رواية والتقينا الفصل الثالث 3 والاخير بقلم نيرة السيد
" مين تبع حالة جويرية؟
اتخضت مريم وقالت لدكتور
: أنا يا دكتور، هي كويسة؟
قالها ووشه مشحوب، وبيعرق
" محتاجين أنابيب أكسجين حالًا
فبص يونس بهلع لدكتور وسأله بقلق
= أنا عايز أشوفها.. لو سمحت
فالدكتور قاله بحزم
" أنت بتعمل أيه يا يونس هنا، هيجلك مضاعفات، وأنت لسه جسمك بيقاوم
فعيط وقاله برجاء
= لو سمحت دقيقة بس
فوعده الدكتور وقاله
" صدقني حالتها تستقر وهدخلك تطمنها، لوقتها لازم تستريح
فقالتله مريم بخوف عليه
: الدكتور عنده حق يا يونس، فضلًا ترتاح
ونزلت تجيب أنابيب أكسجين، وهي منهارة، مش قادرة تستحمل اللي حصل، أقرب حد ليها حصله كده، أصلها مش مجرد صديقة، دي روحي التاني، جبته، والدكاترة بدأو يركبولي أكسجين ويضاعفوا الكمية، ويعملوا اللازم، فضلت حالتي كده فوق الأربع ساعات حرفيًا، بين الحىٰ والمو/ت، بين قلوب بتدعي، وعيون بتبكي، ونظرات بتتأمل الشفاء
دكاترة داخلة وغيرهم طالعين، كل الوشوش شاحبة، كل الاشارات بتقول إن حالتي مُعرضة للمو/ت، وقرروا الدكاترة بعد استشارة إنهم يقولوا لأهل المريض اللي هو أنا!
فخرج دكتور منهم وبدأ يشرح لمريم ويونس بطريقة طبية، بحيث يقلل الصدمة
فيونس قال بعدم صبر مع خوف وتأمل
= يعني أيه يا دكتور؟ تقصد بكلامك أيه؟
فسكت الدكتور لثواني فصرخت مريم وقالتله
: جويرية كويسة، أنتوا بتكدبوا علينا، أنا عايزة أشوفها
ودفعت الباب، وكانت هتدخل، مسكوها الممرضين وطاقم الدكاترة ومنعوها
فحاولت بنوتة من الممرضين تهديها وقالتلها تطمنها
" يا حبيبتي كل الدكاترة جوه بيعملوا اللي عليهم لآخر لحظة، وصدقني مش هيقصره، وهي بإذن الله هتكون كويسة
فقالت مريم بعياط ونشيج
: أومال ليه الدكتور بيقول في مقدمات؟ ها؟ هي حصلها حاجة قولي؟ بالله عليكِ
كانت مريم بتعيط بقهرة مع صدمة، عايزة تطمن عليا، ومش عارفة، الأمور تقلق حواليها، فجأة سمعت مريم صوت هبد، وكان يونس! وقع علىٰ الأرض، حالته ماكنتش تسمح إنه يقوم من مكانه
بقينا أنا وهو في مكان واحد غايبين عن الوعي، قلوبنا متعلقة ببعض، عيونا منتظرة تلمح طيف التاني ولو لحظة، كل الدكاترة كانوا في أمر تعجب، حالاتنا ساءت لدقايق، وبمجرد تواجدنا في مكان واحد ضربات القلب بقت طبيعية، التنفس بقىٰ مصبوط، الضغط بقىٰ في المعدل الطبيعي
الكل كان بيبص لتاني بنظرة تساؤل: أزاي؟
وبعد ما حالاتنا استقرت، طلعوا طمنوا مريم، ونقلونا لغرف الزيارة، معرفش بعد قد أيه فوقت، بس بدأت افتح عيني ببطئ مع حركة تقيلة، أصوات اللي حواليا بتبدأ تتجمع، لحد ما استعيد وعي، وأنا ببص لمريم بصمت
فقالتلي بفرحة مع عدم تصديق
: جويرية!
وحضنتني فضحكتلها بدون كلام فقالتلي
: حمدلله علىٰ سلامتك يا حبيب عيني
فابتسمت، فحست إني لسه فقد النطق، فقلقت وقامت تنده علىٰ دكتور
عبال ما هي قامت تشوفه كنت ببص بنظري علىٰ الدكتور يونس، لقيته في سرير قصادي، نايم، غايب عن الوعي، دموعي نزلت، في نفس اللحظة فاق، وفتح عينه، وقال
= جويرية!
فحاولت اتكلم معرفتش، كنت عايزة أقوله إني هنا!
الدكتور جي مع مريم، وأنا بحاول أتكلم وأرد علىٰ يونس، فمريم طمنيتني وقالتلي
: يونس بقىٰ كويس
وقالت ليونس والممرضة بتساعده يقعد
: مريم كويسة يا يونس متقلقش
بصينا لبعض، ولأول مرة عيونا تيجي في عيون بعض، وكأن عيونا بدأت بالحديث سوىٰ، لكن غضينا بصرنا فورًا
فالدكتور كشف عليا، وقال لمريم بهدوء وهو بيطمنها
" متقلقيش، فقدان النطق ده غالبًا بسبب الصدمة العصبية اللي مرت بيها، جسمها وعقلها كانوا تحت ضغط كبير جدًا، وده رد فعل طبيعي أوقات بيحصل بعد الحوادث أو الخوف الشديد، لكن بإذن الله هترجع تتكلم واحدة واحدة
فسألت مريم بلهفة ودموعها لسه بعينيها
: يعني هتتكلم تاني صح؟
فابتسم الدكتور ابتسامة خفيفة وقالها
" إن شاء الله، بس محتاجة راحة وهدوء، وأهم حاجة تبعدوا عنها أي ضغط نفسي دلوقت
كنت ببص ليونس طول كلام الدكتور، ولقيته مركز مع كل كلمة، وكأن قلبه بيرجع يدق من جديد لما عرف إني بخير
رفع عينه بصلي، وعينيه كانت مليانة خوف مع ارتاح أخيرًا، وقال بصوت مبحوح وتعبان
= الحمدلله، حمد لله علىٰ سلامتك
دموعي نزلت من غير صوت، وحاولت أتكلم، أقول أي حاجة، لكن مقدرتش
فابتسم ابتسامة هادية فيها طمأنينة، وقالي بلطف
= متتعبيش نفسك، المهم إنك بخير
وسكتنا إحنا الاتنين، لكن لأول مرة، كان السكوت مطمن أكتر من أي كلام
عدىٰ يوم ورا التاني لحد ما بقينا تقريبًا داخلين علىٰ شهر كامل في المستشفىٰ
أنا بدأت أتحسن بالتدريج، أتحرك، أكتب، أبتسم، أفهم كل اللي حواليا إلا الكلام، صوتي كان كأنه اختفىٰ، مهما حاولت أتكلم، يطلع مجرد نفس متقطع وصامت
أما يونس، فحالته كانت بتتحسن هو كمان، لكنه بقىٰ أهدىٰ بكتير، وكأن التجربة دي غيرت حاجة جواه
طول الشهر، كان سريره في الأوضة المقابلة ليا، وكل يوم الصبح يمر من قدام أوضتي وقت التمريض ما يساعدوه يتمشىٰ شوية، وكان كل مرة يبص ناحيتي نفس البصة كأنه بيتأكد إني فعلًا موجودة ولسه بخير
وفي يوم من الأيام كنت قاعدة علىٰ السرير، ومريم بتتكلم معايا، وفجأة شوفت يونس خارج مع الممرض، وشكله مُرهق جدًا، خطواته مهزوزة، ووشه شاحب
فضل ماشي خطوتين، وفجأة.. جسمه اختل، وكان هيقع
اتسعت عيني بفزع، وقلبي دق بعنف، وقبل حتىٰ ما أفكر
صرخت تلقائي وقولت
_ يونس!!
الصوت خرج مني عالي، واضح، مليان خوف
الكل سكت، فمريم بصتلي بصدمة، والممرض وقف مكانه، حتىٰ يونس نفسه رفع عينه ناحيتي بعدم استيعاب، وأنا حاطة إيدي علىٰ بُقي بذهول، مش مستوعبة إني اتكلمت!
فجأة دموعي نزلت، وبدأت أقول بخفوت متقطع
_ أنت.. أنت كويس؟
مريم شهقت بفرحة، وعيطت وهي بتحضني وقالتلي
: بتتكلمي! أخيرًا بتتكلمي يا جويرية!
أما يونس فكان واقف يبصلي، وعينيه فيها شعور مستحيل يتوصف، وكأن الكلمة اللي نطقتها كانت رجوع روحه بعد غياب طويل، وابتسم لأول مرة من قلبه فعلًا
خرجنا من المستشفىٰ أخيرًا
الشمس يومها كانت هادية، والهوا بارد بشكل غريب، كأن الدنيا نفسها بتتنفس بعد كل اللي حصل
مريم كانت جنبي طول الوقت، بتضحك وتهزر وتحاول ترجعني للحياة تاني، وأنا كنت بحاول أرجع فعلًا، لكن قلبي كان متعلق بحاجة واحدة بس، وهي يونس
مش بشخصه بس.. لا، بالتغيير اللي حصل فيه، بالهدوء اللي بقىٰ في عينه، بالصلاة اللي مبقاش يسيبها، بالقرآن اللي كان دايمًا في إيده وقت المستشفىٰ، بالدعاء اللي كنت أسمعه منه بالغلط لما كان فاكر الكل نايم، كل ده كان بيخوفني؛ لأن قلبي بدأ يتعلق بيه فعلًا
وكل ما أحس بالمشاعر دي، أهرب منها بالدعاء، وأقول " يا رب إن كان خيرًا لي فقربه بالحلال، وإن لم يكن فاصرف قلبي عنه "
مر أسبوع كامل بعد خروجنا، لا فيه رسالة، ولا مكالمة، ولا أي محاولة منه للكلام، وده اللي خلاني أحترمه أكتر، لحد عصر يوم الجمعة، كنت قاعدة مع بابا ومريم، وفجأة سمعنا خبط علىٰ الباب
فتح بابا، كان يونس!
لابس أبيض بسيط، وملامحه هادية بشكل غريب، ومعاه والدته
قلبي وقتها اتجمد
دخل بهدوء، وعينه نزلت للأرض باحترام، وسلم علىٰ بابا، وبعد كلام بسيط، كان واخد معاد من بابا، وبابا نسىٰ يقولنا
فقال يونس بصوت ثابت لكنه متوتر
= أزيك يا عمي، يارب تكون بخير
فبابا قاله بترحيب
" بخير يا دكتور يونس، طمني عليك أنت
فقاله بتوتر
= في نعمة يا عمي والله
كنت جوه بلبس، وسامعه وأنا كلي حماس، فتوتر يونس وقاله
= إحنا طالبين القرب منك يا عمي، أنا جاي أطلب إيد جويرية علىٰ سنة الله ورسوله
الصمت وقتها كان مرعب، قلبي كان بيدق بعنف لدرجة حسيت الكل سامعه
بابا بصله بهدوء وقاله
: وأنت متأكد إنك قد المسؤولية دي يا دكتور يونس؟
رفع يونس عينه لأول مرة، وقال كلام خلا قلبي يرتجف
= أنا أول مرة شوفت جويرية كان في أصعب فترة في حياتي وقتها كنت بعيد عن ربنا، ضايع، وعصبي، وبعتبر إن القسوة قوة
وسكت لحظة، وقال بهدوء صادق
= لكن وجودها غيرني خلاني أرجع أصلي بانتظام، وأدعي، وأخاف ربنا في تصرفاتي، لأول مرة بقيت أتمنىٰ أكون إنسان صالح؛ عشان أستحقها بالحلال
دموعي نزلت بدون ما أحس
فكمل وهو صوته بيضعف من الصدق وقاله
= والله ما قربتلها بحرام، ولا حاولت أكلمها من وراكم، وكل اللي طلبته من ربنا في سجودي إنها تكون من نصيبي لو ده خير لينا
مريم كانت بتعيط أصلًا، وبابا ساكت بيبصله بتأمل، أما أنا
فكنت حاسة إن دعائي أخيرًا استجابه
وخلال شهور الخطوبة كان كل شيء هادئ ونقي بشكل يطمن القلب
يونس كان كل مرة بيثبتلي إن الحب الحقيقي مش كلام، الحب أمان، واحترام، وخوف من ربنا في اللي بنحبه
كان يسمعني قرآن قبل أي نقاش، ويذكرني بالصلاة وقت الزعل، وحتىٰ خلافاتنا كانت تنتهي بدعاء
ومع مرور تمانية شهور، اتكتب كتابنا، يومها كنت لابسة الأبيض، وقلبي بيرتعش من رهبة اللحظة، ويونس واقف بعيد باحترام، وعينه مليانة امتنان كأنه مش مصدق إن الدعوة اللي كان بيكررها كل ليلة اتحققت أخيرًا
ولما قال المأذون:
" بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير "
بكيت؛ لأني أدركت وقتها إن بعض العلاقات، بتبدأ بألم شديد، لكن الله عزوجل بيكتبلها نهاية بتشبه الطمأنينة
بعد الزواج مكانش بيتنا أكبر بيت، ولا أفخم حياة، لكن كان فيه حاجة واحدة تكفي الدنيا كلها وهي السكينة
يونس بقىٰ مختلف بشكل يلمسه أي حد، هادي، لين، وصوته بقىٰ أحن من زمان بكتير، حتىٰ نظراته كان فيها طمأنينة غريبة، وكل ما أسأله إيه اللي غيرك كده؟ يبتسم ويقول
= ربنا لما بيحب عبد، بينقذه حتىٰ من نفسه
وكان أكتر وقت بحبه لما يتكلم عن ربنا
وفي ليلة من ليالي ذي الحجة، كنا قاعدين بعد العشاء، والمطر خفيف برا، وأنا بعمل شاي، وهو قاعد يقرأ قرآن بصوته الهادئ اللي يريح القلب
وفجأة قالي
= تعرفي إيه أكتر حاجة بتيجي في بالي يوم عرفة؟
بصيتله باهتمام، فقفل المصحف برفق وقالي
= إن اليوم ده مش مجرد دعاء وصيام وبس، ده اليوم اللي ربنا بيُشهد فيه ملائكته علىٰ عباده
وقرأ بصوت خافت خاشع
= ﴿ وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾
وقال بعدها بهدوء
= النبي ﷺ قال في الحديث: "ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلىٰ اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ . قالوا: يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّ اللهُ عليه وسلَّم: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجل خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ"
خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح، الراوي: عبدالله بن عباس |المحدث: موفق الدين ابن قدامة| المصدر: المغني لابن قدامة| الصفحة أو الرقم: 4/443| التخريج: أخرجه البخاري (969) باختلاف يسير
وسكت لحظة، وكأن المعنىٰ هزه من جوه، وقالي
= تخيلي كده ملايين من الناس واقفين علىٰ جبل عرفة، كل واحد داخل بقلب مليان ذنوب، خوف، ندم، احتياج، وربنا سبحانه بينظر ليهم وبيباهي بيهم ملائكته
وبصلي بعين هادية وقالي
= وعن عائشة رضي الله عنها، إن النبي ﷺ قال: "ما مِن يومٍ أكثرَ مِن أن يُعتِقَ اللهُ فيه عبدًا مِن النار مِن يومِ عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟"
الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم
الصفحة أو الرقم: 1348 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
التخريج : أخرجه مسلم (1348)
كنت سامعاه وساكتة، وهو صوته بدأ يلين أكتر
= أكتر حاجة بتخليني أبكي إن ربنا مش بيجمعهم عشان يفضحهم، بيجمعهم عشان يغفرلهم
دموعي نزلت بدون ما أحس
فكمل وهو باصص للسما وقالي
= يوم عرفة بالنسبالي دليل إن مهما الإنسان ضاع، باب ربنا عمره ما بيتقفل
وابتسم ابتسامة صغيرة وقالي
= عشان كده ربنا قال: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾
وعارفه وقتها افتكرت إيه؟
افتكرت يونس القديم العصبي، التايه، البعيد عن ربنا
وبصيتله دلوقت، لقيت راجل تاني تمامًا
راجل بقىٰ لو زعل توضأ، ولو خاف دعا، ولو أحب أحب بالحلال
قربت أحط الشاي قدامه، فابتسملي وقالي بهدوء
= نفسي السنة الجاية نكون واقفين علىٰ عرفة سوىٰ
ابتسمت بخجل، وقولتله
_ وندعي بإيه؟
فبصلي بنظرة هادية مليانة بامتنان، وقالي
= ندعي بالدعاء اللي كان النبي ﷺ يكثر منه: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"
وقالي بصوت واطي دافئ
= وندعي إننا نفضل طول عمرنا، طريق يودي بعض لربنا مش للدنيا
في اللحظة دي أدركت إن أجمل أنواع الحب، هو الحب اللي بيخليك أقرب لله، مش أبعد عنه
وبكده تكون انتهت سلسلة "والتقينا" واتعلمنها منها أهمية الصحبة الصالحة، الدعاء، والالتزام، وعرفنا أهمية يوم الجمعة، وقيمة الأيام الحُرم، ويوم عرفة
الحكاية؟ كنت فيها.. وكنت هي
#نَـيّـرة_الـسَّـيّـد
تمت
