رواية صدمة عمر الفصل الخامس 5 بقلم خديجة احمد
#صدمه_عُمر
البارت الخامس
غرام
مقدرش أقول إني فاكرة كل حاجة…
لأن وعيي وقتها كان ضعيف جدًا.
بس أقدر أقول…
إني عديت بحاجات أكبر من سني بكتير.
فاكرة الدكتور…وهو بيحاول يفوقني بعد أول عملية.
صوته كان بعيد شوية…
كأنه جاي من آخر الدنيا.
__غرام…
فتحت عيني بالعافية.
وسألني:
__إنتِ وقعتي في البيت؟
هزّيت راسي بتعب:
__لا.
سكت ثانية…
وبعدين سأل تاني:
__طب حد خبطك؟
حد ضربك يا غرام؟
بصّيت له…وفهمت فورًا.
فهمت إنه شاكك إن حد من أهلي أذاني.
وإن النزيف ده بسبب ضربة.
رغم التعب…ورغم إن دماغي كانت مشوشة—ضيقت من السؤال.
هزّيت راسي تاني:
__لا.
بعدين سأل:
__بتاخدي أدوية؟
زي أدوية منع الحمل؟
بصّيت له بصدمة…
وردّيت تلقائي:
__I'm a student!
انا طالبه!
قولتها بانفعال…حتى وأنا تعبانة.
هو إزاي أصلًا يسألني كده؟
كنت بتكلم إنجليزي وقتها…مش استعراض ولا حاجة.
بس العربي كان تقيل جدًا على لساني.
كل ما أحاول أتكلم عربي…الكلام يطلع متلخبط ...متكسر.
فالإنجليزي كان أسهل ...أخف.
الدكتور خرج بعد شوية…وسابني.
وكان معايا ممرضة مخصوص.
فاكرة إني كنت كل شوية أقول لها نفس الجملة:
__عايزة ماما…
عايزة ماما!
كنت محتاجاها بشكل مرعب.
أنا أصلًا بكره الوحدة ..بكره الصمت.
بحب الدوشة…
والرغي…ووجود الناس حواليا.
أما الرعاية…فكانت باردة.
هادية زيادة عن اللزوم.
والأسوأ…إن ممنوع حد يدخل غير وقت الزيارة.
بس أنا كنت بطلب ماما طول الوقت.
كل شوية.
ولما كانوا يحاولوا يأكلوني…كنت أرفض.
وأقول بإصرار طفولي:
__ماما هتيجي كمان شوية…
وهي اللي هتأكلني.
كنت متعلقة بالفكرة دي…كأنها الأمان الوحيد اللي باقيلي.
وفي الآخر…ماكنش قدامهم حل.
فاتصلوا بماما…عشان تيجي.
أول ما ماما دخلت…وشوفتها—
قلبي وجعني أكتر من أي حاجة.
وشها كان محمّر…وعينيها وارمين من العياط.
شكلها وحده…خلاني أحس قد إيه اللي حصل كان كبير.
كبير لدرجة ماما نفسها اتهدت.
أول ما قربت مني…مسكت إيديها بسرعة ...بإيدي .
وكأني خايفة تسيبني.
قربت إيديها من وشي…وبستها.
مرة…واتنين…ويمكن أكتر.
وكنت بقول نفس الجملة…
بصوت مكسور:
__سامحيني يا ماما…
سامحيني.
مش عارفة كنت بعتذر على إيه بالضبط.
على تعبي؟
على خوفهم؟
ولا على اللي وصلتلهم بسببه؟
بس كان جوايا إحساس ضخم بالذنب.
وكأني فجأة بقيت عبء على الكل.
بكيت ...بكيت بحرقة…
وجع…وخوف.
على نفسي وعلى شكلي ...وعلى اللي وصلتله.
*أنا فعلًا حصل فيا كل ده؟*
السؤال كان بيتكرر جوايا…ومفيش إجابة.
كنت حاسة إني في كابوس ...وإني هفوق منه دلوقتي.
يارب…أنا مش معترضة.
بس…أنا؟
عمري ما تخيلت إني ممكن أتعب بالشكل ده.
ولا إني في يوم أصحى…وألاقي في جرح في دماغي…وخرطوم خارج منها…
وأهلي منهارين بسببي.
عقلي نفسه…كان رافض يصدق.
كل ما أستوعب جزء—أرجع أنكره تاني.
وكأن الحقيقة أكبر من قدرتي على الاحتمال.
كنت ببص لماما…وأحاول أتمسك بيها أكتر.
كأنها الشيء الوحيد الحقيقي…
وسط كل الرعب ده.
___________
إلهام
كنا رايحين المستشفى…
عشان نكشف على معدتها.
ودي ما كانتش أول مرة.
إحنا أصلًا متعودين على تعب معدة غرام.
كل شوية وجع… وترجيع… وأدوية… وتخف.
عشان كده…ماكنتش متخيلة أبدًا إن اللي مستنينا أكبر من كل توقعاتنا.
غرام يومها…
ما كانتش قادرة تقف على رجليها.
كنت بسندها بكل قوتي.
حاسّة إن جسمها سايب نفسه عليا.
ركبنا العربية…
وفؤاد ساق بينا للمستشفى.
طول الطريق كنت ببصلها.
وشها كان شاحب بطريقة خوفتني…
بس كنت بحاول أقنع نفسي إنها هتبقى بخير.
أول ما وصلنا…حتى المشي ماقدرتش عليه.
ممرضة جابت كرسي متحرك.
وقعدت عليه غرام…
وأنا كنت بزقه.
وأنا ماشية بيها…بدأت أسألها شوية أسئلة.
اسمها…
إحنا فين…
حاسّة بإيه…
لأن فكرة مخيفة كانت بدأت تدخل دماغي.
جلطة؟
خصوصًا إنها كانت تايهة بطريقة غريبة.
بس الغريب…إنها كانت بترد.
آه… متأخر ...وببطء.
لكن كانت بتجاوب.
فحاولت أطرد الفكرة من دماغي.
قولت لنفسي:
__لا… أكيد تعب وإرهاق بس.
أول ما دخلنا للدكتور…بدأ يكشف عليها.
وبعدين فجأة…خد فؤاد على جنب.
سمعته وهو بيقول بصوت واطي:
__بص… أنا مش عايز أظلمها…
بس أول ما ببص لها بلاقيها رافعة عينيها بطريقة مبالغ فيها.
قلبي وقع.
قربت بسرعة وقلت:
__بس باين عليها تعبانة أوي.
بصلي الدكتور ببرود…ورد بطريقة ضايقتني:
__خلاص، لو عايزين نعمل أشعة…
اعملوها.
بـ 80 دينار عشان تطمنوا.
رغم توتري…
رديت فورًا:
__تمام، عادي نعملها.
لكنه هز كتفه وقال:
__مش مستاهلة.
روحوا… ولو تعبت تاني تعالوا نعمل الأشعة.
فؤاد هز راسه…وخرجنا.
وأنا لسه بزق الكرسي ..غرام كانت شبه غايبة…
مش قادرة تتحرك.
وفجأة…اتكلمت.!
وقالت بصوت مرهق:
__ماما… غطيني.
أنا سقعانة… غطيني ببطانية عمر.
بصّيت لها باستغراب.
قلبي بدأ يخوفني بجد.
قلت لها بهدوء:
__غرام… إنتِ عارفة إحنا فين يا حبيبتي؟
بصّتلي…وقالت بثبات غريب:
__آه…
غطيني ببطانية عمر اللي على سريره دي.
اتجمّدت.
لأن مافيش سرير ...ومافيش بطانية.
وإحنا أصلًا…
كنا في المستشفى.
كنا رايحين ناحية الباركنج…
عشان نركب العربية ونمشي.
بس دماغي…ماكانتش ساكتة.
كل كلمة قالتها غرام…
كانت بتلف جوا عقلي.
بطانية عمر؟
سرير؟
هي شايفة إيه بالضبط؟
كنت بحاول أقنع نفسي إنها بس مرهقة.
بس قلبي…ماكانش مطمن.
وقفنا عند العربية.
وفجأة…
الكلام خرج مني بسرعة، من غير تفكير:
__فؤاد…
غرام مش واعية.
بصلي بسرعة.
القلق ظهر في عينيه فورًا.
وبعدين بص لغرام وقال:
__غرام؟
سمعاني يا حبيبتي؟
هزّت راسها ببطء.
بدأ يسألها شوية أسئلة…
اسمها…
إحنا فين…
رايحين فين…
وكانت ترد
لكن بنفس الطريقة.
ببطء…وتوهان.
كأن عقلها بيحاول يوصل للكلام بصعوبة.
ساعتها…بصلي.
والخوف كان واضح جدًا في عينيه.
وقال بسرعة:
__لا… يلا نروح نعمل الأشعة..
وفي اللحظة دي…حسّيت إن قلبي وقع.
لأننا كنا على بعد خطوة من إننا نرجع البيت…
ونعتبر اللي حصل مجرد تعب عادي.
لكن بدل ما نرجع…
روحنا لحاجة تانية خالص.
وجع كبير ...مرعب.
بس…أهون مليون مرة—من إنها كانت تضيع مننا.
رجعنا…
وبالفعل عملت الأشعة.
قعدنا نستنى شوية…
الدقايق كانت طويلة بشكل مرعب.
كل ثانية…كان قلبي بيحاول يطمن نفسه بأي أمل.
وبعدين…طلعت الأشعة.
فؤاد وقف قدام المونيتور يشوفها.
وأنا كنت ببص عليه…مستنية منه أي كلمة تطمني.
لكن فجأة—وشه اتسحب منه الدم.
اتجمّد.!!
وعينيه ثبتوا على الشاشة بطريقة خوفتني أكتر من أي كلام.
بما إنه دكتور…فهو فاهم اللي قدامه.
وفجأة لقيته حط إيده على دماغه بعنف…
كأنه مش مستوعب ...وفي اللحظة دي…دموعي نزلت.
من غير ما أعرف السبب حتى.
بس قلبي ....فهم قبل عقلي.
وفجأة…كل حاجة اتحركت بسرعة مرعبة.
الممرضين دخلوا حوالين غرام…
وبدأوا يقلعوا هدومها ويلبسوها هدوم العمليات.
كل ده حصل في ثواني.
وأنا…واقفة في النص.
تايهة.
مش فاهمة حاجة.
فؤاد كان واقف مع الدكتور بيتكلم بسرعة…
وأنا حتى مش سامعة هما بيقولوا إيه.
الدنيا حواليّا كانت بتلف.
بصيت للممرضات وسألت بخوف:
__إنتوا بتعملوا إيه؟
وفجأة…دكتورة قربت مني.
بصّتلي بنظرة كلها شفقة…
وقالت بهدوء:
__ربنا هيجبر بخاطركم… متقلقوش، هتبقى كويسة.
الكلمة خوفتني أكتر.
بصّيت لها بعدم فهم وقلت:
__هو في إيه؟
غرام مالها؟
سكتت لحظة…وبعدين سألتني باستغراب:
__هو محدش قالك؟
هزّيت راسي بسرعة وقلبي كان بيدق بعنف…
خايفة من أي كلمة جاية.
خايفة أسمع حاجة تكسرني.
وفجأة قالت:
__غرام عندها نزيف في المخ.
حسّيت الدنيا سكتت.
___وهتدخل العمليات دلوقتي حالًا.
كنت ببص لها…بس مش قادرة أستوعب.
نزيف؟
مخ؟
عمليات؟
غرام؟
كملت وهي بتشرح بسرعة:
__في دكتور جاي من مستشفى تانية…
ومعاه الجهاز اللي هتتعمل بيه العملية.
لكن أنا…ماعدتش سامعة باقي الكلام.
كل اللي كان بيرن في ودني—
جملة واحدة بس:
"غرام عندها نزيف في المخ."
وساعتها…حسّيت إن روحي وقعت مني.
