رواية سر المشرحة الفصل الثاني 2 بقلم مصطفي محسن
يونس خرج من مكتب أبوه وهو ساكت، والدكتور مجدي كان متابع خطواته بعينين مليانين خوف في نفس الوقت. كان نفسه يرتاح قبل ما يموت، يونس رجع بيته في وقت متأخر من الليل. دخل شقته وقفل الباب وراه، وحط الملف على الترابيزة. وقعد فتح الملف. وبدأ يقلب في الأوراق واحدة واحدة. أول ورقة كانت نسخة من تقرير الطب الشرعي الأصلي، ومكتوب فيها بوضوح إن سبب الوفاة طلق ناري نافذ في الصدر. الورقة اللي بعدها كانت نسخة من التقرير المزور اللي اتسلم، ومكتوب فيه إن الوفاة نتيجة أزمة قلبية مفاجئة. يونس غمض عينيه للحظة، وحس بحجم الصراع اللي عاشه أبوه كل السنين دي. لكنه كمل تقليب. لقى ملاحظات بخط إيد الدكتور مجدي، فيها وصف دقيق لإصابة القتيل، وتوقيت الوفاة، الورقة اللي بعدها كانت أهم ورقة في الملف. تقرير خاص كتبه أبوه لنفسه، وسجل فيه كل حاجة حصلت ليلة التشريح، من بداية التليفون المجهول، لحد لحظة ما شاف هناء ويونس مخطوفين من شباك المكتب. وفي آخر الصفحة كتب: "أنا لا أعرف القاتل، لكن أشك في أقرب الناس لسلطان الزين."
-
يونس بدأ يقرأ باقي الملف. لقى قصاصات جرائد قديمة عن وفاة سلطان الزين، وعن توزيع الميراث بعدها بشهور قليلة. كل الأسهم والأراضي والشركات تقريبًا اتنقلت إلى نادر الزين، شقيق سلطان، وتوسعت ثروة نادر الزين بشكل كبير خلال السنوات. كان فيه كمان كشف بأسماء أفراد العيلة، ومن بينهم نادر الزين، عصام الزين، ورشاد الزين. يونس سند ضهره على الكرسي وهو بيحاول يربط الخيوط ببعضها. وقال لنفسه: "يعني بعد موت سلطان، التلاتة دول كانوا أكتر ناس استفادوا." لكن الاستفادة وحدها ما كانتش دليل كافى. طلع من الملف ظرف صغير مقفول. فتحه لقى فيه فلاشة، ومعاها ورقة مكتوب عليها بخط الدكتور مجدي: "دي نسخة من كل المستندات المهمة. لو حصلي حاجة، ما تضيعش حق الراجل ده." يونس حط الفلاشة في اللابتوب، وظهر قدامه ملف فيه صور للتقارير، وصور من الجرائد، وكمان تسجيل صوتي بصوت الدكتور مجدي وهو بيحكي كل اللي حصل ليلة الجريمة. يونس سمع التسجيل للآخر، وبعدين قفل الجهاز وهو حاسس إن القضية بقت شخصية جدًا بالنسبة له.
-
تانى يوم الصبح، راح يونس يزور أبوه في البيت. دخل عليه لقى الدكتور مجدي قاعد على الكرسي في البلكونة، وشكله مرهق جدًا. يونس قال: "أنا قريت الملف كله." الدكتور مجدي رفع عينيه وقال: "وعرفت إني كنت ضعيف." يونس قرب منه وقال: "لا يا بابا. إنت كنت أب خايف على مراته وابنه. يمكن غلطت، لكنك طول عمرك كنت بتدفع تمن الغلطة دي." الدكتور مجدي نزلت دمعة من عينه وقال: "أهم حاجة عندي إنك توصل للحقيقة." يونس قال: "أوعدك هعمل كدة." وخرج من عند أبوه، بدأ يشتغل على القضية بشكل غير رسمي. استخدم صلاحياته في الوصول إلى بيانات قديمة، وراجع سجلات الشركات والأملاك والتحويلات المالية. خلال أيام، اكتشف إن نادر الزين وعصام الزين ورشاد الزين تضاعفت ثرواتهم بصورة غير طبيعية بعد وفاة سلطان مباشرة. كمان عرف إن رشاد الزين هو أضعف حلقة في السلسلة. شاب مستهتر، بيحب السهر والخمور، يونس قال لنفسه: "لو فيه حد ممكن يغلط ويتكلم، هيكون رشاد."
-
بدأ يراقبه عن قرب. عرف إنه كل خميس بيسهر على مركب فى النيل، ويحب يتعرف على رجال الأعمال الكبار. وهنا بدأت الخطة تتشكل في عقل يونس. استعان بأحد أصدقائه القدامى، وهو ضابط في الإدارة العامة للمعلومات، وساعده في تجهيز هوية مزيفة باسم "كريم السيوفي"، رجل أعمال رجع من الخارج وبيبحث عن استثمارفى مصر. جهز يونس قصة كاملة عن حياته، وشركات وهمية فى الخليج، وبطاقات شخصية، وحتى حسابات على مواقع التواصل تدعم شخصيته الجديدة. وفي يوم الخميس بلليل، لبس بدلة أنيقة وراح المركب النيلي. دخل بثقة، وقعد قريب من رشاد. وبعد وقت قصير، تعمد إنه يدخل في نقاش مع أحد الموجودين عن الاستثمار والعقارات، عشان يسمعه رشاد. وبالفعل، بعد دقائق، قرب رشاد منه بابتسامة وقال: "واضح إنك راجل شغال في البيزنس."
يونس ابتسم ومد إيده وقال: "كريم السيوفي." رشاد سلم عليه وقال: "رشاد الزين."
-
يونس أخفى مشاعره بصعوبة، لكنه حافظ على ابتسامته وقال: "تشرفت." قعدوا يتكلموا لساعات. يونس كان بيسمع أكتر ما بيتكلم، وبيخلي رشاد يحكي عن حياته، وفي نهاية السهرة، رشاد قال: "إنت راجل محترم، ويشرفني نتقابل تاني." يونس رد بابتسامة: "أكيد." ورجع يونس بيته وهو حاسس إنه حط أول قدم جوه عالم العيلة اللي دمرت ضمير أبوه. خلال الأسابيع قليلة، توطدت العلاقة بينه وبين رشاد. يونس بقى يعزمه في أماكن كتيرة، ويحكيله عن صفقات وهمية ومشاريع بملايين. ورشاد، بطبعه الطماع، بدأ يتعلق بيونس أكتر وأكتر، لأنه شايف فيه فرصة لمكاسب جديدة. ومع الوقت، بدأ رشاد يفتح له أبواب عيلته. عرفه على نادر الزين، وعلى عصام الزين، أول ما قابلهم، يونس. كان باصص لوشوش يمكن هي اللي كانت السبب في دفن الحقيقة تلاتين سنة كاملة. بس تماسك، واتصرف كأنه مجرد راجل بيزنس بيدور على شراكة.
-
بعد المقابلة، رجع عربيته ومسك الدريكسيون جامد. وقال لنفسه: "أنا بقيت وسطهم. وفاضل أهم خطوة... إني أخلي واحد منهم يعترف." رجع يونس بيت أبوه عشان يطمن عليه. دخل الأوضة، لقى الدكتور مجدي نايم وملامحه باينة عليها التعب. قعد جنبه شوية، وبعدين قال بصوت واطي: "اطمن يا بابا... أنا قربت أوصل لهم." وفي نفس الوقت، في قصر آل الزين، كان نادر الزين قاعد في مكتبه، وبيبص لصورة قديمة ليه مع أخوه سلطان. دخل عصام وقال: "الواد كريم ده... إنت مرتاح له؟" نادر ولّع سيجارته وقال: "مش عارف... بس فيه حاجة فيه مش مريحاني." عصام قال: "تحب نخلي رجالتنا يسألوا عليه؟" نادر قال: " هو انت ازاى معملتش كدة لحد دلوقتى اعمل كدة فورا... أنا ما بحبش المفاجآت." وتاني يوم الصبح، كان يونس قاعد في مكتبه، جاله تليفون من المستشفى. الدكتور قال: "الحق يا حضرة الظابط... والدك تعبان جدًا." يونس قام مرة واحدة، خطف مفاتيحه وخرج، وهو مش عارف إن الساعات الجاية هتغيّر كل حاجة... وإن الحرب اللي بدأها ضد آل الزين دخلت أخطر مرحلة فيها.
-
#قصص_حقيقية
#قصص_جريمة
#قصص_رعب
#مصطفى_محسن
