رواية سر المشرحة الفصل السادس 6 والاخير بقلم مصطفي محسن
اللواء حسن فضل قاعد على الكنبة، والشنطة قدامه، وعينيه ثابتة عليها، لكن عقله كان في حتة تانية خالص. كان بيفكر في مراته وبنته، في خوفهم، وفي الرعب اللي أكيد عايشينه دلوقتي. وفي نفس الوقت كان بيفكر في يونس، اللى في المستشفى بين الحياة والموت، وفي الدكتور مجدي اللي عاش عمره كله مكسور بسبب لحظة ضعف واحدة. حسن غمض عينيه، وسند راسه على الكنبة، وبعد دقائق طويلة من الصراع، فتح عينيه وقال لنفسه: "حتى لو سلمتهم الشنطة ورجعولي مراتي وبنتي... هعيش إزاي بعد كده؟ هبص لنفسي في المراية إزاي؟ وهرد على ضميري بإيه؟ لا... المرة دي مش هتكرر اللي حصل مع مجدي. المرة دي الحقيقة لازم تظهر." قام وقف، وقال بنبرة كلها ثقة: "أنا قررت أخوض الحرب دي للآخر. من بكرة هبدأ إجراءات القبض عليهم. العدالة هي أساس الملك... وأنا ماعنديش غير شرفي."
-
فجأة، قطع تفكيره الموبايل رن. نفس الرقم المجهول. حسن خطف الموبايل ورد بسرعة: "ألو" فجأة سمع صوت بنته وهي بتصرخ وبتعيط: "يا بابا... الحقني... دول بيعذبوني" حسن حس إن قلبه بيتقطع، ودموعه نزلت من غير ما يحس. قبل ما يلحق يرد، جه صوت الراجل، نبرته باردة ومليانة تهديد: "هتسلمني الشنطة فين يا حسن بيه؟" حسن كان قلبه بيتقطع، لكن رغم الألم اللي جواه، قال بصوت قوي: "أنا مش هسلمكم اللي معايا... حتى لو هتقتلوا بنتي ومراتي... وحتى لو هتقتلوني أنا كمان." الراجل ضحك ضحكة طويلة مستفزة، وقال: "واضح إنك شجاع يا حسن بيه. "هديك مهلة ٢٤ ساعة. لو ما نفذتش اللي قولتلك عليه... هحقق لك اللي إنت قولته بنفسك." وبعدها قفل الخط. حسن فضل ماسك الموبايل. وانهار تمامًا. وقع على ركبته، ودفن وشه في إيده، وعيط بحرقة على مراته وبنته. لكن بعد دقائق، وقف مرة واحدة. مسح دموعه، وبص قدامه بنظرة مختلفة تمامًا. نظرة راجل اتحاصر، وما بقاش عنده حاجة يخسرها. الواء حسن قال بنبرة تقيلة كلها غضب وإصرار: "أقسم بالله... هخليكم تندموا على كل لحظة فكرتوا فيها تهددوني. أنتم اللي بدأتوا الحرب... وأنا اللي هنهيها." وفي اللحظة دي، اللواء حسن الشاذلي ما بقاش مجرد ضابط بيحقق في قضية قديمة... بقى أب بيحارب عشان ينقذ أسرته، ورجل قرر يواجه واحدة من أكلر العائلات في البلد.
-
حسن ما غمضش عينه طول الليل. فضل قاعد، والشنطة قدامه، وصورة مراته وبنته في إيده. كل شوية يبص للصورة، ويبص للشنطة، وكأنه بيحاول يختار بين قلبه وضميره. ومع أول خيط نور دخل من الشباك، كان القرار اتاخد. حسن قام من مكانه، مسك الشنطة، ونزل ركب عربيته واتجه للنيابة العامة. طول الطريق كان قلبه بيتقطع على مراته وبنته، لكنه كان مقتنع إن استسلامه مش هينقذهم، وإن الناس اللي قدرت تخطف أسرة لواء شرطة من قلب بيته مش هتتردد في قتله هو كمان بعد ما ياخدوا اللي عايزينه. أول ما وصل النيابة، دخل مكتب وكيل النيابة. وقف وسلّم على حسن وقال: "أهلاً يا فندم، اتفضل." حسن قعد قدامه، وحط الشنطة على المكتب وقال: "الشنطة دي فيها مستندات هتودي آل الزين في ستين داهية." حازم بص للشنطة، وملامحه اتغيرت، لكنه حاول يخفي ده وقال: "فيها إيه الشنطة دى؟" حسن فتح الشنطة، وطلع الفلاشة وبعض الصور، وقال: "فيها فيديو متسجل بالصوت والصورة بيأكد إن نادر الزين وعصام الزين ورشاد الزين قتلوا سلطان الزين عشان يستولوا على ثروته."
-
وكل كلمة كان حسن بيقولها كانت بتخلي ملامح حازم تتيغر وقال: "شكرًا يا فندم. إنت قدمت خدمة عظيمة للبلد. أوعدك إني هاخد الإجراءات اللازمة فورًا." حسن وقف وقال: "أنا بثق فى العدالة." حازم ابتسم وقال: "وإحنا عند حسن ظنك." حسن خرج من المكتب. لكن أول ما باب المكتب اتقفل، حازم. مسك الموبايل، واتصل برقم محفوظ عنده. الطرف التاني رد بسرعة. حازم قال: "المستندات وصلتني يا عصام بيه." في الناحية التانية، عصام الزين ابتسم، وقال: "أخيرًا. "ليك عندي مكافأة كبيرة أوي يا حازم." حازم قال وهو بيبص على الشنطة: "المكافأة تيجي بعدين. دلوقتي أهم حاجة إننا نمثل إننا شغالين بشكل طبيعي. أكيد اللواء حسن هيتابع القضية خطوة بخطوة." عصام قال: "يعني إيه؟" حازم رد: "هفتح تحقيقات شكلية، وأصدر كام قرار مالوش قيمة، عشان يفتكر إن الإجراءات ماشية. لكن المستندات دي مش هتدخل أي ملف رسمي." عصام قال: "والشنطة؟" حازم قال: "هتكون عندك الليلة." عصام قال: "وأنا عند وعدي." حازم قال: "الساعة تسعة بالليل هجيلك الفيلا." عصام رد: "هستناك." وقفل الخط. وفي نفس الوقت، اللواء حسن كان خارج من مبنى النيابة وهو فاكر إنه أخيرًا حط أول حجر في طريق العدالة... من غير ما يعرف إنه سلّم أقوى دليل لواحد من أخطر الخونة.
-
خبر صادم. شريط الأخبار كان بيعلن: "وفاة المقدم يونس مجدي عبد الوهاب متأثرًا بإصابته في حادث السير الأخير." الخبر وقع على كل اللي عرفوا يونس زي الصاعقة. ضابط شاب، معروف بنزاهته وشجاعته، ينتهي بالشكل ده قبل ما يكمل أهم قضية في حياته. أول ما اللواء حسن الشاذلي سمع الخبر، حس إن الدنيا اسودّت في وشه. قعد على كرسيه وهو مش قادر يستوعب. كان نفسه يونس يعيش، مش بس لأنه كان ضابط شاطر ،حسن قال بصوت مكسور: "سامحني يا يونس... كنت أتمنى تشوف حق أبوك بعينك." في الناحية التانية، فى فيلاة آل الزين، الجو كان مختلف تمامًا. نادر وعصام ورشاد، على وشوشهم ارتياح واضح. خبر وفاة يونس بالنسبة لهم كان نهاية أكبر تهديد واجهوه من سنين. في نفس اليوم، الساعة ٩ بلليل، كان وكيل النيابة حازم السيوفي داخل فيلا عصام الزين. دخل المكتب، وحط الشنطة على المكتب قدام عصام. عصام فتحها بسرعة، وبدأ يراجع محتوياتها. الفلاشة موجودة، الصور موجودة، وكل المستندات في مكانها، طلع ولاعة، وولّع في الأوراق. النار بدأت تلتهم الصور والمستندات واحدة واحدة، وبعد دقائق، كل حاجة بقت رماد.
-
عصام فضل واقف يتفرج على النار، كأنه بيتأكد بنفسه إن الماضي اتحرق للأبد. بعد ما خلص، طلع دفتر الشيكات، وكتب رقم كبير جدًا، ومد الشيك لحازم. حازم أخده، وأول ما شاف الرقم، عينيه لمعت. المبلغ كان أكبر بكتير مما كان متوقع. عصام قال: "إيه اللي هيحصل الفترة الجاية؟" حازم قال: "قدمت ملف مستندات شكلية ومفيهاش أي إثبات حقيقي. أقصى حاجة ممكن تحصل إنكم تتحولوا للمحكمة، وهناك مافيش دليل واحد يدينكم. "وساعتها تقدروا كمان ترفعوا قضية على اللواء حسن بتهمة البلاغ الكاذب، وتقعدوه في البيت." عصام قال: "عظيم." حازم وقف، وخرج من الفيلا، عصام نادى على واحد من رجاله وقال له: "رجّعوا مرات اللواء حسن وبنته بيتهم... ومحدش يلمسهم." الراجل قال: "حاضر يا عصام بيه." عصام كان عايز يقفل كل الأبواب. لو الست وبنتها رجعوا من غير أذى، مش هيكون في دليل يربطهم بالخطف، وهيفضل موقفهم القانوني نضيف. وبعد دقائق، رجالة عصام نفذوا الأوامر، وسابوا زوجة اللواء حسن وبنته في مكان قريب من بيتهم، وفي الوقت اللي آل الزين كانوا مقتنعين إنهم كسبوا المعركة للأبد، كان القدر بيجهز لهم مفاجأة ما تخطرش على بالهم.
-
اللواء حسن وصل قدام شقته.أول ما وقف قدام الباب، سمع. صوت مراته... وصوت بنته. اتجمد مكانه، وقال لنفسه: "هو أنا اتجننت؟ ولا اللي بسمعه ده حقيقي؟" طلع المفاتيح، وفتح الباب بسرعة. أول ما دخل، لقى مراته وبنته قاعدين في الصالة، وشهم شاحب، وعينيهم مليانة خوف. اللواء حسن جري عليهم، حضنهم بكل قوته، وكأنّه خايف يغمض عينه للحظة فيختفوا من قدامه. مراته كانت بتعيط، وبنته متعلقة في رقبته. حسن ماكانش مصدق إنهم رجعوا له سالمين. فضل حاضنهم لدقايق طويلة، حاسس إن ربنا رجع له روحه من جديد. فجأة، موبايله رن. حسن بص للشاشة. نفس الرقم المجهول. رد، فجاله نفس الصوت: "مبروك عليك... عيلتك رجعت لحضنك. نصيحة مني، ابعد عننا. إحنا مش عايزين نأذيك." والخط اتقفل. حسن كان فرحان برجوع أسرته، لكن جواه إحساس إن اللي حصل ده مش نهاية الحكاية... دي مجرد بداية لمرحلة أخطر بكتير. وبعد أقل من أسبوع من المتابعة الدقيقة، اتحولت القضية للمحكمة، وتم إحالة كل من رشاد نادرالزين، ونادر الزين، وعصام الزين للمحاكمة الجنائية.
-
يوم الجلسة، اللواء حسن راح المحكمة بنفسه. أول ما دخل القاعة، وقعت عينه على القفص. شاف الثلاثة واقفين قدامه كمجرمين، بعد ما كانوا طول عمرهم فوق القانون. في اللحظة دي، حس إن التعب بدأ يجيب نتيجة. لكن الفرحة ماكملتش. مع بداية الجلسة، القاضي بدأ يستعرض أوراق ومستندات مختلفة تمامًا عن الأدلة اللي حسن سلمها للنيابة. حسن قال بصوت عالي: "يا فندم، أنا ماقدمتش المستندات دي. أنا قدمت فيديو وصور بتثبت إن رشاد نادر الزين قتل سلطان الزين، وإن نادر الزين وعصام الزين شركاء في الجريمة." القاضي بص له وقال: "اتفضل اقعد يا سيادة اللواء. مافيش قدامي أي دليل يثبت إدانة المتهمين." حسن قعد مكانه وهو مصدوم. في اللحظة دي، لمح وكيل النيابة حازم واقف جنب القفص، وباصص له بابتسامة مليانة شماتة. حسن فهم خلاص انتهت. وقبل القاضي ينطق بالحكم، وفجأة باب المحكمة اتفتح. كل الموجودين لفوا ناحية الباب، والدهشة سيطرت على القاعة كلها. الدكتور مجدي عبد الوهاب دخل وهو بيزق كرسي متحرك قاعد عليه يونس. القاعة كلها مش مصدقة. همسات اتعالت في كل مكان. "يونس عايش؟" "مش ده الضابط اللي أعلنوا وفاته؟" اللواء حسن وقف من مكانه وعينيه مليانة دموع. ماكانش مصدق اللي شايفه. الدكتور مجدي وصل بالكرسي قدام منصة المحكمة. القاضي بص ليونس بدهشة وقال: "إنت المقدم يونس مجدي عبد الوهاب؟ اللى تم الإعلان عن وفاتك." يونس قال: "ده كان اتفاق بيني وبين وزارة الداخلية، عشان أوفر لنفسي حماية بعد محاولة اغتيالي." القاضي قال: "وإيه اللي جابك هنا النهاردة؟"
-
يونس بص لأبوه، وبعدها مد إيده بظرف صغير وقال: "جبت الدليل الحقيقي اللي يثبت تورط رشاد نادر الزين، ونادر الزين، وعصام الزين." في اللحظة دي، وكيل النيابة حازم اتحرك من مكانه بتوتر، لكن يونس سبقه وقال بصوت واضح: "وكيل النيابة ده هو اللي أخفى الحقيقة." حازم قرب منه وقال بعصبية: "عندك دليل على كلامك ده؟" يونس بص للقاضي وقال: "أيوه يا فندم. معايا فيديو متصور من لحظة خروج حازم من النيابة، لحد ما دخل فيلا عصام الزين، وسلمه الشنطة، وبعدها صرف شيك بمبلغ ١٠ مليون جنيه من حساب عصام الزين." اللواء حسن وقف وقال: "وده صحيح يا فندم. أنا بنفسي سلمته الأدلة الأصلية، وهو بدّلها." القاضي قال: "يتم التحفظ على وكيل النيابة حازم هنداوى." في لحظات، رجال الأمن مسكوا حازم، ودخلوه القفص جنب المتهمين اللي كان من دقائق واقف بيحاول ينقذهم. بعدها القاضي أمر باستدعاء خبير أصوات وخبير تقني لفحص الفيديوهات والصور. وبعد ساعات من الانتظار، رجع الخبراء بتقرير واضح وصريح: "جميع الفيديوهات والمستندات صحيحة 100% ولم يتم التلاعب بها." القاعة كلها غرقت في صمت ثقيل. القاضي بص للمتهمين، وبعدها نطق بالحكم بصوت هز القاعة كلها: "أولًا: إحالة أوراق المتهم رشاد الزين إلى فضيلة مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي. ثانيًا: الحكم بالسجن المؤبد على كل من نادر الزين وعصام الزين، الدكتور مجدي عينيه، ودموعه نزلت. بعد ثلاثين سنة من العذاب، الحقيقة أخيرًا خرجت للنور. يونس بص لأبوه وقال بصوت واطي: "وعدتك يا بابا... ووفّيت بوعدي." الدكتور مجدي ابتسم لأول مرة من قلبه.
-
"قد يظن الظالم أن المال والنفوذ قادران على دفن الحقيقة إلى الأبد، لكنه ينسى أن الله يمهل ولا يهمل، وأن دعوة المظلوم تصعد إلى السماء لتعود يومًا بالعدل الذي لا يرده أحد.
فإذا أبطأ الحق فلا تيأس، لأن رب العباد لا ينسى، وحين يأتي حكمه يسقط الباطل مهما طال بقاؤه، ويطمئن قلب كل من صبر واحتسب."
#قصص_رعب
#قصص_حقيقيى
#قصص_جريمة
#رعب
#مصطفى_محسن
تمت
