سكريبت ست الحسن (كامل) بقلم مارينا عبود
- وبعدهالكِ يا ست الحُسن ؟
- مالي يا أم عيون حلوين؟
- هتفضلي موقفة حياتك لحد أمتى؟
ابتسمت وحضنت الدبدوب بتاعي وقلت بهيام:
- لحد ما أمنيتي تتحقق.
- مش كل الأمنيات بتتحق يا جميلة القلب.
- بس أنا واثقة إن أمنيتي هتتحقق، وقلبي هيتراضى، و هينول من الدنيا مُراده.
اتنهدِت بغلب وهي بتبصلي بقلة حيلة وقالت:
- برضوا مصممة تعلقي قلبكِ بحبال دايبة؟
- طيب قوليلي أعمل إيه؟ من بين ملايين قلوب الرجال، قلبي مخترشِ غير قلبه.
- يابنتي افهمي.. حُبكِ دا من طرف واحد، هو دلوقتِ لا يعرفكِ ولا البال بيكِ بقىَ مشغول.
شربت رشفة من فنجان القهوة، ابتسمت وقلت بحب:
- متخفيش يا ميرا، هييجي يوم ونرجع نملك القلب، والبال بينا يكون مشغول.
ضربِت كف بكف وقالت بيأس:
- ملعون أبو الحب اللي جنن دماغكِ يابنت عمي.
- الحب دا أعظم شعور في الكون.
- دا لما يكون لشخص يستحق حُبكِ.
- بس هو يستاهل أحبُه وأفضل سنين عمري مستنياه.
- مستحيل يرجع تاني من بعد ما ساب داره والغربه بقت عنوانه.
- هيرجع يا ميرا، قلبي بيقولي هيرجع، وهترجع الدار تجمعنا من تاني.
- خليكِ في عالم الأوهام بتاعكِ وأنا هروح أشوف يوسف.
سابتني وطلعت وهي مضايقة على حالي، فبصيت لطيفها وضحِكت، شربت فنجان القهوة، وطلعت وقفت في البلكونة وأنا بتأمل النجوم والليل، حطيت إيدي تحت خدي بهم، وقلبي رجع يسألني عليه، والبال انشغل بالتفكير فيه..
أخبار حبيب العمر إيه ؟
فاكرني ولا الغربة نسته مين أنا؟
يا ترى قلبه حب وداب ولقاله ونيس غيري؟
ولا قلبه وحيد زي قلبي اللي مستني لقاه؟
- أنتَ فعلًا هتمشي؟
- مبقاش ينفع نقعد هنا أكتر من كده.
- طيب ليه؟
- الناس اللي هنا مش بيحبونا.
- كدب، كل اللي هنا بيحبوك.
ضحك بسخرية وقال:
- تمثيل، حبهم وكلامهم كله تمثيل، الحقيقة إن مفيش حد فيهم بيحبنا.
- خلاص، ابعدوا عن البيت، بس خليكم في نفس البلد، ليه تهاجروا وتتركوا بلدكم وداركم بسببهم؟
- بابا خلاص أخد قراره يا إيميليا.
- وأنتَ شايف إن قراره دا صح ؟
- قرار البُعد دا أفضل قرار أخدُ لأجل نكمل حياتنا في أمان.
اتعصبت وقلت بإنفعال:
- يعني أنتَ مبسوط لأنك هتبعد عن بلدك وأهلك وصحابك؟
- مش مبسوط، بس بكرة السنين تعدي.. وهتعود وهبدأ صفحة جديدة.
- يعني هتنسانا؟
- مقدرش انساكم، هتفضلوا في قلبي مهما الدنيا بعدت بينا.
- طيب هترجع تاني؟
اتنهد تنهيدة طويلة وقبل ما يرد عمتي نادت عليه بصوت عالي:
- يلا يا راكان علشان نمشي.
بصيت لُه بعتاب فبصلي بحزن والتفت علشان يمشي قبل ما يرد على سؤالي، مشي كام خطوة فرفعت صوتي وقلت :
- أنتَ مجاوبتش على سؤالي! هترجع تاني؟
التفت وبصلي، ابتسم إبتسامة بسيطة وقال:
- لو رجعت في يوم، فأنا هرجع علشانكِ.
ابتسمت وقلت بثقة وصوت مخنوق :
- هستناك ترجع تاني.
ابتسم وشاورلي ومشي، مشي وساب قلبي وحيد من بعدُه، مشي وقلبه نسيني، نسي صداقتنا، نسي أيامنا، نسي وبقى كل شيء ذكرى، بس أنا مقدرتش انسى، مقدرتش اطلعه من قلبي واعمل صحاب جديدة زي ما هو عمل، هو قدر بس أنا مقدرتش.
- بتعملي عندكِ إيه يا إيميليا؟
فوقت من شرودي وقلت بتوتر:
- كنت بشوف الزرع يا جدي.
- طيب تعالي عاوز اتكلم معاكِ في موضوع.
- حاضر.
رجعت بصيت للبيت اللي قصادنا بحزن، كان في يوم لينا في ذكرى، حكاية جميلة جمعتنا، كنا أحباب قبل ما الدنيا تفرقنا، وتأخد كل واحد منا لطريق، وشكله الغريب مش ناوي يعود من تاني للدار، والقصة خلاص هتعلن نهايتها بعد طول انتظار.
- خير يا جدي؟
- تعالي يا حبيبتي اقعدي.
اتنهدت وقعدت جنبه فابتسم وطلع البوم ذكريات قديم محتفظ بيه، فتحه وفضل يوريني صور العيلة وهما صُغار، ومن ضمن الصور صور صديق طفولته جدو توفيق، جد راكان، وفضل يحكيلي عن صداقتهم الحقيقية وذكرياته معاه، كنت حاسه بشيء غريب، حسيت جدي بيمهدلي لأجل يقولي موضوع كبير...
- قولي يا جدي، إيه اللي فكرك بكل الذكريات دي؟
- أصل جدكِ توفيق طالب مني طلب كبير.
- ويطلع إيه الطلب دا يا جدي؟
- طالب القرب بينا يعود من تاني.
اتنهدت وقلت بضيق:
- وإحنا أمتى بعدنا عنهم يا جدي، البيت في وش البيت، والعيلتين رايحين جايين على بعض، دا كفاية أنه أخد مننا عمتي نوارة وبسببهم تركت الدار والعيلة وهاجرت للبلاد البعيدة.
- جوز عمتكِ اللي قرر يأخد عيلته ويهاجر بعيد.
- بسبب مين ؟ مش بسببهم؟
قولتها بإنفعال فاتنهد وقال بحزن:
- الشر لما بيدخل بين الأخوات يا بنتي بيحولهم لأعداء.
- بس جدي توفيق معرفش يراضي قلوب الكل يا جدي.
- طول ما الطمع دخل قلوبهم عمر قلوبهم ما هتتراضى.
- يعني عم يوسف كان طماع ؟
- مكنش طماع، لكنه كان جبان، معرفش يواجه فقرر يهرب ويسيب كل شيء وراه.
- كنت عاوزه يعمل إيه وهو حاسس إن كل اللي حوليه مش بيحبوه؟ حتى ولاده مكنوش حاسين بالأمان في وجودهم هنا.
- وأهو الغربة خدتهم من ناسهم وبلادهم، ومرت سنين طويلة لا شوفناهم ولا حتى شوفنا ولادهم.
اتسند على عصايته وقعد على كرسيه بزعل، الحنين للناس اللي بتحبهم شيء صعب، خصوصًا لما يكون قلبك متعلق بيهم، وتيجي الغربة فجأة تخطفهم منك، ومتبقاش قادر تشوفهم وتطمن على حالهم، في البداية كانوا قريبين حتى رغم البُعد، كنا بنكلمهم طول الوقت، لكن فجأة السؤال قل، والبُعد زاد مع المسافات، وبقى السؤال والاهتمام كل فين وفين، واللي دام بس هو شريط الذكريات، والحنين لأيام زمان والحكايات.
- متقلقش يا جدي، هييجي يوم والغايب يعود للدار، والعيلة ترجع تجتمع من تاني زي زمان.
- أمتىَ بس يا بنتي؟
قالها بحزن فاتنهدت وابتسمت بحب:
- قريب إن شاء الله يا جدي، قلبي بيقولي قريب هيرجعوا تاني، وهيرجع البيت ينور بوجودهم ولمتهم حوليك.
ابتسم وقال بحنان:
- إن شاء يا جميلة القلب.
ابتسمت، بحب أوي لقب جميلة القلب اللي جدي بيناديني بيه، والعيلة بقت بتناديني زيُه، من صُغري وهو بيشوفني أحن وأجمل قلب في احفادة الحلوين، لكل حفيد عنده ميزة ولقب مُميز، العيلة بالنسبة لجدي شيء مقدس، بيحب يجوز أحفاده لبعض علشان مفيش حد فيهم يبعد عن عينه والبيت بوجودهم يكون مليان، وأنا زيُه بحب اللمة والعيلة الكبيرة، لكن أكتر شيء مرعب بالنسبالي هو فكرة إني اتجوز شخص غير اللي قلبي رايده ومستني لقاه...
- مقولتليش يا جدي، جدي توفيق حابب يأخد مين تاني من العيلة؟
ابتسم وقال بمرح:
- طالب إيدكِ أنتِ ياست الحلوين.
عيوني وسعت، قلبي دق بسرعة كبيرة وقمت من قدامه، عطيته ضهري وقلت بسرعة:
- وطلبه دا مرفوض يا جدي.
- كل مرة بترفضي عريس من بره العيلة بكون مبسوط ومش بسألكِ عن الأسباب؛ لأني بكون حابب يوم ما تتجوزي تتجوزي شاب من العيلة علشان تفضلي تحت عيني وقريبة مني، ودلوقتِ الشيء اللي بتمناه حصل، ممكن تديني سبب مقنع للرفض دا!
بلعت ريقي وقلت بتوتر وأنا بفرك في إيدي:
- أنا مش عاوزه اتجوز دلوقتِ يا جدو.
قام من على كرسيه ووقف قدامي بوقار وهدوء يليق بيه، ابتسم إبتسامة بسيطة وقال بحنان:
- إيميليا أنتِ خلاص خلصتي دراستكِ وجه وقت نفرح بيكِ زي أخواتكِ، وأنا مش هلاقي أحسن وأجدع من أسامة عريس ليكِ.
بصيت لُه بحزن، كان نفسي أقولُه سبب رفضي الحقيقي لكني سكت، مقدرتش اصارحه باللي في قلبي، مقدرتش احكيلُه عن انتظار قلبي وأمنيتي اللي ليل نهار بدعي بيها، اصلي هقولُه إيه ؟
هقوله بحب شخص مفكرش يسأل عليا طول السنين دي!
مفكرش يطمن على حالي وحال قلبي!
هقوله إن غصب عني قلبي لسه مش قادر ينسى..
مش قادر يخوض طريق جديد.
رافض يتقبل فكرة إن حبيبه نسيه مع الأيام
ويا عالم في يوم هيعود تاني ولا خلاص بقاله حياة واختارله ونيس للعمر الجاي..
- اسمعي يا إيميليا، أنا وأبوكِ مش هنجبركِ على حاجة مش حباها، لكن اقعدي مع الشاب واتكلموا وبعد كده خدي قرار.
- بس يا جدي...
قاطعني بهدوء ونبرة حنينة:
- متقلقيش، لو مرتحتيش هنقفل الموضوع كأنه ما كان، لكن أنت ميرضكيش تحرجي أبوكِ وجدكِ بعد ما عطينا كلمة للناس.
- طيب يا جدي، موافقة اقعد معاه.
ابتسم بفرحة وعيونه لِمعت فابتسمت على فرحته وأستاذنت وسيبتُه وطلعت أوضتي، قعدت على سريري ومسكت صورة جميلة جمعتنا وعيطت، الحب اللي من طرف واحد دا شيء بشع، بيستنزف طاقة الإنسان من غير ما يحس، وأنا للاسف وقعت في حبه، واستنيته سنين على أمل يرجع تاني ويطمن قلبي، لكنه مرجعش.. وأنا قررت ابطل انتظار، واستسلم للقدر اللي جاوبني على السؤال بإن الحبيب لا يُمكن تاني يعود للدار.
- بتعيطي ليه؟
ميلت برأسي مسحت دموعي بسرعة ورجعت رفعت رأسي ليها، ابتسمت إبتسامة بسيطة وقلت بمرح:
- اعيط إيه بس يا تيتة؟ أنا قاعدة بتكلم مع النجوم زي عادتي.
قربت قعدت على الكرسي اللي جنبي وبصتلي بإهتمام، اتنهدِت تنهيدة طويلة وقالت بسخرية :
- طيب لو أنتِ كدبتي، عيونكِ ووشكِ اللي محمرين من كتر العياط دول هيكدبوا إزاي؟
ضحِكت بخفة:
- عيوني زي الفل، ووشي نضارة وحلاوة طبيعية.
- يابت فكراني عبيطة؟ فكراني مش حاسه بقلبكِ؟
اتخنقت وبصيت الناحية التانية وعيوني دمعت، تيتة أكتر حد فاهمني في البيت، عارفة خبايا قلبي من وأنا لسه طفلة صغيرة، هي الوحيدة اللي كانت بتتمنى تجوزني أنا وراكان، وعارفة إني بحبه ومستنياه يرجع تاني.
- اللي رايده قلبكِ هينولُه متقلقيش.
مسحت دموعي وبصيت لها وضحِكت بسخرية:
- خلاص يا تيتة، قلبي فقد الأمل ومبقاش فارق معاه.
- يا عبيطة، بقى بعد كل سنين الإنتظار دي، جاية تستسلمي في نهاية الحكاية!
بصيت لها وقلت بسخرية :
- الحكاية من البداية كانت مجرد أوهام.
- بس أنتِ بتحبيه، لسه قلبكِ مش رايد غيره.
- لكن هو محبنيش، لو بيحبني فعلًا كان رجع يا تيتة، كان رجع وطمن قلبي اللي مستنيه بقالُه زمان.
قُمت من على الأرض ونفضت هدومي فقالت بإستغراب:
- رايحة على فين ؟
بصيت لها وابتسمت:
- رايحه انام، تصبحي على خير يا جميل.
مستنتش ردها وسيبتها ودخلت البيت، طلعت على أوضتي ودخلت وقفلت الباب، وزي كل ليلة قعدت على سريري أكتب مشاعري في دفتر التدوين بتاعي، الدفتر اللي بطلع فيه كل مشاعري والكلام اللي مبقدرشِ اعبر عنه لأي حد، خلصت ورجعت زي العبيطة ادعي ربنا يجمعني بيه تاني، اصلي رغم إن كل الطرق قدامي مقفلة، لسه جوايا بصيص أمل بسيط إن كل الأمور هترجع أحسن وأجمل من تاني.
- يلا يا عروسة، الكل مستنيكِ تحت.
- وأنتِ فرحانة أوي كده ليه؟ ما أنا هطفشه زي اللي قبلُه.
قولتها بضيق وأنا بحط الماسكرا في عيوني، فقربِت وقفت ورايا وقالت بمرح:
- للاسف، العريس المرادي ميترفضش.
بصيت لها بإبتسامة سمجة وقلت ببرود:
- دا أسامة ابن إيمان يا ميرا، دا اسم أمُه لوحده كفيل اطرده من البيت مش بس ارفضة.
ضحكِت بصوت عالي وقالت بثقة:
- مش هترفضية وهتشوفي
- إيه الثقة الكبيرة دي؟ ليكون بابا وجدي وافقوا وأنا معرفش.
قولتها بخوف فابتسمِت وقالت بحنان:
- لا متقلقيش، بس في مفأجاة جميلة أوي هتعجبكِ.
- وتطلع إيه المفاجأة دي ؟
- مفأجاة جميلة هتعرفيها لما تنزلي، دلوقتِ يلا ننزل بسرعة علشان جدك ميضايقش.
اتنهد ونزلت معاها، سلمت على الموجودين وأنا مستغربة، العيلة كلها موجود ما عاد عيلة العريس، إيه دا فين خالتي إيمان الحربوقة؟ وفين العريس ابن الحسب والنسب! وفين...
- مش هتسلمي على عريسكِ يا عروسة؟
الكل ابتسم وبصولي، كنت لسه واقفة مقعدتش، عقدت حواجبي أول ما سمعت الصوت، الصوت كان مألوف لكنه مش صوت أسامة، الصوت دا صوت.. راكان معقول!!
التفت بسرعة وبصيت لُه بصدمة!
كان واقف قدامي على بُعد خطوات بسيطة!
كان هو بعد سنين طويلة من الإنتظار
كان هو بعد سنين من المعاناه والدعاء ليل نهار
كان هو بعد الحيرة والتوهه والخوف
كان هو بعد ما كان قلبي خلاص فقد الأمل أنه يرجع!
- راكان !
- مفأجاة مش كده؟
قالها وهو بيقرب الكام الخطوة البعيد عني، وقف قدامي ومدلي إيده بإبتسامة جميلة وعيون بتلمع، بصيت لكل فرد من العيلة، الكل كان بيضحك، الكل كان مبسوط، ما عادا قلبي كان مرعوب، خايف لحسن يكون بيحلم، والحلم الجميل ينتهي فجأة، بصيت لإيده الممدودة قدامي وبلعت ريقي وقلت بتوتر:
- أنتَ.. أنتَ إزاي؟
شاورلي برأسه على إيده، رفعت إيدي ببطء وسلمت عليه فابتسم وقال بمرح:
- قوليلي انفع للحلوة عريس؟
قلبي دق بسرعة، عيوني لِمعت زي النجوم من فرحتها، فضلت بصالُه وأنا مش مصدقة، ابتسامتي وسعت فابتسم وقال بمرح :
- كده أقدر أقول الإجابة وصلتني.
- طيب هتفضلوا واقفين كده كتير ؟ تعالوا يلا اقعدوا علشان نتكلم.
سيبتُه وقربت قعدت جنب جدتي وماما وأنا وشي محمر من الكسوف، اتحرك وقعد قدامي، عيوني وتركيزه كان كله معايا.
تيتة مالِت برأسها وهمست في ودني بصوت واطي:
- مش قولتلكِ مش هتتجوزي غير اللي قلبكِ رايده.
- أنتِ كنتِ عارفة إن هو العريس ؟
- أنا اللي شجعته يجمد قلبه وينزل يلحقكِ قبل ما تضيعي من بين إيديه.
- أنتِ أجمل وأعظم تيتة في العالم كله.
ضحكِت وسحبتني لحضنها، يوسف طلب من جدي إننا نقوم نقعد مع بعض، طلبت من ميرا تأخدنا الجنينة نتكلم، طلعنا أنا وهو وميرا فضلت واقفة بعيد شوية بتتكلم هي ويوسف، وقفنا نبص للنجوم بهدوء زي ما كنا بنعمل زمان، فضلنا شوية واقفين ساكتين لحد ما قطعت الصمت بسؤالي الغريب:
- يا ترى إيه اللي رجعكَ تاني بعد كل السنين دي؟
ابتسم وبصلي بطرف عين:
- قولتلك إني لو في يوم رجعت، هرجع علشانكِ أنتِ.
- ليه رجعت علشاني؟ أنا مين بالنسبة ليكِ؟
ابتسم وقال بحب:
- أنتِ حبيبة عُمري.
- أنا لو كنت فعلًا حبيبتكَ، مكنتش سيبتني كل السنين دي مستنياكَ.
قربت وقف قدامي وقال بتبرير:
- غصب عني، كل مرة بقرر انزل علشان أشوفكِ بتحصل حاجة تمنعني.
- وليه المرادي نزلت؟ ليه مفيش حاجة منعتك زي كل مرة؟
ابتسم وقال بمرح :
- بقىَ أنتِ عاوزه أسيب مرات عمي الحربوقة تسرقكِ مني وتجوزكِ لابنها!
بصيت الناحية التانية وكتمت ضحكتِ، أخدت نفس طويل وقلت بغضب متصنع:
-قول كده.. أنتَ خوفت أسامة يأخدني منكَ زي ما أبوه أخد كل حاجة منكم زمان.
سيبتُه واتحركت علشان ادخل فقال بصوت عالي:
- أنا خوفت اخسركِ.. مهتمتش وسيبت كل حاجة ورايا وخسرت مشروع تعبت عليه سنين بس علشان اكسبكِ أنتِ ومتروحيش لغيري.
ابتسمت، قلبي دق بسرعة وبصيت لُه فابتسم وكمِل بأسف:
- أنا أسف، عارف إني طولت أوي في بُعدي، وعارف إن قلبكِ استحمل كتيرر بسببي، بس أنا اهو رجعت علشانكِ، رجعت علشان نكمل باقي الحكاية..
حطيت إيدي في وسطي وقلت بغرور:
- الموضوع مش بالسهولة دي يا أستاذ، أنتَ محتاج تتعب شوية علشان قلبي يسامحك وينسى اللي أنت عملته.
ضحك وغمزلي:
- ومالُه ؟ نتعب شوية لأجل عيون حبيب العُمر.
ابتسمت وسيبتُه ودخلت وأنا بعلن وقوعي في حُبه للمرة المليون، الجميل رجع، يعني الحياة هترجع جميلة، والضحكة هنرجع تنور وشي من تاني، القلب أخيرًا ارتاح بعد سنين طويلة من الإنتظار، ودلوقتِ وقت الحب والفرحة وبس..
- بقالي سنين مشوفتكيش فرحانة كده!
كنت بلف حولين نفسي في أوضتي وأنا لسه لابسة فستاني العسول اللي نزلت قابلته بيه، الغرفة كانت لا تسع أجنحتي من الفرحة بعد ما العيلة اتفقوا تكون خطوبتنا بعد رجوع أهله من السفر، يعني بعد كام يوم هيتحقق حلم السنين.
وقفت لما سمعت صوتها وبصيت لها وضحِكت:
- مش مصدقة يا ميرا، دا رجع، رجع علشاني.
- مش قلبكِ قالكِ هيرجع؟
- كان على وشك يفقد الأمل.
- ودلوقتِ حاسه بإيه؟
- حاسه إني فراشة، فراشة جميلة بتطير في السماء بفرحة.
- للدرجادي بتحبيه؟
ابتسمت وقعدت قدامها على الكرسي:
- دا حب سنين، من وقت ما وعيت على الدنيا وأنا بحبه، ومن وقت ما عرفت معنى الحب، وأنا بقيت بدعي يكون هو نصيبي.
- واهو عاد للدار لأجل عيونكِ.
- ودا معناه شيء واحد بس.
- معناه إيه ؟
- إن الحب دا أعظم شعور في الكون.
ضحكِت وحضنتي، ابتسمت وبادلتها الحُضن، أنا اتربيت على حكاوي جدتي عن الحب، وقد إيه الحب ممكن يعمل معجزات، وقالتلي في يوم إن اللي عنده أمنية مستحيلة ونفسه أنها تتحقق، يطلبها من ربنا، وإن كانت خير ليكِ، هيستجيب مهما طالت مدة الإستجابة، المهم إن قلبكِ يفضل مؤمن إن كل دعوة بندعيها بيقين هتكون مُجابة، وأنا دعوتي الثابتة كانت هو، واهو قلبي اخيرًا بقىَ راضي ومطمن بوجوده.
- يابنتي أنتوا وأخديني على فين؟
- راكان طلب مننا نغمي عيونكِ علشان هو مجهزلك مفأجاة.
- مفأجاة إيه ؟
- هتعرفي بعد شوية، امشي وأنتِ ساكتة.
- أنتوا عالم مجانين وأنا مش مطمنالكُم.
- اتأخرتي كده ليه يا ميرا!
- ياجدع اسكت دي طلعتني عن شعوري.
- قصدك إيه يا ميرا؟ وبعدين أنا عاوزه أعرف أنتوا وأخديني على فين!
- هتعرفي كل حاجة دلوقتِ، يلا اركبي.
ساعدتني ميرا اركب العربية وطلعت ركبت جنبي ويوسف طلع جنب راكان ومشي، كنت مضايقة من الربطة اللي على عيوني وكل شوية احاول افكها وميرا تمنعني، ياربي إيه المعاناه اللي الإنسان عايش فيها دي !!
- يلا انزلي.
- اخيرًا! دا أنا قربت اتعمي ياجدع.
- معلش، تعالي امشي معايا.
مسك إيدي ومشي معايا خطوة خطوة، عد من واحد لتلاتة وشال الربطة اللي على عيوني، فتحت عيوني ببطء وبصيت حوليا، كنا واقفين قدام بيت كبير، حوليه الزرع في كل مكان، و... لحظة دا نفس البيت اللي كنت بحلم بيه من الطفولة!! بصيت لُه وقلت بحماس:
- دا بيت أهلكَ الجديد، صح؟
هز رأسه بلأ فعقدت حواجبي بإستغراب وقلت:
- اومال دا بيت مين؟
ابتسم وقرب وقف قدامي وشاورلي على البيت كله وقال بحنان:
- دا بيتنا، بيت أحلامكِ، ولا نسيتي حلم زمان؟
بصيت لُه بصدمة ورجعت بصيت للبيت بانبهار! معقولة لسه فاكر حلم زمان؟ لسه فاكر بيت أحلامي اللي عشت عمري بتمني يجمعني أنا وهو!
- دا بجد؟ يعني أنتَ لسه فاكر ومنستش؟
- وبقالي سنين بجهز فيه.
- إزاي ؟
- ساهلة، بعت فلوس ليوسف اشترالي الأرض، وبابا وصلني بمهندسين شاطرين بعتلهم التصميم المعماري وهما اشتغلوا عليه.
- بس يوسف ولا مرة قالي على الموضوع دا!
- أنا طلبت منه ميقولكيش علشان اعملكِ المفاجأة دي.
- أنا مش مصدقة!
- ليه؟
- أمنياتي اتحققت، أنتَ متعرفش أنا بقالي قد إيه بدعي ربنا يحققلي الأمنيات دي.
- وامنيتكِ كانت البيت ؟
- لأ.
- اومال إيه ؟
- أنتَ
- أنا؟
- أنتَ أمنيتي، حلمي المؤجل اللي عشت عمري كله بحلم بيه، ودلوقتِ اتحقق.
#مارينا_عبود
سهرة سعيدة♥️♥️
تمت
