؤية كاملة ومش بإرادتي, كانت لقطات سريعة, شوفته فيها قاعد قدام دايرة بيحط حاجه في النص, طفل ميت مرسوم على بطنه رموز وطلاسم وبعدين حاجه بتتحرك في الضلمة, بتتحرك في لمح البصر تاخد الطفل في بقها وترجع للضلمة تاني, الصوة اختفت!!
رجعتله وقلبي مقبوش من اللي شوفته, وسألته وبعدين؟
سكت لحظة كان بيقرر فيها يقول ولالا, وبعدين قال طلبوا مني أكتر!
نبرة صوته اتغيرت بقى فيها حاجه قريبة من الغضب, قال كل مرة أكتر وفي وقت أسرع, وأنا بديهم!
سكت وبعدين رفع عنيه اللي لمعت بس المرة دي كانت لمعة مخلوطة بالحزن أو الندم وقال بس أنا مكنتش باخد كفاية زي ما بعطي!
بعدها كان واضح عليه إنه عايز ينهي النقاش ويدخل في الصراع مباشرة بعد ما قالي كل حاجه, فبكدا المفروض يتخلّص مني, لغة جسده كانت واضحة بالنسبالي, قولتله وأنا بتقدم خطوة لقدام, صدر عليك الحكم, الهوا حوالينا بدأ يهتز بشكل خفيف لكنه واضح, ابتسملي ابتسامة ساخرة ومتحدية وفي اللحظة دي حسيت بحضور طاغي في الأوضة, طاقة كبيرة حضرت في المكان, زي ما يكون معاك لمبة صغيرة ودخلها تيار كهربائي بقوة مليون وات..
ظهر كيان ضخم ورا حمدي كأنه ظل انفصل عن العالم الحقيقي وقرر يعيش لوحده جسمه الضخم ماكانش له حدود واضحة, كأن أطرافه بتذوب في الهوا وترجع تتشكل تاني, وعينيه كانت زي بوابتين مفتوحين على نار قديمة, نار مش بس بتحرق لكن بتفهم وبتراقب وبتحكم!
الصمت ملا المكان..
وقفت ثابت رغم إن كل خلية فيا كانت بتصرخ من الخطر, رفعت عيني وبصيت مباشرة في عين الكيان وبعدين بصيت في عيون حمدي وقلتله بصوت حاولت اخليه قوي أنا مش جاي أجادلك ولا أختبرك أنا جاي أنفذ حكم صادر عليك سواء أنت أو اللي واقف وراك دا..
الكيان مال رأسه ببطء حركة بسيطة لكن فيها احتقار واضح, وصوته لما خرج كان تقيل كأنه بيتسحب من أعماق الأرض, وقال حكم مين اللي يقدر يتنفذ عليا؟ أنا اللي شفت بداياتهم وسير حياتهم, أنا اللي كانوا بيستنجدوا بيا قبل ما يبقوا سادة عليك!
قبل ما ارد عليه ولا أعرف حتى أقول إيه, الأرض اهتزت تحت رجلي وظهر شدام على يميني زي دوامة من دخان أسود عيونه مشتعلة بالغضب ومرهوب على شمالي جسده صلب وعريض وكأنه جدار اتحرك من مكانه, الاتنين كانوا مستعدين لكن في عيونهم كان فيه اعتراف صامت إن المواجهة دي مختلفة!
شدام همسلي بصوت منخفض لكن حاد, الكيان دا اسمه زولغار من الفصائل اللي اتحذفت من السجلات القديمة قوته مش طبيعية حتى علينا!
مرهوب شد كتفه لقدام وقال وهو مركز عينه على الكيان سيبوهولي حتى لو قدرت أوقفه ثواني بس هتفرق..
من غير انتظار رد اندفع مرهوب فجأة بسرعة غير طبيعية, التراب اتفجر تحت رجليه وهو بيهاجم الكيان مباشرة لكن الكيان ما اتحركش غير لما مرهوب قرب منه خطوة واحدة رفع إيده ببطء وكأن الزمن نفسه بقى تقيل فجأة جسم مرهوب اتجمد في نص الهوا! وبعدين اندفع للخلف بقوة مرعبة خبط في الأرض وخد معاه طبقة كاملة من التراب, صرخة مكتومة خرجت منه وهو بيحاول يقوم لكن جسده كان بيرتعش كأنه اتكسر من جوه!
شدام زأر بصوت مليان غضب ودا نادرا لما بيحصل, واتحول لإعصار أسود لف حوالين الكيان بسرعة رهيبة, التراب اترفع عن الأرض والهواء بقى زي سكاكين بتقطع في كل اتجاه لكن الكيان غمض عينه لحظة واحدة بس, ولما فتحهم تاني الإعصار كله اتفكك كأنه ماكانش موجود شدام اترمى بعيد ووقع على الأرض وساب وراه حفرة عميقة وسكون تقيل!
حسيت إن الأرض بدأت تميل تحتي, لأول مرة الإحساس بالعجز لمس قلبي لكن ماكانش فيه وقت للتردد, الكيان بدأ يتحرك ناحيتي خطوة ورا خطوة. وكل خطوة كانت بتخلي الواقع نفسه يتكسر حواليا, وقال بصوت بارد دلوقتي هتعرف حجمك الحقيقي..
رفعت إيدي بسرعة وبدأت اتمتم بكلمات الطقوس الخاصة بجرموق, أول حضور للجن المنضم ليك جديد لازم يكون بطقس معين, صوتي كان بيترعش في الأول لكن بدأ يقوى تدريجيا الرموز اللي تحت رجليا بدأت تلمع والتراب اتجمع حواليا كأنه درع بيحميني, الطاقة اتصاعدت حواليا في شكل دوامات خفيفة لكن فجأة الكيان رفع إيده بإشارة صغيرة جدا وقطع كل حاجة..
الصوت اختفى, الضوء انطفى, وكل القوة اللي كانت بتتجمع انهارت في لحظة انفجار خافت رماني على ضهري وخلاني اتنفس بصعوبة وأنا حاسس بطعم الدم في بقي..
الكيان قرب أكتر رفع إيده ببطء وكأن اللحظة دي كانت النهاية الحتمية وقال بصوت هادي مفيش حد هينفذك من الحكم اللي أنا أصدرته عليك, نقلت عيني بين الكيان وبين حمدي اللي رجع قعد واداني ضهره كإن اللي بيحصل دا مش هامه, وكإنه كمان متأكد من قوة الكيان اللي معاه..
وقبل ما ينزل إيده سمع صوت واطي جدا, صوت مش عالي لكن تقيل, كأنه جاي من زمن تاني صوت مش محتاج يصرخ عشان يتسمع..
كفاية..
الهواء نفسه سكت..
الكيان وقف مكانه وبص ببطء وراه...
جرموق كان واقف وراه بعيد شوية لكن حضوره كان مالي المكان, ملامحه هادية بشكل غريب, مش مرعب زي الباقيين, لكن عيونه كانت ثابتة فيها برود يخوف أكتر من أي غضب, قال بصوت ثابت أنت طول عمرك بتتهرب من المواجهة المباشرة يا زولغار تختار الضعيف وتستخبى في الظل؟
زولغار لف له بالكامل, أول مرة يظهر اهتمام حقيقي, وقال وأخيرا ظهر حد يستحق!
في لحظة واحدة الأرض تحت رجليه اتشققت بصمت, وطلعت منها سلاسل سوداء ضخمة, مسكت أطرافه بسرعة مرعبة, زولغار زأر وبدأ يحاول يتحرر, طاقته انفجرت حوالينه والجو كله اتشوه, لكن جرموق رفع إيده بهدوء, والسلاسل شدت أكتر وصوته خرج لأول مرة فيه غضب مكتوم, وقال الحكم اتأجل كتير لكن ما بيتنسيش..
السلاسل بدأت تتكسر واحدة واحدة, قوة زولغار كانت بترجع بشكل مخيف, فجأة كل حاجه حوالينا اتغيرت واتحولت لساحة ضخمة من القتال والمعارك, الكيانين انطلقوا ناحية بعض واختفوا, وبدأت تظهر ومضات غريبة في السما, هنا وهناك, زئير, غضب, صراخ مكتوم, أصوات اصطدام وحاجات بتتكسر وفي الأخير ظهر جرموت وهو حاطط إيده على صدر زولغار..
لحظة صمت..
كل حاجة وقفت حتى الرياح..
كنت ببص ومش قادر اتحرك أو اتكلم
جرموق قرب وشه من زولغار وهمس في ودنه, التنفيذ انتهى..
وفجأة
جسم زولغار بدأ يتشقق من الداخل خطوط سوداء انتشرت فيه كأنه بيتكسر من جوه, عينيه اتوسعت بشكل مرعب, وصوته اتقطع لنصين قبل ما يطلع, جسمه كله انهار, واتحول لغبار أسود اتفجر في الهوا واختفى تدريجياً كأنه ماكانش موجود من الأساس!
الجو رجع لأوضة حمدي..
الهواء رجع يتحرك..
الصمت بقى أخف..
شدام بدأ يتحرك بصعوبة, ومرهوب زحف ناحيتي, كان لسه على الأرض بيحاول يستوعب اللي حصل..
رفعت عيني وبصيت لجرموق وقلت بصوت متعب, انت كنت فين كل دا؟
جرموق لأول مرة يبتسم..
إحساس تقيل فضل معلق في الجو..
إن اللي حصل دا ماكانش مجرد إنقاذ..
كان استعراض قوة..
وإن جرموق مش تابع عادي..
وإن في أسرار أعمق لسه مستخبية..
وقبل ما اسيب الأوضة, كان حمدي مصلوب على الحيطة وجسمه بيدوب زي الشمع والجزء اللي بينزل منه على الأرض بيختفي..
#تلميذ_الجن
جمال الحفني
