رواية لولا الغرام الفصل الثاني 2 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل الثاني 2 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل الثاني 2 بقلم روز امين

«بسم الله ولا قوة إلا بالله» 

«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» 

"تنويه هاااام، هذه الرواية أحداثها حقيقية وكل ما ورد بها من أحداث قد حدثت بالفعل" 

🔹الفصل الثاني🔹

«لَوْلاَ الغَرَامُ» 

#_لَوْلاَ_الغَرَامُ،بقلمي روز أمين

__________________________ 

« يقولون أن الصديق مرآةٌ لصديقه، لكن ماذا لو أصبحت المرآة عاكسةً لنارٍ خفية، نارٌ تلتهمُ الودَّ وتنفثُ حقدًا وغِلاً لا مبرر لهما، تقفُ باحثاً عمّن كنتَ تظنّه سندًا، فلا تجد سوى غِلاً دفينًا ونظراتٍ تحاول إخفاء كرهٍ لا مبرر له،فمن كنت تعدهُ صديقًا،اختارَ بملء إرادتِه أن ينصبكَ عدواً له،ويخوضَ ضدك سباقًا وهميًا، لم تركض فيه يوماً ضده.» 

"رشيد المسيري"

بقلمي «روز أمين» 


تجمدت الدماء في عروقها واتسعت عيناها ذهولاً وهي ترى صغيرتها تقبض على سكينٍ ضخم، تغرسه في جوف الأرض بكل ما أوتيت من قوة،صاحت بهلعٍ وهي تهتف بها بحدة، ولولا حرصها على زوجها وصغيرها الغافيان، لأطلقت صرخة مزقت بها سكون المكان:

-إيه اللي بتعمليه دا؟، وازاي تطلعي من البيت في الوقت المتأخر دا؟! 

فزعت الأخرى لثوانٍ قبل أن تستعيد هدوءها وتلتفت للأم قائلة بهدوءٍ مستفز: 

-طلعت فين يا ماما؟، دي الجنينة! 

وتابعت بحماسٍ وحيوية وهي تشير إلى الحفرة: 

-شوفي عملت إيه يا ماما، حفرت حفرة علشان بابا هيجيب لي شجرة يوستفندي وشجرة برتقال، هو عارف اني بحب ريحة زهورهم وهما بيفتحوا

استرسلت بسعادة تجلت بملامحها:

- هو وعدني، انا حفرت لشجرة البرتقال، ولسه هعمل حفرة تانية لليوستفندي


تنهدت مستسلمةً لبراءة صغيرتها الساذجة، وبنظرةٍ آمرة وصوتٍ حاد لا يقبل الجدل، أشارت لها بالدخول: 

-يلا على أوضتك، وحسك عينك تطلعي الجنينة واحنا نايمين تاني، إنتِ فاهمة؟ 


حاولت الاعتراض، لكنّ نظرات الأم التحذيرية ألجمتها، ففرت من أمام غضبها مذعورة، ما إن وصلت لغرفتها حتى دلفت إلى الحمام الملحق بها، اغتسلت واستبدلت ثيابها بمنامة صيفية مريحة، ثم راحت تتأمل تفاصيل غرفتها وأثاثها الأنيق الذي فاق حتى خيالها.

جذب انتباهها حقيبة سفرها الضخمة القابعة في الزاوية، سحبتها وعدلت من وضعها، ثم جلست أرضًا لتفتحها بجهدٍ كبير، وبمجرد أن رأت عرائسها، ارتسمت على وجهها ابتسامة غامرة، احتضنتها بسعادة وبدت في تلك اللحظة كطفلةٍ في السابعة، لا فتاةً تخطو أولى خطواتها في ربيعها الرابع عشر. 

******

صباحًا. 

داخل شقةٍ ينطق أثاثها ببساطة الطبقة المتوسطة، خرجت السيدة من حجرة نومها بعدما تجهزت للذهاب إلى العمل،واتجهت إلى المطبخ، وبعد قليل كانت تتحرك بخفةٍ وسرعة، تنقل أطباق الطعام من المطبخ إلى الطاولة في بهو المنزل.

ارتفع صوتها وهي تنادي على زوجها ونجلها الوحيد: 

-يلا يا كمال الفطار جاهز، يلا يا وائل، يلا بسرعة.

خرج الرجل متعجلاً وهو يعدل رابطة عنقه ويقول مستاءً:

-جرى إيه يا "رغدة"، سرعتينا. 

سحبت مقعدها وجلست وهي تقول بتفسير: 

-متأخرة على شغلي يا"كمال"، يدوب ألحق افطر وألم السفرة وانزل

خرج وائل من حجرته لينضم إليهما قائلاً: 

-صباح الخير 

صباح النور يا حبيبي...قالتها على عجلة ثم أشارت إلى مقعده مسترسلة:

-اقعد افطر علشان تلحق محاضراتك 

حرك رأسه بنفيٍ وقائل:

-مش هينفع يا ماما،متأخر جدًا،يدوب اتحرك علشان ألحق المحاضرة الأولى 

تحدث كمال متأثرًا: 

-طب كُل أي حاجة يا ابني، مينفعش تنزل على معدة فاضية. 

-هبقى افطر مع اصحابي في كافتيريا الجامعة... ثم التفت لوالدته يسألها: 

-هتبقى موجودة هنا النهاردة ولا هتروحي لخالتو يا ماما، علشان أجي لك على هناك


مضغت ما في فمها واسرعت ببلعه لتجيبه باستفاضة: 

-هنروح نعمل ايه يا حبيبي،خالتك الحمدلله وصلت بيتها بالسلامة وكدا مهمتي أنا وجدتك انتهت، وبعدين الناس محتاجة ترتاح، دول جايين من سفر وتجهيزات ياما، واكيد تعبوا. 

-تمام، هخلص محاضراتي واجي على هنا ان شاءالله...قالها وانسحب للخارج، ناولت زوجها فنجان الشاي الساخن وتحدثت: 

-اشرب شايك ليبرد يا كمال

تناوله منها قائلاً بودٍ: 

-تسلم ايدك يا رغود

وتابع يسألها: 

-متعرفيش صادق لقى شغل ولا لسه بيدور؟ 

أجابته وهي تحتسي مشروبها: 

-معرفش والله يا كمال، منى كانت تعبانة امبارح وارهاق السفر كان باين عليها زي ما شوفت،وانا محبتش أتعبها أكتر بأسئلتي، دي حتى طلبت مني أنا وماما نروح لها النهاردة علشان نفتح الشنط وتدينا الهدايا بتاعتنا. 

بسطت يدها وتناولت شريحة من الجبن الأصفر لتضعها داخل الشطيرة،ثم واصلت مسترسلة: 

-لكن ماما رفضت، وقالت لها ارتاحي بكرة، والهدايا براحتك لما ترجعي من المنصورة يبقى ناخدها.


اكتفى بإيماءة صامتة بينما تابع تناول طعامه،وما إن انتهيا حتى انطلق كلٌ منهما في طريقه،مسرعين إلى مقرّ عملهما.


****** 

كانت تتحرك بجوار صديقتها داخل كلية الحقوق في طريقهما إلى الكافيتيريا لجلب مشروب النسكافيه لكلتاهما، ثم العودة سريعًا لاستكمال المحاضرة

قطع طريقهما"يحيى عبدالحق"، بالبداية استاءت وتعجبت ، لكن تعجبها اختفى حين تذكرت شخصه،ارتسمت على وجهه ابتسامة سمجة، وقال مدعيًا ببراءة مُصطنعة، أن لقاءهما لم يكن إلا مجرد صدفة عابرة:

-أنسة "نهلة"،دا إيه الصدفة الحلوة دي! 


اعتلت وجهها ابتسامة فاترة، رُسمت بتكلفٍ وعدم اكتراث على شفتيها، انتظر تعليقها فطال انتظاره،مما دعاه لكسر حاجز الصمت والدخول في صُلب الموضوع،سائلاً إياها بجرأة:

- ممكن أخد من وقتك عشر دقايق؟ 

نظر لصديقتها وتابع مسترسلاً :

-وياريت نتكلم لوحدنا 

-سوري،بس إيه الموضوع اللي ممكن يجمعنا وكمان نتكلم فيه لوحدنا يـــا....هتف سريعًا يعرفها عن نفسه رافعًا قامته لأعلى بتعالي: 

- باشمهندس "يحيى عبدالحق "، صديق" رشيد"

جمع سبابتيه وأشار بهما قائلاً:

- الأنتيم،هو عرفنا على بعض على فكرة،بس الظاهر إن حضرتك نسيتي إسمي. 

مطت شفتيها مع علامات تعجبٍ ساخر، ثم هزت رأسها بعدم اكتراث ، فاستأذنت صديقتها قائلة: 

-هسيبك واروح أجيب النسكافية على ما تخلصي يا "نالو" 

وتابعت كي تحث ذلك الدخيل على الانجاز: 

-وانتِ انجزي علشان نلحق المحاضرة قبل ما الدكتور يدخل. 

ربعت الفتاة ساعديها وسألته بدون اهتمام : 

-اتفضل يا باشمهندس

-أنا هدخل في صلب الموضوع على طول علشان وقتك

حركت رأسها بموائمة جعلته يشعر بعدم تقبلها له،ضاعف ذلك الشعور حقدًا دفين على رشيد، وبنفس الوقت غيظًا من الفتاة، لكنه تجاهل ذاك الشعور ودخل مباشرةً فيما أتى من أجله:

-هو انتِ تعرفي رشيد ساكن فين؟! 

سألته بجبينٍ مقطب: 

-مش فاهمة، دا المفروض سؤال؟! 

أجابها والشر يتوارى خلف قناعِ كلماته: 

-أيوا أنا بسألك

وتابع مختصرًا للوقت:

-طب انتِ تعرفي ان رشيد ساكن في منطقة شعبية جداً؟ كلها بيوت قديمة وعشوائيات، والناس هناك بيئة ودون المستوى. 


رفعت حاجبها لتسأله بسخرية واضحة: 

-وانت بقى جاي تقولي الكلام دا ليه؟!


رد عليها بكلماتٍ معسولة في ظاهرها: 

-علشان انتِ زي اختي ومحبش أشوفك مخدوعة ومضحوك غليكِ


تمتمت متهكمة: 

-يـــــــااااه،زي اختك مرة واحدة


رغم تهكمها الصريح الذي جعله يبتلع ريقه بتوترٍ،إلا أنه واصل حديثه المزيف، مصراً على استكمال المخطط الذي جاء من أجله: 

-أكيد زي اختي،وأنا هنا علشان أنصحك واحذرك من "رشيد". 


-تحذرني!،هو مش المفروض إن رشيد دا صاحبك؟!

والمفروض كمان إنك تدافع عنه وتحاول تجمل صورته قدام أي حد،مش انتَ اللي تيجي وتشوهها؟! 


توقعت أن يخجل من حديثها لكن ما حدث كان على العكس تمامًا،فقد برر حديثه قائلاً بكل ثقة:

-وهو علشان صاحبي أسيبه يغش بنات الناس وأقف أتفرج؟! 

وتابع زيفًا لتبرير حقده الدفين:

-أنا عندي اخوات بنات،واللي مرضهوش عليهم مرضهوش على بنات الناس 


-وانتَ بقى عرفت منين إن رشيد غشني؟!


ابتسم بسخرية وقال مؤكدًا: 

-أكيد هيتكسف يقول لك هو ساكن فين،أو هو وأهله عايشين ازاي، دي حياتهم صعبة جداً. 


أفحمته بإجابتها: 

-تصدق ان رشيد متكسفش ومش بس قال لي،دا صور لي أوضة نومه والبيت اللي عايش فيه، وجاب لي الصور واتفرجت عليها

وتابعت بصرامة تجلت بنظراتها ونبرات صوتها الحاد: 

-من أول يوم عرفت فيه رشيد وهو راجل أوي معايا،عمره ما كذب أو خبى عني حاجة،عارف ليه؟ 


رمقها مترقبًا،لتستطرد هي بنبرة أنثى تعشق بكامل كيانها:

- لأنه راجل متربي بجد، ومعندوش حاجة يخاف أو يتكسف منها،ظروفه اللي حضرتك جاي تحكيها لي على إنها فضيحة ليه، هو ملوش ذنب فيها، ولا دي حاجة تعيبه،"رشيد" شاب يتباهى بيه أي أب وأم، مكافح وشاطر وطموح، وعنده أحلام

وأشارت بسبابتها مؤكدة بثباتٍ وايمان: 

-وهيحققها بإيمانه بربنا وباجتهاده، وبقلبه النضيف


-انتِ ليه كبرتي الموضوع كدا وحسستيني إني بني أدم مش كويس ومبحبش صاحبي...قالها مدافعًا عن حاله بعدما فشلت خطته بالوقيعة بين صديقه وحبيبته الثرية،وتابع مزيفًا الحقائق: 

-على فكرة أنا بحب رشيد جداً،حتى اسأليه، وانا لما جيت وكلمتك في الموضوع كان خوف على صاحبي، خوفت يكون بيخدعك وأهلك يعرفوا وينتقموا منه.


رسم على وجهه الحزن مدعيًا التأثر وهو يواصل كذبه:

- ودا اللي مكنتش هقدر أتحمله في صاحب عمري 


رمقته بابتسامةٍ ساخرة، فقد كانت تدرك كذبه، إذ كان الحقد يقطر من عينيه بوضوحٍ لا يحتاج إلى دهاءٍ لاكتشافه، أراد أن يضمن صمتها،فخاطبها بنبرةٍ مغلفة بالرجاء: 

-ممكن متقوليش لـ" رشيد"على اللي حصل بينا دا، وياريت متجبيش سيرة إنك شوفتيني أصلاً

واسترسل معللاً:

-مش عاوزه هو كمان يفهمني غلط،بالظبط زي ما حصل معاكِ الوقت. 

-متقلقش، مش هقوله ودا مش علشانك... وتابعت بما أحرق قلبه أكثر: 

-علشان لو قولت له هيزعل، وأنا مش بحب أشوف "رشيد"زعلان.

انسحبت لتنضم لصديقتها التي حضرت، بدون أن تعيره أدنى اهتمام،مما عظم من شعور الحقد لديه،كظم غيظه وهو يضغط على يده حتى ابيضت عروقه من شدة الغضب،غادر مبنى الجامعة كالبركان الثائر الذي اوشك على الانفجار بعدما فشلت خطته بالتفرقة بين غريمه وتلك الثرية.

****** 

داخل مدينة المنصورة

بينما كانت تجلس خلف مكتبها المشترك في شركة الأدوية التي تعمل بها، انهمكت بجدية في مراجعة وتعديل أحد الملفات المفتوحة أمامها،"شعرت بظلٍ يقترب، وقبل أن ترفع عينيها،وُضعت باقة رقيقة من الزهور الملونة فوق مكتبها، بها حوالي عشرة زهور، استسلمت لجمال اللحظة، فأغمضت جفنيها بينما رسمت البهجة ابتسامةً عذبة على ثغرها الوردي، رفعت عينيها لتلتقي بخاصتي من امتلك القلب بعذوبة قلبه ورُقي أخلاقه، تمتمت بنبرة رقيقة تضخ عشقًا: 

-علي

"رفعت باقة الزهور واستنشقت عبيرها بنعومةٍ بعثرت بها كيانه، لينطق بأعين تفيضُ غرامًا: 

-صباح الورد على أجمل وردة في الدنيا كلها.


منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها بمقر شركة الأدوية العالمية حيث يعمل، وهي تتقدم بطلب للإنضمام في وظيفة مندوبة مبيعات، سحرته طلتها ولون عيناها البنيتان، ظل لسبعة أشهر يراقبها في صمت، يتقرب منها بهدوء ليكتشف تفاصيل شخصيتها؛ اعتاد عيوبها وتقبلها قبل أن يهيم بمميزاتها، حتى تيقن أن تلك الجميلة هي" فتاة أحلامه" التي طالما بحث عنها، وحين تأكد من عشقه اعترف لها، كانت المفاجأة عندما اعترفت هي أيضًا له، بأنها بادلته الإعجاب منذ اللحظة الأولى، تمت الخطبة منذ عامٍ،والآن،قد بدأت دقات الساعة تعلن عن اقتراب موعد الزفاف المنتظر .

تبسمت وسألته بنعومة: 

-اتأخرت ليه؟ 

"استند بساعديه على سطح المكتب ،واقترب مائلاً بوجهه نحوها،ثم همس بنبرات تهيمُ غرامًا :

-وحشتك؟ 

ارتبكت من نظراته الولهة وهو ينطق حروف الكلمة متعمدًا خجلها، لتزداد حمرة وجنتيها كما يحبهما، استرسل بملاطفة: 

-قولي متتكسفيش.

راقبت نظرات زملائهما بالمكتب ليزيد خجلها حين لاحظت تركيزهم معهما، فهمست له وحمرة الخجل قد كست وجهها: 

-إبعد يا"علي"، مينفعش اللي بتعمله دا، الناس عيونهم علينا 

-طظ في كل الناس، محدش غيرك يهمني يا" داليا"

تراقصت دقات قلبها على انغام حروفه وكأنها موسيقى من الخيال،لكنها ارتدت قناع الجدية للخروج من تلك الحالة،نطقت تسأله بجدية:

- عملت إيه في الاوردر اللي كان معاك؟. 


إعتدل بوقفته وتحدث بابتسامة: 

-كله تمام، خلصته وجبت لك الورد وجيت على طول علشان أشوفك


سألته متلهفة: 

-فطرت يا حبيبي 

-مفطرطش وكنت جعان جداً، بس بعد حبيبي دي... وتابع بأعين تفيضُ من الغرام ما يملؤ نهرًا: 

-خلاص شبعت. 

أشرعت بخروج علبة الشطائر التي أحضرتها له من منزلها، وتمتمت: 

-طب يلا افطر قبل ما تبدأ شغل، أنا عاملة لك البيض بالبسطرمة اللي بتحبه

-والله ما عارف من غير حنية قلبك دي كنت هعمل إيه 

ضحكت وهي تقول بملاطفة: 

-مكنتش طنط فيفي هتعتمد عليا وهتقوم بدري علشان تفطرك. 

جذب مقعد مكتبه المجاور لها وضمه لمكتبها، تحدث وهو يجلس: 

-انا قومت من النوم ملقتهاش أصلاً

عقدت حاجبيها مستغربة، وسألته وهي تواصل فتح العلبة: 

-راحت فين من بدري كدا؟! 

-عند جدتي، خالي صادق جاي بكرة وجدتي محولة البيت كله طواريء 

ناولته إحدى الشطائر، قطم قطعة وتابع وهو ينتقي إحدى حبات الخيار المخلل: 

-وامي طول الليل عاملة لنا مناحة في البيت أنا وابويا 

ضيقت بين عينيها، ليتابع وهو يمضغ الطعام: 

-علشان حبيب قلب مامي مش هيحضر استقبال خاله، ولا وليمة "رقية" الجبارة 

مضغت طعامها وابتلعته، ثم تحدثت بإنصافٍ: 

-طب مهي عندها حق يا "علي"، دا بردوا ابنها، وأي ست بتحب ولادها يكونوا ملمومين حواليها، خصوصًا في عزومات العيلة، دي ماما عملت لنا ميتم في البيت أول يوم عبدالله اخويا راح الجيش.


-دي ستات غاوية نكد وبتعشقه زي عنيها

وتابع بابتسامة جذابة: 

-سيبك انتِ، البيض بالبسطرمة رهيب من اديكي. 


-ألف هنا يا حبيبي... قالتها بابتسامة وهي تنتقي إحدى الشطائر ثم ناولته اياها لتقول: 

-جرب الجبنة الكريمي دي، هتعجبك أوي

تناولها واقتطم منها وبدأ بالمضغ، اتسعت عينيه من لذة ما تذوق، ليسألها: 

-يا نهار أبيض، حلوة أوي، عملاها ازاي دي؟! 


-دي جبنة قريش، حطيتها في الكبة وعليها كباية لبن وحبة زيت زيتون، وزتون مخلي وضربتهم في الكبة. 

توقف عن الطعام وتمعن بعينيها وهو يقول: 

-ليه كل حاجة معاكِ مختلفة؟، تعرفي، أنا عمري ما حبيت الجبنة القريش، ومأكلتهاش من وانا في اعدادي

ابتسمت وتمتمت برقة: 

-عارفة، طنط فيفي قالت لي، علشان كدا فكرت في طريقة أخليك ترجع تاكلها من تاني،علشان تستفاد بالفوايد بتاعتها

بهمس أربك داخلها تحدث: 

-بحبك،والله يا بنتي بحبك. 

توردت وجنتيها وسرحت في سحر نظراته العاشقة،لكن لم يدم اندماجهما فقد انتفض كلاهما على صوت "حنان"، إحدى زملائهم وهي تقول: 

-ما تبطل محن انتَ وهي وتلموا الكافيتريا اللي فاتحينها دي،مش كفاية إنكم قالبين المكتب لنادي العشاق واحنا ساكتين. 

تنهّد بعمقٍ مغمضًا عينيه، هو يقول بضجرٍ مفتعل: 

-يا بـــــاي عليكِ وعلى رخامتك يا"حنان"،مفيش مرة الواحد مزاجه يبقى رايق إلا وتحشري مناخيرك في وسطينا وتقلي مزاجنا


ضربتْ كفاً بكف وتمتمت تلوم حالها بممازحة:

- تصدق انا غلطانة علشان خايفة عليكم،طب يارب المدير يدخل ويشوف المسخرة اللي انتوا عاملينها دي

وتابعت بلومٍ: 

-وساعتها ابقى خلي رومانسيتك تكمل باقي جهازكم يا سي روميو انتَ والست جولييت بتاعتك. 

انتفض قلب داليا وهي تتخيل حدوث السيناريو كما نسجته صديقتها، لتهتف بارتباك وهي تخبأ باقة الزهور تحت المكتب: 

-قوم بسرعة على مكتبك يا" علي"، وأنا هجيب لك باقي السندوتشات تاكلها وانتَ بتشتغل

-يا جبانة... قالها ممازحًا لتجيبه وهي تحكم غلق العلبة استعدادًا لوضعها على مكتبه: 

-ابقى جبانة أحسن ما ابقى مرفودة، ويا عالم هنلاقي شغل إمتى تاني

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة وهو يهز رأسه، ثم عاد إلى مكتبه مستسلمًا للأمر الواقع.

******

دقت الساعة الواحدة ظهرًا

استيقظت الفتاة وفتحت أهدابها رويداً رويداً، وما إن تذكرت وصولهم إلى أرض الوطن حتى اتسعت عيناها وارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة، تمددت بدلالٍ وهي تفرد ذراعيها، ثم نفضت عنها الغطاء وهبت واقفة بحماسٍ وهمة، ولجت إلى الحمام فتوضأت، ثم أدت صلاة الظهر بخشوعٍ كما علمها أبوها، وما إن فرغت حتى خلعت رداء الصلاة، وارتدت منامة منزلية مريحة.

اندفعت عبر الدرج لتهبط إلى الطابق الأرضي، فقد صُمم الطابق الأول بنظام الـ «دوبلكس» بناءً على رغبة صادق، الذي طلب من المهندس المعماري دمج الطابقين ليكون العلوي منهما مخصصاً لغرف نومه وأبنائه، بينما يُترك الطابق الأرضي للمعيشة واستقبال الضيوف،والطابق الثاني والثالث منفصلين تمامًا.

وجدت هدوءًا يخيم على المكان، إلا من صوتٍ خافتٍ يأتي من جهة المطبخ، ركضت إلى هناك لتتفاجأ بوالدها الحبيب مرتديًا مئزر المطبخ ويعد بنفسه طعام الإفطار، كان يوليها ظهره واقفًا أمام الموقد، فتقدمت نحوه وهي تقول بابتسامة كي ينتبه: 

-صباح الخير يا بابا

إلتفت بوجهه البشوش وبابتسامته الحانية تمتم:

-صباح الفل،أخيرًا أميرتي صحيت. 


ارتمت بأحضانه لتتنعم بحنانه الفريد، حاوط كتفها بعناية ثم مال يطبع قُبلة حنون فوق جبهتها وهو يقول مدللاً إياها: 

-بنتي أحلا بنوتة في الكون كله

حلقت بها كلماته إلى عِنان السماء، وتراقص على إثرها قلبها البريء، فهو أبوها، ومن للفتاة غير أبيها يغرس في روحها الثقة، ويغمر فؤادها بالحب؟

عاد ببصره للأمام ليستأنف ما يفعل من جديد، وقفت بجواره ثم سألته مستفهمة:

- هو حضرتك اللي بتجهز الفطار؟! 

تمتم وهو يتابع تحضير الطعام: 

-ما انا قومت من النوم لقيت نفسي جعان جداً، ولقيت ماما غرقانة في النوم، صعبت عليا ومحبتش أصحيها، ونزلت اعمل لي سندوتش جبنة اصبر بيه نفسي على ما تصحى

ابتسم متابعًا بنبرة يملأها الحماس: 

-بمجرد ما دخلت وفتحت التلاجة،لقيت جدتك"وفاء" ماشاء الله عليها، مالية التلاجة خضار وبيض وفول وجِبن ومربات،فقررت أكسب ثواب في ماما واريحها النهاردة، واعمل لكم فطار ملوكي من بتاع جدتك "رقية" 

دارت تبحث بعينيها على ما يصنع وهي تسأله متحمسة:

-طب هتفطرنا ايه يا بابا؟ 


أجابها وهو يحرك الطعام على النار بالملعقة الخشبية: 

-فول بالكمون والزبدة البلدي ، وحبة مسقعة مشطشطين، وشكشوكة مش هتاكلي في جمالها،عمتك "فيفي" كانت معلماني طريقتها زمان، أيام ما كنت قاعد عندها هي والحاج "عزام"

اندفعت تسأله بلهفةٍ وقد قادها فضولها: 

-هو حضرتك كنت قاعد ليه عند طنط "فيفي"، مع ان بيت تيتا" رُقية" مش بعيد عنهم

-يــاه يا "دليلة"، دي حكاية طويلة أوي، بس ولا يهمك، هحكيها لك

ثم التفت إلى تلك الطاولة التي تتوسط المطبخ وقال: 

-بس الأول اقعدي هنا وقطعي لنا طبق سلطة خضرا، أنا مطلع من التلاجة كل المكونات اللي هتحتاجيها، جدتك الله يبارك لها منسيتش حتى الخضرة، هتلاقي عندك جرجير وبقدونس وخس، اغسلي ايدك كويس وقطعي

فعلت ما امرها وبدأت في التقطيع تحت بدأه لسرد الحكاية: 

-بصي يا ستي، أنا ابويا اتوفى وانا صغير أوي،كان عندي عشر سنين، جدتك اتأثرت بموته وقعدت فترة تعبانة،وكان من الطبيعي ان أنا كمان اتأثر، عمتك خافت عليا، كانت متجوزة وقتها بس قعدت فترة مكنتش بتخلف،كانت كل فترة تاخدني أبات معاهم يوم،المهم السنين عدت وخلفت" علي"


قاطعته لتسأله بشغفٍ:

- هو أبيه "علي" أصغر من حضرتك بكام سنة يا بابا؟


-"علي"أصغر مني بـ 13 سنة،وأشرف أصغر مني بـ 16 ، خليني أكملك، لما دخلت اعدادي كنت كل يوم أروح عندهم،زي ما انتِ عارفة ان عمك "عزام "مدرس لغة عربية، فكان بيذاكر لي النحو، وبسببه حبيت اللغة العربية،ومن كتر حبي فيها دخلت كلية أداب لغة عربية،وأنا في ثانوي كنت بقعد عندها بالاسبوع كامل،أكِل شارب نايم عندهم، كانت عمتك عاملة لي أوضة خاصة بيا،فيها سرير ومكتب علشان أذاكر بهدوء

وتابع لسرد ذكرياته بحنينٍ للماضي: 

-كان عندي عجلة جدتك أشترتها لي علشان اروح بيها المدرسة، سبتها لــ" أشرف" لما كبر 

كان يتحدث تحت ابتسامتها الواسعة وشغفها لتكملة الحكاية،تابع وهو يضحك بسعادة: 

-أصل أنا كنت بعتبر أشرف دا ابني، وهو و"علي" كانوا بيحبوني ومتعلقين بيا جداً


تحرك ليقابلها الجلوس وواصل مسترسلاً: 

-طب تعرفي، بعد ما "علي" كبر ودخل ثانوي، لما كانت عمتك تحب تقنعه بحاجة ومتقدرش عليه، كانت تكلمني، أروح أقعد معاه، منكملش ربع ساعة ويقتنع برأيي على طول

قطع وصلة الغوص في أعماق الذكريات دخول "منى" التي نطقت بذهولٍ:

-انتوا بتعملوا إيه؟

هتفت الفتاة بصوت حماسي: 

-بابا جهز لنا الفطار علشان مش تتعبي


تلألأت عينيها بلمعة من شدة سعادتها لاهتمام زوجها وحرصه على راحتها، ابتسمت وهي تقول شاكرة: 

-ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبداً يا "صادق" 

رد عليها بعينين تقطرُ احترامًا وحبًا وودًا وعرفان: 

-ويخليكِ ليا يا حبيبتي 

وتابع والبهجة تلمع في مقلتيه، وكأنه يرى في تلك اللحظة تحقيقًا لحلمٍ طال انتظاره: 

-يلا بسرعة علشان نفطر، علشان نروح مع بعض نستلم العربية 

أشارت لصغيرتها بتنبيه: 

-اطلعي صحي اخوكِ يا دليلة، على ما اخرج الاكل برة على السفرة تكونوا نزلتوا.

هرولت الفتاة بينما تحركت الأم نحو الطعام وما أن تناولت أحد الأطباق استعدادًا لسكب الطعام به،حتى أخذه منها قائلاً بنبرة تقطرُ ودًا:

-سيبي الاطباق أنا هخرجها ،انتِ النهاردة ملكة،والملكة لازم ندلعها

ضحكت ليتابع هو بإبانة:

-هنخرج نستلم العربية من المعرض، وبعدها نروح نجيب كل اللي ناقصنا، ونتغدى في المكان اللي تختاريه انتِ بنفسك 

-كمان هتغدينا برة...قالتها بسعادة ليتابع هو بابتسامة:

-كله لجل راحتك يا منمن


توردت وجنتيها ليتابع هو بنبرة يملأها الحماس: 

-اطلعي اقعدي في الجنينة علشان هنفطر فيها، خلينا نشم نفسنا واحنا بناكل ونشوف شمس ربنا. 


اجتمعت العائلة في الحديقة وتناولوا الطعام تحت سعادة الجميع، وبعدها ذهبوا إلى معرض السيارات الذي اتفق معه "كمال"، وسلم جزءً من سعر السيارة وحدد موعد الاستلام، وها هو اليوم سيذهب ويتمم البيعة ويستلم سيارته. 


******

كعادتهما في تمام الحادية عشرة مساءً،موعد عناق روحيهما المعتاد، ساوره شعورًا مقلق، 

فجميلتهُ لم تكن على طبيعتها المعتادة، سألها بقلقٍ رغبةً منه في الاطمئنان عليها:

-مالك يا حبيبتي،انتِ كويسة؟

لم يخطئ قلبه حين استشعر حيرتها،ولما لا وهو الحبيب الذي يشعر بها ،فبرغم انغماسها بالحديث معه إلا أن عقلها ظل مشغولاً بكلمات ذلك الحاقد الذي لم يستطع إخفاء غله تجاه حبيبها، تمتمت بتشتت ظهر من بين حروفها : 

-أنا كويسة،بس عاوزة أسألك عن حاجة 

-إسألي.

تنفست مطولاً قبل أن تطلق سؤالها:

-هي إيه طبيعة علاقتك بصاحبك اللي اسمه "يحيى"؟ 

ضيق عينيه بدهشة، ثم سألها بحيرة: 

-غريب سؤالك ؟!

أجابت عن سؤاله بسؤالٍ آخر: 

-ليه غريب؟!

أجابها متعجبًا:

-أصل أنا معرفك عليه من أول ما علاقتنا بدأت تقريبًا،ودي المرة الأولى اللي بتكلميني فيها عنه؟!، مش غريبة شوية!. 

ردت معللة: 

-بحب أطمن عليك يا"رشيد"، عاوزة أعرف عنك كل حاجة 

تسللت السعادة إلى قلبه حين لمس مدى اهتمامها به، وارتسمت على ثغره ابتسامة عذبة وهو يجيبها: 

-بس انتِ تقريباً عارفة كل حاجة يا قلبي. 


جاء صوتها جادًا، وكأنها لم تستمع بتلك الرقة التي غلفت نبرته الحنون: 

-إلا علاقتك بصاحبك دا، عمرك ما كلمتني عنه... وأكملت كلامها لتطرد شكوكه بغرابة سؤالها:

-مع انك كلمتني كتير عن"سامر" 

أجابها مفسرًا: 

-"سامر" يختلف، دا اخويا يا" نهلة"، احنا مع بعض من اعدادي، وروحنا نفس المدرسة في ثانوي، حلمنا بالهندسة واجتهدنا والحمد لله وصلنا، "يحيى" هو كمان كويس، لكن مكانته عندي مش زي سامر أبدًا. 

-انتَ تعرفه من الجامعة؟! 

-لا، "يحيى"هو كمان كان معايا أنا و"سامر" في الثانوية

قررت اتخاذ خطوة شجاعة بعدما قررت كشف نوايا ذلك الحقود باتجاهه، لتقول بصوتٍ ظهر مترددًا: 

-بص يا "رشيد"،بصراحة كدا فيه حاجة حصلت من" يحيى"صاحبك،وأنا مكنتش ناوية أقول لك،حتى انا وعدته بكدا

ازدردت لعابها وأخذت نفسًا عميقًا لتتابع تحت صمته المريب: 

-بس انتَ عارفني، أنا مبعرفش أخبي عنك حاجة. 


اندلعت في صدره نيرانٌ مستعرة، وفي تلك الثواني الخاطفة نسج له خياله عدة سيناريوهاتٍ مرعبة، كان أبشعها أن يكون ذاك الذي اعتبره صديقًا، قد تجرأ بلمسةٍ أو نظرةٍ على حبيبته،لذا صاح بملء صوته وجميع عروق جسده تنتفضُ غيرةً ثائرة على أنثاه: 

-عمل لك إبن الكلــ..... ده ، انطقي بدل ما اروح أرتكب لك فيه جناية حالاً. 

انتفض جسدها رعبًا إثر صرخته الأخيرة، لتغمض عينيها بشدة وهي تقول برجفة ظهرت بصوتها: 

-ممكن تهدى وتبطل عصبية وانا هحكي لك على كل حاجة 

قصت عليه كل ما دار بينهما اليوم،من بداية زيارته الغريبة لجامعتها،وصولاً بحديثه المسموم عنه، ومع كل جملة كانت تسردها تزيد من نار ذلك الذي صُدم في صديقهُ،انهت حديثها وانتظرت لكنها لم تجد منه سوى الصمت المطبق،هدأت عاصفة صدرها ثم سألته بترقبٍ وحيرة: 

-انتَ ساكت ليه يا "رشيد"؟! 

تنفس مطولاً قبل أن يجيبها بصوتٍ هزيل: 

-هتكلم أقول إيه يا" نهلة"

-أي حاجة،بس المهم ما تسكتش وتقلقني عليك.


زفر بشدة قبل أن يقول بصوتٍ مثقلاً بالهموم: 

-بدور جوايا على كلام يناسب الحدث مش لاقي

حرك رأسه بحيرة وتايع مستطردًا: 

-طب أنا عملت له إيه علشان يكرهني ويحقد عليا بالطريقة دي.؟ 


هتفت بنبرة حادة يملؤها غضبٌ نابعٌ من الحزن الذي لمسته في صوت حبيبها بسبب حديث ذاك الحاقد: 

-هو بيكرهك لانه حاسس بالنقص وقد إيه هو صغير جنبك، هو شايف إنك قدرت تنجح في كل حاجة برغم ظروفك الصعبة يا "رشيد"،مستكتر عليك حب الناس وان كل اللي حواليك شايفينك قدوة. 

تابعت باستفاضة: 

-"يحيى" من جواه شخص مش سوي ،انتَ ناسي السنة اللي فاتت لما اترشح قصادك في رئاسة اتحاد الطلاب،وقتها أنا استغربت تصرفك جداً،وسألتك ازاي لسه مكمل معاه ومقربه لدايرتك برغم اللي عمله! 

استطردت تذكره: 

-رديت عليا وقولت لي دا حقه يا نهلة،من حقه يحلم ويطور من نفسه،ومش من حقي إني أحاسبه على طموحه. 

كان يستمع إلى حديثها بعقلٍ مشوش وقلبٍ منكسر،

كيف تجرأ صديقه على خيانته؟، ولما فعل هذا؟! أليس من المفترض أنه من أصدقائه المقربين،قرر إنهاء الاتصال لعدم قدرته على مجاراتها بالحديث: 

-معلش يا" نهلة"انا مضطر اقفل 

هتفت تسأله بلهفة: 

-طب انتَ كويس؟ 

رغم وطأة شعوره بالسوء،إلا أنه أجابها بهدوءٍ ليبث في قلبها الطمأنينة: 

-أنا كويس يا حبيبتي متقلقيش،بس فعلاً مش قادر أتكلم،محتاج اقعد مع نفسي شوية 


شعرت بمرارة ما اقترفته من سوء، وراحت تلوم نفسها على ما فعلت،لتنطق والذنب يؤرق روحها: 

-انا هقفل،بس اوعدني مضايقش نفسك،علشان خاطري يا رشيد، كمان حاول تبعد عن البني أدم دا على قد ما تقدر،اتفقنا؟ 

لم يعد قادرًا على المجادلة ليتحدث بحدة ظهرت بنبراته المشتعلة:

-خلاص بقى يا نهلة،قولت لك مش قادر اتكلم


عذرت حالة الغضب التي انتابته، لتنطق بهدوء: 

-أوكِ أنا أسفة...صمتت لبرهة وحين طال صمته هو الأخر تحدثت:

-تصبح على خير يا حبيبي. 

وانتِ من أهله... قالها وانهى الاتصال على الفور،ليخلو بنفسه وسط زحام تساؤلاته. 

******

مع بزوغ فجر يومٍ جديد، تنفس الصباح ببطء، كأنه يلوح لأحزاننا وهمومنا بالرحيل، ويمنحنا فرصة لنعيد ترتيب أنفاسنا المحملة بالتفاؤل واليقين. 


تحامل على نفسه واستيقظ من نومه مُثقلاً، فقد كان يومه بالأمس حافلاً بالأحداث ومجهداً للغاية، بدأ باستلام سيارة العائلة الجديدة،ثم انطلق ليلبي احتياجاتهم ويشتري ما يُدخل البهجة على قلوبهم، ولم ينتهِ اليوم عند هذا الحد، بل اختتموه في مطعمٍ فاخر استمتعوا فيه بتناول أشهى الأطباق المفضلة لديهم، قبل أن يعودوا إلى منزلهم السعيد في ساعة متأخرة من الليل.

استعدّ الجميع وانطلقوا في رحلتهم قبل أن يتنفس الصبح، استقر خلف عجلة القيادة وبجانبه زوجته الرقيقة، بينما اتخذ صغيراه مكانيهما في المقعد الخلفي.

كانت تتابع الطرقات بترقبٍ وانبهار، كم كانت تتوق لزيارة أهل والدها، فهي تعشق عائلتها، وكم تمنت المكوث في تلك القرية التي نشأ فيها أبوها،تطلعت إلى السيارة لتقول بصوتٍ يملأه الحبور: 

-العربية حلوة أوي يا بابا

طالع ملامحها الرقيقة في انعكاس المرآة، وبابتسامة حانية سألها باهتمام: 

-عجبتك يا قلبي؟ 

نطقت بحماسٍ أعلى: 

-أوي، عجبتني أوي

قالت "منى" وهي تنظر إلى زوجها بإعجاب: 

-العربية فعلاً حلوة أوي يا صادق،واسعة ومُريحة،ربنا يرزقنا خيرها ويكفينا شرها.


-يارب يا حبيبتي... ثم تطلع إلى ذاك الجالس بصمتٍ وسأله:

-وانتَ يا "أحمد"باشا، عجبتك العربية ولا إيه؟! 

-كويسة... نطقها بوجهٍ عبوس، تنهدت والدته بأسى ثم نظرت إلى زوجها وهي تقول: 

-لما نوصل البلد ويشوف الولاد، هيندمج معاهم وينسى كل حاجة.

-أكيد يا حبيبتي، متقلقيش، كل حاجة هتتحل مع الوقت. 

__________ 

في إحدى قرى المنصورة الهادئة، كان بيت المرحوم "بدران تاج الدين" يضجُّ بالحياة والزحام الدافئ، فقد اجتمعت بناته الثلاث في المطبخ، وانخرطن في سباقٍ مع الوقت لتجهيز أصناف "المحاشي" والخضروات الطازجة، وعلى الجانب الآخر، حضر السيد "عزام" يرافقه نجله "علي"، حيث قاما بذبح الخروف وتجهيز لحمه للطهي في أجواء تملؤها المودة.

بعد الانتهاء من عملية الذبح، استقرا الرجل وابنه في "الفيراندا" بصحبة السيدة "رقية"، التي كانت تتأمل بملامح وجه جادة حديقة منزلها، مراقبةً أحفادها الصغار وهم يركضون بمرح، وتتعالى ضحكاتهم في الأرجاء، أقبلت عليهم " فاطمة" وهي تحمل صينيةً رُصت عليها أكواب الشاي بدقة، وضعتها فوق الطاولة وقالت: 

-الشاي يا حاجة

أشارت لنجلتها بهدوء: 

-قدمي للحاج"عزام" الاول

وتابعت مستفسرة: 

-مجبتيش قرصتين من اللي عملناهم امبارح ليه يا فاطمة؟ 

أجابتها وهي تناول زوجها كوبه: 

-نسيت والله يا ماما، دماغي مقلوبة من قلة النوم 

تحدث عزام بترفع وعفة: 

-ملوش لزوم يا حاجة، احنا فطرنا قبل ما نيحي

ردت باستفاضة: 

-دي قرص عملناها بالليل، بالسمنة البلدي والقشطة والحليب،إنما إيه، هتعجبك أوي

ناولت "فاطمة"نجلها كأسه ثم اخذت خاصتها وجاورت زوجها الجلوس، ارتفع صوتها وهي تنادي على شقيقتها الصُغرى: 

-هاتي طبق قُرص من عندك يا "أماني". 

تدخل"علي" في الحديث مداعبًا جدته: 

-أيوا بقى يا حاجة" رُقية"،الغالي كله اتعمل لحبيب القلب اللي راجع من الغربة.

تبسمت بخفوتٍ ثم قالت لائمة: 

-يعنى أنا مقصرة معاكم يا "علي"؟ 

نطق بابتسامته المعهودة: 

-فشر يا ست الكل، دانتِ الحاجة" رقية"،صاحبة الواجب كله. 

أومأت تشكره بخفوتٍ، ثم وجهت حديثها لزوج ابنتها بامتنان: 

-معلش يا حاج "عزام"تعبناك معانا، أنا كنت هبعت لمحمد الجزار، بس كان هيركني لبعد الظهر ويأخرنا عن الغدا


-تعبك راحة يا ست الكل، أنا تحت الأمر دايمًا،... وتابع باستفاضة: 

-وبعدين هو مين اللي كان علمني الدبح، مش عمي الحاج" بدران" الله يرحمه، أيام ما كنت صغير لسه وباجي مع ابويا

تطلع على نجله وواصل مستطردًا:

-كانوا يتشاركوا كل أول شهر، ويجيبوا الخروف يدبحوه مع بعض، وكل واحد ياخد النص بتاعه.


تنهدت والأسى ظهر على ملامحها وهي تتذكر حياتها مع زوجها الراحل، لتقول بهمسٍ متأثر: 

-الله يرحم الجميع، كانت أيام كلها خير وبركة 

وافقها الرأي بينما نظر "علي" على ساعة يده وتحدث: 

-هو خالي "محمد" اتأخر ولا انا بيتهئ لي؟، مش المفروض يبقى هنا من بدري ويستقبل اخوه ؟! 

لوت فاهها وتحدثت بتبرمٍ: 

-على ما الغندورة مراته تحط كيلو الورنيش اللي بتلطعه على وشها وهي طالعة، يكون اليوم خلص. 


استغفرت فاطمة وهتفت تراجع والدتها علها تهتدي: 

-وبعدين يا ماما، مش قولنا ملناش دعوة بحد؟ 


هتفت باعتراض واستياء: 

-مليش دعوة بيها ازاي وهي مرات ابني، دي الجيران بتاكل وشي كل ما تيجي ويشوفوها بلبسها المحزق يا فاطمة،فاكرة لي نفسها لسه عيلة صغيرة، وناسية ان عندها بنت هتتجوز بعد كام شهر

وانتقلت على زوجة نجلها الاخر منتقدة:

- ولا مرات صادق دي كمان، اللي باصة لنا ولا كأنها بنت جناب السفير، وهي ابوها كان حتة موظف لا راح ولا جه

راجعها "علي" معترضًا على طريقة تفكيرها العقيم: 

-وماله الموظف يا جدتي، ما كلنا موظفين 

تمتمت عن اقتناع: 

-موظف عن موظف يفرق يا على، إحنا فلاحين ولينا أصل وعيلة، وعندنا بيوت ملك وأراضي لا ليها أول من أخر، لكن بتوع مصر دول محلتهمش حاجة، حتى الشقق اللي بيسكنوها مأجرينها


ارتشفت من كوب الشاي ثم تنهدت واسترسلت بأسى: 

-خليني كاتمة في قلبي وساكتة يا ابني، أنا اللي بختي قليل ومليش حظ في جوزات عيالي الرجالة. 

مال على أمه وهمس ساخرًا: 

-ابتدينا فقرة الندب، ربنا يستر ومندخلش في فقرة النواح. 

-إتلم يا واد واختشي، لو سمعتك هتسيب الكل وتمسك فيك انتَ، وهتبقى ليلتك مش فايتة

-لا وعلى ايه،الصمت لغة العظماء

تحدثت السيدة مستشهدة بزوج ابنتها: 

-طب قولي انتَ يا حاج "عزام"، ينفع اللي بيعملوه دا؟! 


نصحها لوجه الله وبما يمليه عليه ضميره اليقظ: 

-ملكيش دعوة وخليكي في نفسك يا حاجة،كل واحد مننا مسؤول عن نفسه، وهو اللي هيتحاسب عن أهل بيته. 

لم يرق لها رده فغيرت الموضوع: 

-البت مجبتش القرص يا فاطمة 

-مشغولين في الطبيخ يا ماما،المطبخ جوه يضرب يقلب، هقوم انا اجيبها. 

ما ان وطأت بقدميها أرض المطبخ حتى صاحت عايدة التي تباشر تسوية الطعام، بنبرة ساخطة: 

-خلينا احنا كدا مقطوع نفسنا من الشغل وقلة النوم، والهوانم ييجوا ياكلوا على الجاهز، خدامين أهاليهم احنا. 

زفرت فاطمة قبل أن ترد على تلك الغاضبة: 

-احنا بنعمل لاخواتنا وولادهم يا عايدة

وتابعت كي تغلق على شقيقتها باب النقاش: 

-شدوا حيلكم شوية، انا هطلع لهم طبق قرص وهاجي أكمل معاكم حالاً

أردفت أماني برفقٍ ولين: 

-براحتك يا أبلة، لو حابة تريحي ظهرك شوية، ريحي برة واشربي شايك بالمرة، واحنا أهو شغالين. 

______

وصل "محمد بدران" برفقة عائلته، زوجته "سوزان"، وابنته الكبرى" لبنى" ذات العشرين عاماً، ونجله "هيثم"والصغيرة"ماجي" وما إن توقفت السيارة أمام البوابة الحديدية، حتى ترجل "هيثم" و"لبنى" بخطى باردة وابتساماتٍ متكلفة، بينما انطلقت الصغيرة "ماجي" كالسهم لترتمي في أحضان عمتها "فاطمة".

كانت" رقية"تراقب ظهور تلك المتعجرفة بلهفةٍ لترى ماذا ترتدي هذه المرة،ظلت جالسة بارتخاءٍ إلى أن ترجل زوجها واتجه لناحيتها وفتح لها الباب باحترام،نزلت من السيارة بخطواتٍ محسوبة ورقي كأنها ملكة، جاورت زوجها في مشيتها بخطى ثابتة ورأس مرفوع، كانت ترتدي كنزةً محتشمة التفاصيل ذات أكمام طويلة،وبنطال چينس بسيط، بينما رفعت شعرها الأشقر في كعكةٍ منسقة أعلى رأسها،وهذا ما منحها مظهرًا وقورًا . 

وما إن وقعت عليها عينا حماتها، حتى احتقن وجه الأخيرة وتبرمت لاويةً ثغرها في استنكارٍ جليّ. 

أقبل" محمد" على والدته الجالسة بوجهٍ مكفهر، قَبل رأسها وكف يدها وهو يقول: 

-ازيك يا ماما، أخبار صحتك إيه يا حبيبتي 

حاوطت فكها بكف يدها وطالعته باستهجان قبل أن تقول عاتبة: 

-تهمك صحة أمك بجد يا محمد؟ 

أخذ نفسًا عميقًا لتحمل سخط والدته، ثم أجابها بهدوء: 

-أكيد يا حبيبتي 

ترقرقت الدموع بعيناها بفضل جفاء نجلها، ثم تنهدت وتمتمت بصوتٍ يملؤة القهر: 

-بأمارة إيه؟! دا أنا ليا شهرين مشوفتش وشك، من أخر مرة جيت في عزا عمك، ومن يومها وانت كل اسبوعين تلاتة ترن لي مرة في التلفون، وأخرك عشر دقايق وبتقفل 

برر تقصيره بعذرٍ أقبح من ذنب: 

-غصب عني يا حاجة رقية، أنا دكتور في الجامعة ووقتي مش ملكي، التدريس واخد كل وقتي. 


تدخلت "فاطمة" لإنهاء تلك المناقشة الحادة قبل أن تتحول إلى نزاعٍ عنيف: 

-خلاص يا ماما، مش وقت عتاب يا حبيبتي. 


ونظرت إلى "سوزان" التي تقف بترفعٍ وكبرياء تقلب عينيها بسأمٍ تنتظر حتى انتهاء هذا النقاش السخيف من وجهة نظرها، فتابعت فاطمة وهي تشير إليها: 

-سوزان واقفة وعايزة تسلم عليكِ. 

تبرمت لاوية فكها بينما ابتعد الرجل لافساح الطريق إلى زوجته التي قالت بصوتٍ آلي وهي تمد يدها على مسافة بعيدة للسلام: 

-ازي حضرتك يا طنط. 

-كويسة يا حبيبتي... تمتمت بها بجفاء وسحبت بصرها بعد أن رمتها بنظرة ازدراءٍ لخصت بها عدم تقبلها للمرأة، تبادل الجميع التحية والاحضان وجلسوا، ليتحدث محمد وهو يتلفت من حوله بتمعن: 

-هو صادق لسه مجاش ولا إيه؟! 

ردت عليه فاطمة: 

-جايبن في الطريق،إتصل بينا قبل ما يتحرك


رد الرجل بهدوء: 

- يوصلوا بالسلامة إن شاءالله 

خرج صوت والدته محتقناً بالاستياء، وهي تسأله بنبرة حادة نتيجة أفعاله المحبطة لقلبها: 

-انتَ ليه مرحتش تجيب اخوك وعياله من المطار زي ما وصيتك في التلفون؟! 

أجابها بلا مبالاة وعملية: 

-كان عندي اجتماع مهم مع عميد الجامعة، ومقدرتش اعتذر عنه يا ماما. 

قطبت جبينها لتسأله بغضب تجلى بنظراتها: 

-هو شغلك بقى أهم من أهلك يا "محمد"؟! 

وتابعت بنبرة تملؤها المرارة: 

-بقى تخلي راجل غريب هو اللي يروح يجيبه وتقول لي كان عندك شغل؟! 

لمح في مقلتيها حزنًا دفينًا أثار استغرابه، فلم يكن الحدث يستدعي كل هذا الشجن،وبرغم هذا تجاهل مشاعرها ورمقها بنظرةٍ فاترة، ثم أجابها ببرودٍ:

-ومن امتى"كمال" كان غريب عن "صادق"؟، دا عديله ومن الطبيعي يكون في استقباله

كظمت حزنها بلُبها وفضلت الصمت،بينما تحدثت زوجته ويا ليتها التزمت صمتها للنهاية:

-وحياتك يا ماما احنا جايبن النهاردة بمعجزة،أنا لغيت كل محاضراتي بتاعت النهاردة وبكرة،مع ان امتحانات الطلبة هتبدأ بعد كام يوم، وحرام أضيع عليهم المحاضرات،بس قولت مش مشكلة،لازم نيجي علشان حضرتك متزعليش. 

رمقتها بمقتٍ وردت بطريقة تقطرُ جفاءً:

-وأنا إيه اللي يزعلني في عدم مجيك يا ست الدكتورة؟!،مكنتيش عطلتي نفسك ولغيتي شغلك


ثم سحبت مرمى بصرها بعيدًا وتابعت: 

-كان كفاية العيال وابوهم ييجوا 

غمز محمد لوالدته لتكف عن حديثها المسموم،وقال بنظراتٍ يملأها العتب : 

-ماما

إلا أنها لوّحت بكفها معترضةً وهي تقول باستهانة: 

-يخويا بلا ماما بلا بابا

تأججت نيران الغضب في عروقها عندما صمت الجميع وصوبوا نظراتهم نحوها،فانتفضت بجسدٍ يرتجف غيظاً، وأطلقت صرخة احتجاجٍ وهي تقول: 

-هو دا جزائي يا طنط؟!، أنا غلطانة فعلاً إني جيت. 


تعالت أصوات الجميع يحاولون تهدأت الوسط الذي اشتعل بلمح البصر، لتبسط المرأة كفها باتجاه محمد: 

-هات مفتاح العربية وخليك مع مامتك انتَ وولادك،أنا راجعة القاهرة حالاً.

نطقت كلماتها وانطلقت كالإعصار الثائر باتجاه السيارة،انتفض محمد ورمق والدته بنظراتٍ تقطر لومًا، ليقول قبل أن ينطلق مهرولاً نحو زوجته: 

-والله ما بحب أجيب مراتي وولادي علشان كدا. 


ضربت "فاطمة" ساقيها بقلة حيلة وانفعالِ، وارتفع صوتها ساخطاً يقطر لوماً وعتاباً : 

-مبسوطة يا ماما؟، أديكي ولعتي الدنيا بكلمتين مكانش ليهم لازمة

واصلت حديثها بألمٍ: 

-و"صادق" يا قلب أخته، بدل ما ييجي يلاقينا مستنيينه وناخده بالاحضان،هيلاقي خناق ومشاكل وهم ما يتلم مستنيه.

صاحت المرأة بحدة، في دفاعٍ عن حالها: 

-يعني في الاخر هتطلعوني أنا اللي غلطانة!، هو انتِ مسمعتيش كلامها وتناكتها عليا يا ست "فاطمة"؟! 

تدخلت "أماني" تحدثها بالحكمة: 

-مكنش وقته يا ماما. 

بينما هتفت عايدة لتشعل الاجواء أكثر: 

-ما تظبطي كلامك منك ليها، اللي اسمها سوزان دي عقربة، وهي اللي ابتدت بكلامها المايع مع امكم. 


تحرك السيد"عزام" نحو المرأة في محاولة منه لتهدأت الوسط،فتحدث إلى السيدة بهدوء: 

-صلي على النبي يا دكتورة، الحاجة متقصدش تزعلك، وبعدين مهما كان دي ست كبيرة ولازم نحط سنها في اعتبارنا. 

كانت تنتفض من شدة غضبها، تجاورها ابنتها الكبرى التي هبت نصرةً لوالدتها: 

-وهو سن تيتا مش بيظهر غير على مامي وبس؟! 


لم يرق للرجل تعدي الفتاة على جدتها وتخطيها حدود الأدب، لذا نطق بصرامة: 

-عيب تقولي كدا على جدتك يا لُبنى، خرجي نفسك من وسط الكبار يا بنتي

زفرت الفتاة فراجعها والدها نصرةً لابن عمه: 

-اسمعي كلام عمك واسكتي يا لبنى


شكره الرجل بعينيه ثم خاطب المرأة من جديد بنبرة ودودة: 

-حقك عليا أنا يا دكتورة، صادق زمانه على وصول، وحرام يرجع بعد غربة سنتين يلاقي مشاكل وخناق قدامه

ربت محمد على كتف زوجته وتمتم بنظراتٍ مترجية:

-خلاص بقى يا سوزان،علشان خاطر الحاج "عزام" 


أقبلت عليهم فاطمة وأماني في محاولة لاصلاح ما أفسدته والدتهن، لكنهما تفاجأ بحديث المرأة وهي تقول: 

-أنا هدخل علشان خاطر حضرتك بس يا حاج عزام،وصدقني،لولا كدا ما كنتش رجلي خطت البيت دا تاني. 


-ربنا يجبر بخاطرك يا بنت الأصول...قالها وهو يغض بصره للأسفل،اقتربت منها فاطمة وحاوطت كتفها وهي تقول:

-ربنا يكملك بعقلك يا سوزان

وأشارت بكفها للداخل،لكنهم استمعوا لصوت بواق سيارة فاتجهوا بأبصارهم نحوها،هدأت السيارة وترجل منها صادق،وما أن رأته فاطمة حتى صاحت باسمه وهرولت لترتمي بأحضانه،شدد عليها وهو يقول بحنان مفرط: 

-وحشتيني يا أبلة، وحشتيني أوي

كانت تنثر قبلاتها الحارة على رأسه وكل ما يقابلها من وجهه وهي تقول بدموع الحنين: 

-يا قلبي يا صادق،وحشتني يا نن عين أختك. 


ترجلت الفتاة والبهجة تشع من عيناها، يسبقها شوقٌ جارف لجميع أفراد عائلتها ، هرولت إلى عمتها"أماني" التي استقبلتها بذراعين مفتوحتين، وضمّتها إلى صدرها بقوة وهي تقول بنبرة غلب عليها الحنين:

-يا حبيبتي، وحشتيني يا "دليلة"

ردت على عمتها بودٍ ممتزجًا باحترام،أظهرا رقيّ تربيتها وحسن أدبها: 

-الله يسلمك يا عمتو،حضرتك كمان وحشتيني جداً. 


ترجلت "منى" من السيارة بهدوء،وجدت الشقيقتين منشغلتين بشقيقهما فلم تريد قطع الوصل بينهم، أقبلت على "عزام" وهي تقول بابتسامة ودودة:

-ازي حضرتك يا حاج "عزام" 

كان رجلاً صادقًا مع ربه، يتقيه ويخشاه، عفيفَ اليدِ والنظر، لا يصافحُ النساء ولا يفتنهُ التطلع إليهن، بل كان يحادثهن غاضاً طرفه، ضاماً كفيه بوقار، قاطعًا الطريق على من قد تهم بمصافحته.

رد تحيتها باحترام ووقار:

-في نعمة الحمدلله يا ام احمد،حمدالله على سلامتكم 

-الله يسلمك...إقتربت من سوزان التي قابلتها بابتسامة قسرية،في محاولة منها بإخفاء اضطرابات ما حدث منذ قليل. 

احتضنت "دليلة" عمتها "فاطمة" بشوق، فانهمرت دموع الأخيرة تأثراً بلقاء عائلة شقيقها العزيز، لطالما كانت العلاقة بين "صادق" و"فاطمة" استثنائية،لم يكن صادق بالنسبة لفاطمة مجرد أخ، بل كان بمثابة الابن الذي لم تلده، والصديق الوفي الذي يمنح روحها السكينة في لحظات الانكسار. 


اندفع صادق للداخل متجاوزاً الجميع، فقد لمحت عيناه تلك الواقفة في الفيراندا تراقبه بأعينٍ تملؤها اللهفة، لم يكن حنينها من فراغ، فهو الإبن البار الذي يراعيها رغم غربته، يهاتفها مرتين أسبوعياً، ويحرص على إرسال مبلغًا من المال شهريًا، قد خصصه لها،ورغم أنها لم تكن بحاجةٍ للمال، إلا أن سعادتها كانت تكمن في حاجتها لذاك الاهتمام، فما كانت تحتاجه حقاً هو شعورها بأنها لا تزال في قلب نجلها وعقله. 

هرع إليها بلهفة طفلٍ في الرابعة من عمره،ليرتمي في أحضان تلك التي فتحت له ذراعيها، راح يطبع قُبلاته على كل إنشٍ من وجهها وجبينها، وينثر مدى اشتياقه من خلال قبلاتٍ فوق كفيها، في تلك اللحظة تبخرت جميع ألامها، وذاب الحزن الذي كان يسكنها بسببه، لتهمس بشوقٍ جارف: 

-حمدالله على سلامتك يا"صادق"

بنظراتٍ يملؤها الشوق كان يتفحص ملامحها وكأنه يتحقق من واقعية اللقاء، نطق بصوتٍ يقطرُ اشتياقًا وحنانًا: 

-وحشتيني أوي يا حاجة "رُقية"، كل حاجة فيكِ وحشتني،حنيتك والبصة في عنيكي، ضمة حضنك وريحتك يا أمي

لقد كان لقاءً مؤثراً للغاية، لامس وجدان جميع الحاضرين ومنهم من نزلت دموعه تأثرًا، مما جعل فاطمة تهتف من بين دموعها: 

-وموحشكش المحشي بتاعي يا صادق؟


هتف بحماسٍ جارف: 

-كل حاجة في البلد وحشتني يا أبلة، حتى ترابها وريحة الشاي المُغلي على نار القوالح في قلب الغيط


دنت "منى" من والدة زوجها بخطواتٍ حذرة، خوفًا من سطوة تلك السيدة وقسوتها المعهودة، ثم همست بصوتٍ خفيض: 

-ازي حضرتك يا طنط

جففت السيدة دموعها بكبرياءٍ، وفي لفتةٍ غير متوقعة، جذبت "منى" إلى أحضانها بقوة، تجمّدت الأخيرة من فرط المفاجأة، بينما اشتعلت النيران في صدر "سوزان" التي كانت تراقب المشهد بغيظٍ مكتوم، مالت نحو زوجها وقالت بنبرةٍ مسمومة:

-شايف اختلاف المعاملة يا دكتور، قولت لك ألف مرة انها بتحب أخوك وبتحترمه أكتر منك، مكنتش بتصدقني 

وتابعت بخ سمها: 

-اديك شوفت بعنيك علشان تصدق كلامي بعد كدا.


تنهد بمرارةٍ وقلة حيلة، فقد أوجعه إنصاف والدته لزوجة أخيه على عكس ما فعلت مع زوجته، لكنه ظل صامتًا أمام جبروت قلب أمه.


بلهفة، ارتمى الصغيران بين ذراعي جدتهما، التي استقبلتهما بقبلات دافئة،وكأن روح "دليلة" كانت مغتربة عنها، ولم تجد مرساها إلا بعودتها إلى كنف العائلة.

بصوتٍ مترددًا، ألقت السيدة رقية كلماتٍ مقتضبة لزوجة ابنها الأكبر،في محاولة منها إلى تصفية الأجواء وإنهاء الخلاف،ليعود الصفاء إلى البيت مجدداً،بعودة نجلها الخلوق: 

-يلا يا سوزان، خدي ولادك واطلعوا شقتكم، غيروا هدومكم واتشطفوا من تراب السكة

واسترسلت لتلطيف الأجواء وفتح صفحة جديدة،وكأن عودة صادق صالحتها على الأيام: 

-البنات نضفوا لكم الشقة امبارح

ارتسمت على ثغر الأخيرة ابتسامة مقتضبة وهي تقول في استجابة منها لتلك المبادرة،تحت سعادة زوجها بهذه الهدنة: 

-حاضر يا طنط


هتفت عايدة بسعادة وهي تشير للجميع:

- يلا يا جماعة،غيروا هدومكم وانزلوا علشان تجهزوا المكان للغدا

صاحت دليلة وهي تقفز بسعادة: 

-أنا هفرش البراندا يا عمتو

التفتت إلى ابنة عمتها "أماني"، التي كانت في مثل سنها تماماً، وقالت وهي تمسك بكفها: 

-وانا و"هالة" هنملى شفاشق الماية ونحط الطبلية.


تفحصت عايدة العدد الكبير بعينيها وقالت: 

-طبلية ايه اللي هتاخد العدد دا كله يا دليلة، افرشوا بس البراندا بالحُصر، وانا هديكم جرايد تفرشوها بطول المكان كله علشان تكفي.

صفقت الفتاة بمرحٍ وبهجة،بينما حثتها "هالة" على الإنجاز قائلة بلهفة: 

-روحي غيري هدومك بسرعة يا دليلة علشان نلحق نخلص 

انسحبث النساء وأولادهن للطابق العلوي، بينما بحث صادق بعينيه عن ابني شقيقته ،وحين لم يجدهما، توجه إليها بسؤاله: 

-أمال على وأشرف فين يا أبلة؟! 

بمجرد أن سألها، شعرت بوخزة شديدة في قلبها، امتلأت عينيها بالدموع، ثم تنفست لتتمالك حالها وقالت: 

-علي راح البيت يجيب حاجة وهيجي بسرعة

صمتت لبرهة لتسيطر على دموعها ثم استرسلت بصوتٍ محتقن: 

-وأشرف في الجيش

سألها "محمد": 

-مش هييجي واحنا هنا يا فاطمة؟! 

-لسه قدامه اسبوعين يا محمد. 

ربت صادق على كفها وتمتم بنبرة حنون: 

-يجي بالسلامة ان شاءالله يا حبيبتي. 

أقبل عليه السيد "عزام"، ليربت على كتفه قائلاً على استحياء:

-استأذن أنا يا" صادق"، وابقى أجي لك بعد صلاة المغرب إن شاءالله. 

سألته فاطمة باستغراب: 

-هتروح فين يا حاج؟! 

-هروح أرتاح شوية لحد أذان الظهر 

سألته باستهجان: 

-وهتروح تقعد لوحدك في البيت واحنا كلنا هنا؟!

تحدث إليه "صادق" بنبرة ودودة:

-أقعد معانا يا حاج لحد الغدا، وبعدها نروح نصلي الظهر في الجامع كلنا مع بعض. 

أجابه وقد غلبه الحياء: 

-معلش يا صادق، خلي الحريم تقعد على راحتها.


خرج صوت السيدة حادًا وهي تقول بلكنة صارمة: 

-الله في سماه ما انتَ متحرك غير لما تتغدى معانا، دا انتَ قايم من الفجرية علشان تدبح لي الخروف وتشفيه، وبعد تعبك دا كله، عاوز تمشي وقت الغدا،؟! عيب يا حاج، دا انتَ أبو الأصول كلها. 


استسلم الرجل تحت اصرار الجميع، وجلس بصحبة الرجال، حضر "علي" وهرول إلى خاله يحتضنه بحفاوة قائلاً: 

-حمدالله على السلامة يا باشا، المنصورة زاد نورها النهاردة 

ربت على ظهره بحنان وهو يقول: 

-ليك وحشة يا "علي" والله، عامل ايه

انتهيا من السلام، ثم جلسوا يتبادلون الأحاديث المثمرة، وجه صادق حديثه إلى "علي": 

-ما تتصل بخطيبتك تيجي تتغدا معانا يا"علي"


ضيقت رقية بين حاجبيها لتهتف مستنكرة تفكير نجلها الشاذ:

-شكل قعدتك برة المنصورة نستك الأصول يا "صادق". 

قطب جبينه بعدم استيعاب لتكمل موضحة: 

-من امتى المخطوبة بتروح بيت أهل خطيبها؟!


تدخل"علي" كي يفض الاشتباك قبل أن يبدأ:

-وحتى لو ينفع هي مش هتوافق يا جدتي،وكمان هي في الشغل النهاردة

نظر إلى خاله وتحدث بابتسامة حنون:

-أنا واخد أجازة علشان أقابل خالي. 


مر أكثر من ساعتين، بدأ الجميع في التجهيز للغداء، غطت الفتيات الأرض بالحَصَائِر، ووضعن الجرائد استعدادًا لرص الطعام عليها في اجواءٍ سعيدة أشبه بأجواء شهر رمضان الكريم، حضرت عايدة من المطبخ وتحدثت إلى شقيقها بحماسٍ وفرحة: 

-أما احنا عاملين لك شوية ملوخية يا صادق، هتاكل صوابعك وراهم

ابتسم يجيبها بحبورٍ: 

-شامم الطشة وأنا قاعد يا عايدة،تسلم ايدك يا حبيبتي. 

ابتسمت بسعادة لسعادة شقيقها،وكأن عودته بدلت الأجواء تمامًا،لتبدو صافية كروحه الطاهرة، ثم تحدثت لشقيقتها:

-أنا هغرف المحشي في الصواني الكبيرة يا فيفي، وهحط اطباق حواليها للي حابب يغرف لنفسه فيها 


سألتها السيدة رقية: 

-حمرتي لحم الخروف في الفرن يا عايدة؟ 


-أه يا ماما، وأماني طلعت طواجن البامية من الفرن 

هتف محمد بمشاكسة: 

-فرحيني وقولي لي ان الطواجن دي باللحمة الضاني يا "عايدة" 

-وهي البامية تحلى غير واللحمة الضاني مدفوسة جواها يا دكتور. 

ربتت والدته على كفه كنوعًا من الاعتذار وهي تتمتم بصوتٍ حنون: 

-أنا خليتهم يعملوها مخصوص علشان عارفة إنك بتحبها يا محمد

رفع كفها لمستوى فمه وقبلها برضا وهو يقول:

-ربنا يخليكِ لينا يا حاجة،ويفضل البيت مفتوح وعامر بحسك

اجتمعت نساء وفتيات المنزل وأخرجن الطعام ورصهن بطول الفيراندا،واجتمعوا حوله وبدأوا بتناوله تحت سعادة لا توصف.

أما دليلة فقد غمرت روحها سعادة،كاد ان يتوقف قلبها عن النبض من شدتها، كانت تتناول الطعام بتلذءٍ لكل قطمة، هتفت بصوتٍ يقطرُ حماسًا وحنينًا: 

-اللمة دي تشبه لمة رمضان يا تيتا، خلينا نتلم كدا في رمضان الجاي. 

أجابتها بنبرة غلب عليها الحنان: 

-ان شاءالله يا بنت الغالي.  

بيدين تغمرهما البركة، راحت تُقطع اللحم والبط والحمام، وتوزعه على عائلتها والسرور يملأ قلبها وقلوبهم جميعاً.

          ******

كان يتحرك بجوار صديقه "سامر" ونارًا مستعرة تضطرم في عروقه، لم يستوعب عقله بَعد ما استمع إليه من نهلة، أي ذنبٍ اقترفه ليجني منه كل هذا الحقد والكراهية؟

هز "سامر" رأسه في استنكارٍ وذهول، وكأن عقله قد توقف عن الإدراك، تمتم وقد سيطر عليه عدم الاستيعاب: 

-معقولة "يحيى" يطلع منه كل دا؟!، أنا عارف إنه شخصية انتقادية ومش مريح،لكن عمري ما اتخيلت انه يكون بالوضاعة دي،أنا بجد مصدوم من اللي بسمعه

أجابه بيأسٍ سيطر عليه: 

-أمال انا اعمل إيه يا "سامر"،أنا من وقت ما نهلة حكت لي وانا هتجنن ومش عارف أتصرف ازاي


ساور الشك قلب سامر، لذا بادر بسؤال عفوي لصديقه: 

-طب مش يمكن نهلة فهمت كلامه غلط، أو..... 

وصمت ليسأل صديقه سريعًا: 

-بصراحة كدا، أنا خايف تكون بتظلمه يا" رشبد"


-أظلمه؟!...نطق بها مستنكرًا،ثم تابع بنبرة تملؤها الدهشة: 

-انتَ اللي بتقول الكلام دا يا "سامر"؟!، امال لو مكنتش عارفه وعارف دناءته؟ 

تنهد الآخر وطأطأ رأسه مستسلمًا، ليتابع هو بلهجة يملؤها اليقين: 

-وبعدين انتَ بتتكلم في إيه، أنا ثقتي في"نهلة" ملهاش حدود، نهلة لا يمكن تكذب عليا أو تغشني. 


رغم يقينه بأنها لا تكذب، إلا أنه أراد أن يتعلق بأي بصيص أمل يبرئ صديقه من فخ الخيانة، لذا

تمتم مبررًا:

-أنا عارف إن نهلة إنسانة محترمة ومش بتاعت حركات من دي ،بس كنت بحاول ألاقي له أي مخرج ينفي عنه الخيانة. 

زفر رشيد قبل أن يقول بائسًا:

-هو انتَ فاكرني مبسوط باللي وصلنا له دا يا سامر

-عارف يا رشيد،عارف...ثم سأله بحيرة: 

-هتعمل ايه معاه

رفع كتفيه بعجزٍ،ثم تمتم والحيرة تملأ عينيه: 

-حقيقي مش عارف، أروح اواجه واقطع علاقتي بيه نهائي،واكفي نفسي شر حقده، وارمي بقى ورا ضهري صداقة وعشرة سبع سنين

ثم زفر بقوة وكأنه يخرج ما يؤرق روحه بتلك الزفرة،وتابع بتيه :

-ولا اتجاهل واتعامل عادي، وكأني معرفتش حاجة من اللي حصلت بينه وبين نهلة


غلب "سامر" منطق العقلِ وتحدث: 

-مش هتنفع المواجهة يا رشيد،كدا هتبقى بتقطع آخر خيط بينكم، دا غير ان يحيى بجح وممكن ينكر ويعيش فيها دور المجني عليه،وهو رغاي أصلاً، يعني في خلال يومين الكلية كلها هتعرف، ودا لا حلو ليك ولا لـ"نهلة". 

رأى في كلام صديقه حكمةً ورصانة جعلته يختار الصمت، ويقرر أن يمنح علاقتهما فرصةً أخرى للاستمرار الظاهري.

          ******

عند غروب الشمس 

كانت تتمددُ فوق الشزلونج بانسيابية في ركنها المفضل بحديقة منزلها، حيث تتمايل أغصان الأشجار مع نسمات المساء الرقيقة، عازفةً لحناً هادئاً يبعث السكينة داخل روحها، عينيها مثبتتين على حمام السباحة الذي سحرها ، كان أشبه بمرآةٍ زرقاء صافية، تعكس بريق الضوء الخافت وهو يرقص فوق سطح المسبح، مما جعلها تشعر وكأنها في واحة خاصة بعيدة عن ضجيج العالم وصخبه، تنفست وأمسكت بكتابها بين أصابعها الرقيقة، بدأت عيناها تتحركان في شغفٍ صامت بين السطور، وكأنها ولجت لعالمٍ موازي،لم تكن تقرأ كلماتٍ، بل تبصر مشاهد حية من شدة الانسجام مع الرواية، شعرت بأقدام أحدهم تقترب منها، رفعت عينيها لتجده شقيقها "تامر" مقبلاً عليها، تمتم مبتسمًا: 

-ممكن أقعد معاكِ،دا طبعاً لو مش هزعجك. 

لاحت على ثغرها بسمة هادئة، ثم تحركت قليلاً لتترك له مساحةً للجلوس بجانبها فوق الشازلونج، ودعته قائلة: 

-يا خبر، معقولة انتَ تزعجني، اتفضل. 

لبى دعوتها ثم عدل من جلسته،تناول منها الكتاب وتفرّس في غلافه محاولاً قراءة عنوانه، قبل أن يبتسم ملوحاً به وهو يقول: 

-يوسف السباعي،«فارس الرومانسية» 

ابتسم ساخرًا واستطرد:

-ليه بتضيعي وقتك في الحاجات التافهة دي يا نانا؟ 


أصابتها كلماته بدهشة لتسأله مستهجنة: 

-تافهة؟!، هي القراءة بقت حاجة تافهة يا "تامر"؟، مش طول الوقت كانوا بيقولوا لنا في المدرسة إنها غذاء الروح؟! 

اجابها باستفاضة: 

-لما تبقى بتقرأي روايات ومشاعر خيالية لناس مكنتش عايشة معانا على أرض الواقع، يبقى بتضيعي وقتك في حاجة مش هتفيدك في حياتك. 


تجنبت الجدال معه في هذا الأمر، فعدم تكافؤ التفكير بينهما يجعلها معركة خاسرة لا محالة، وحتى لا تُرهق نفسها في نقاش سينتهي بخسارتها كالعادة، تظاهرت بلا مبالاة مفتعلة وهي تقول: 

-أديني بضيع وقت وبتسلى يا" تامر"


أراد نقاشها وتحدث بلهجة واثقة ليصحح لها ذاك المفهوم الخاطئ من وجهة نظره: 

-أسوأ كلمة ممكن تقضي على مستقبل أي حد هي كلمة'بضيع وقتي'، الوقت ده يا نهلة هو اللي بيحدد كيانك وقيمتك كبني أدمة، وعشان كدة لازم تستغليه صح في المذاكرة، تَطَّلعي على معاجم ومصادر تزود حصيلتك الثقافية. 

وأكمل حديثه برفقٍ بقصد التخفيف عنها: 

-ولو يا ستي زهقتي من المذاكرة، اقرأي أي حاجة مفيدة تسليكي، بس بلاش روايات الرومانسية والهبل دا. 

اكتفت بإيماءة صامتة لغلق النقاش،مرت الثواني في صمتٍ مريب،وجدته شاردًا فبادرت بسؤاله:

-مالك يا "تامر"؟ 

تعمق بمقلتيها وتحدث: 

-قررت أخطب 

ضمت كفه بين يديها برفق، ثم نطقت بكلماتٍ يكاد الفرح أن يقفز من بين حروفها: 

-مبروك، حد أعرفه؟ 

حرك رأسه نافيًا،وخرج صوته جادًا، باردًا،خاليًا من الشغف: 

-لاء، برة عن دايرتنا خالص، بنت رئيس محكمة جنايات القاهرة 

سألته بصوتٍ حماسي: 

-عرفتها امتى وازاي؟ 

مط شفتيه ليتمتم: 

-معرفهاش، فيه واحد قريبها رشحها لي،ولما فكرت في الموضوع قولت ليه لا، بنت ناس متعلمة وشيك، معاها بكالوريوس تجارة، عروسة يتمناها أي شاب زيي

تعجبت لحديثه وتمتمت: 

-بس انتَ متعرفهاش ولا تعرف أي حاجة عن طباعها يا" تامر" 

رد ببرودٍ: 

-أكيد هنتعرف بعد الخطوبة يا نانا

-طب والحب؟! 

-هييجي بعد الجواز

سألته مستنكرة تفكيره الغريب: 

-ولو مجاش يا تامر؟! 

رفع كتفيه قبل أن يجيبها بلا مبالاة: 

-عادي، هنعيش زي كتير غيرنا من الناس. 

عارضته بسؤالها المستنكر: 

-ودي تبقى عيشة؟!

الْتَوت زاوية فمه في ابتسامة ساخرة،قبل أن يباغتها بسؤاله: 

-هو انتِ فاكرة كل الناس اللي متجوزين دول بيحبوا بعض؟

نطقت بعفوية وبراءة: 

-أكيد، اومال بيتجوزا ليه؟! 

أجابها بآلية جوفاء: 

-الجواز مش اتنين بيحبوا بعض يا نانا، الموضوع أشمل وأكبر من كده بكتير، إحنا مش بناخد شخص لنفسه هنعيش معاه منعزلين عن العالم الخارجي، دي عيلة بتناسب عيلة ، فلازم يكون فيه توازن وتكافؤ بين العيلتين، سواء على المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو حتى المادي.


حدقت فيه بضياع وهي تحاول استيعاب ما قاله، قبل أن تسأله بذهولٍ تام:

-هو انتَ ازاي وصلت للمرحلة دي يا تامر، انتَ عمر ما كان دا تفكيرك؟! 


-الزمن كفيل إنه يغير كل مفاهيمك عن الحياة،الدنيا عاوزة الشخص الذكي اللي بيستغل الفرص،لإن ببساطة لو فرصتك جت لحد عندك وضيعتيها،هتفضلي تلعني في غبائك كل اللي باقي من عمرك

أنهى حديثه الخالي من المشاعر ثم انتصب واقفًا وهو يقول بجدية:

-جهزي نفسك، قريب أوي هنروح نخطبها. 


مضى بطريقه إلى الداخل حتى استوقفه صوتها وهي تنادي باسمه:

-"تامر"

استدار يطالعها بترقبٍ،لتباغته بسؤالٍ لتتأكد من شكوكها:

- هي اسمها إيه؟ 

عقد مابين عينيه وحاول بجهد يتذكر اسمها،ولما عجز عن ذلك، رفع كتفيه وبلا مبالاة رد عليها:

-صاحبي قالي عليه بس نسيته،هبقى اسأله بكرة وابلغك. 

رسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، وانسحب هو للداخل،بينما خرجت تنهيدة حارة شقت صدرها،وألف سؤالاً وسؤال هاجموا عقلها البريء،وجميعها بلا أجوبة. 


******

أتى المساء ومازال منزل السيدة رقية يأجّ بزيارات أفراد العائلة الذين أتوا للترحاب بالإبن العائد بعد غربة دامت لسنوات، ابتعد "علي" إلى مكان هاديء بالحديقة كي يهاتف حبيبته،من ذلك الهاتف المنزلي،والذي نقل السلك الذي يمتد لأمتارٍ، وقام بتوصيله بفيشة موجودة بالفيراندا، هتفت فاطمة تناديه:

- يلا يا "علي" علشان تتصل لنا بأخوك، زمانه قاعد على نار علشان يكلم خالك. 


-حاضر يا حبيبتي، هخلص المكالمة اللي معايا واجي أتصل لك بيه. 

عادت بهدوء لتأخذ مكانها بين العائلة على الأرائك الخشبية المصطفة بالفيراندا، بينما قال هو بملاطفة خطيبته: 

-كنا بنقول ايه فكريني


كانت منشغلة بموضوعهما المصيري، لذا تجاهلت مزحته وسألته: 

-بلغت عمو "عزام" وطنط بالموضوع يا "علي"؟ 


أغمض عينيه بقوة وشعر بثقلٍ في قلبه، وكأن أحدًا ألقى بحجرٍ عليه،جذب شعر رأسه للخلف بقوة كادت أن تقتلعه من جذوره، ثم تنهد قبل أن يهمس بنبرة خرجت مهمومة:

- لسة يا" داليا"

ازعجها بروده المعتاد تجاه هذا الأمر،ولم تعد تحتمل صمته أكثر، ألم يحن الوقت ليخبر عائلته بسرهما؟ 

انفجر صبرها وهتفت فيه بحدة: 

-ولحد امتى هتفضل مخبي عليهم يا "علي"؟

،كلها شهر والموضوع هيظهر للجميع،يبقى لزمته إيه التأجيل؟!

تُرَى ما هو سر داليا وعلي؟،ولما هي خائفة لهذه الدرجة ومصرة على كشفه؟ 


«لَوْلاَ الغَرَامُ » 

بقلمي «روز أمين»

           الفصل الثالث من هنا 

تعليقات