رواية خارج المكتب الفصل الثالث 3 والاخير بقلم روان ابراهيم
- كويس.. وجداً كمان.
قال الكلمة دي وعينيه لسه مثبتة عليا بنظرة هادية وغريبة، نظرة أول مرة أشوفها فيه من سنتين كاملين.
الابتسامة الحنينة اللي اأترسمت على وشه خطفت دقات قلبي للحظة، وحسيت بنوع من الأمان المستخبي ورا شخصيته الصارمة.
بس كبريائي وعنادي لحقوني في آخر ثانية قبل ما قناعي يقع بالكامل.
سحبت إيدي بسرعة وخطيت خطوة لورا، وأنا بحاول أجمع شتات نفسي
- طب عن إذن حضرتك.. هروح أشوف الشغل.
لفيت وضهري ليه ومشيت ناحية الباب بسرعة، وقبل ما أحط إيدي على الأوكرة عشان أهرب من التوتر اللي مالي الأوضة، جالي صوته الرزين الهادي وهو بيرجع يقعد ورا مكتبه:
- الساعة 11:30 يا روان.. الملفات تكون متراجعة وجاهزة بالكامل. تقدري تتفضلي.الساعتين اللي وراهم كانوا عبارة عن سباق كتمت فيه أنفاسي مع الزمن. قعدت على مكتبي ودفنت راسي وسط الأوراق والملفات بتاعة فرع أكتوبر، بحاول بكل طريقتي إني أفصل دماغي عن اللي حصل جوه. الموظفين رايحين جايين، والهمس لسه شغال في الصالة برا، بس أنا كنت في عالم تاني.. عالم فيه الكلمة اللي قالها جوه برقة وحنية "يا صُغنن" بترن في ودني ومش عايزة تسكت.
على الساعة 11:25 دقيقة بالثانية، كنت خلصت مراجعة كل الميزانيات، وطلعت الأخطاء الحسابية بدقة عالية. وقفت، ظبطت الشميز الأبيض بتاعي، وأخدت نفس طويل عشان أثبت لنفسي وله إني قد المسئولية. رحت للبوفيه وعملت القهوة المظبوطة بتاعته اللي طلبها، وشيلت الصينية وباقي أوراق التقارير، واتحركت بثبات ناحية مكتبه.
خبطت ودخلت علطول. كان واقف بيلبس ساعته وبيتفحص جاكيت بدلته الأسود الشيك اللي ساند على الكرسي. حطيت القهوة على المكتب وحطيت جنبها الملفات وقلت بنبرة رسمية وجافة:
"الملفات جاهزة يا فندم، وكل الأخطاء اتعلم عليها."
بص للملفات، وبعدين بص لي وأخد رشفة سريعة من القهوة، وهز راسه بإعجاب مستخبي:
"تسلم إيدك.. يلا بينا على قاعة الاجتماعات."
مشينا في الممر ورا بعض لحد ما دخلنا القاعة الكبيرة. الوفد الجديد كان قاعد مستني، ومعاهم مهندسين الشركة.. ومن ضمنهم شادي. أول ما دخلنا، شادي عينه جت عليا فوراً، ملامحه كان باين عليها القلق والفضول، كأنه كان مستني اللحظة دي عشان يطمن عليا بعد سحبة امبارح من وسط الحفلة.
محمود لقط النظرة دي بسرعة.. شفت فكه بيتحرك بغضب مكتوم، بس سيطر على نفسه وثبت بكل احترافية، وقعد في صدر الترابيزة وشاور لي أقعد على الكرسي اللي جنبه بالظبط كالعادة.
الميتنج بدأ، والتصاميم بدأت تتعرض على الشاشة الكبيرة. كنت مركزة جداً وبكتب كل النقط في النوت بوك بتاعي، لحد ما جه دور شادي عشان يعرض الجزء بتاعه من المشروع. شادي وقف وبدأ يشرح، بس كل شوية عينه كانت بتفلت وتبص لي أنا، كأنه بيوجه الكلام ليا مش للوفد.
في نص الشرح، شادي ساب القلم وبص لمحمود وقال بنبرة فيها تحدي مستخبي وعينيه عليا:
"أظن يا مستر محمود إن التصميم ده محتاج لمسة مرنة، مش كل حاجة بتمشي بالقوانين الناشفة والتحكمات الصارمة.. أوقات المساحة الحرة هي اللي بتطلع أحسن ما فينا.. ولا إيه رأي باشمهندسة روان؟"
القاعة كلها سكتت فجأة.. الجو اتكهرب في ثانية، والكل بقى بيبص لي ومستني الرد بفضول. شادي مكنش بيتكلم عن الشغل، شادي كان بيقصف جبهة محمود تلميحاً على اللي عمله امبارح في الحفلة وقدام الكل.
بصيت لشادي بذهول ومعرفتش أنطق، وقبل ما أفتح بوقي بحرف، شفت محمود ساند ضهره لورا بكل برود وثقة، وابتسم نفس الابتسامة المستفزة اللي بتخليني أشيط، وبص لشادي بثبات مرعب:
"بما إنك بتسأل روان يا باشمهندس.. فـ روان بالذات أكتر واحدة في الشركة هنا عارفة إن 'التحكمات الناشفة' دي هي اللي طلعت منها أحسن وأقوى مراجعة حسابية في فرع أكتوبر كله النهاردة الصبح.. روان مش محتاجة مساحة حرة عشان تنجح، لأنها ببساطة.. تحت حمايتي وتوجيهي أنا."
الكلمة نزلت زي القنبلة في القاعة. الموظفين كلهم بصوا لبعض بصدمة، وشادي ملامحه انطفت ومبقاش عارف يرد يقول إيه. الكلمة مكنتش مجرد رد في الشغل، ده كان إعلان ملكية رسمي وحماية قدام الشركة كلها. حسيت إن وشي بيغلي من الكسوف وبصيت في النوت بوك بتاعي وقلبي بيدق بطريقة هستيرية.
محمود كمل الميتنج بكل هدوء وااحترافية وكأن مفيش حاجة حصلت، لحد ما الساعة جت 2 وخلص كل حاجة. الوفد مشي، والموظفين خرجوا بسرعة البرق كأنهم بيهربوا من وسط حقل ألغام، وشادي خرج وهو بيبص لي بنظرة عتاب مكسورة.
فضلت قاعدة في مكاني، بقفل اللاب توب وإيدي بتترعش شوية. القاعة فضيت ومبقاش فيها غيري أنا وهو. قام من مكانه، ومشي ببطء لحد ما وقف ورا الكرسي بتاعي، وسند بإيديه الاتنين على ضهر الكرسي، وميل راسه شوية وبقى قريب مني:
"لسه شايفة إن وجودك معايا إرهاق لأعصابك وعايزة تمشي؟"
أخدت نفس طويل، ولميت حاجتي وقفت، وبقيت مواجهة ليه.. المسافة كانت قريبة، ونور الشمس كان مبين تفاصيل ملامحه الحادة اللي بدأت أحفظها:
"أنت بجد متعب يا محمود.. ومتعب جداً كمان."
ضحك ضحكته الرجولية الهادية اللي بتدوب أي زعل، وقرب خطوة أخيرة وهو بيبص في عيني بكل صدق:
"عارف.. بس أنا قولتلك امبارح، أنا ملقتش حد يوجهني فاتوجعت كتير، ومش هسمحلك تتوجعي.. العناد اللي فيكي ده أنا بحبه، بس لما بيكون معايا مش عليا. روان.. السنتين اللي فاتوا مكنوش مجرد شغل، أنتي من أول يوم دخلتي فيه المكتب ده وأنتي بقيتي بتاعتي.. ومفيش خروج من هنا، مفهوم؟"
بصيت لعينيه المليانة أمان مستخبي ورا القسوة، ولأول مرة العند بتاعي يختفي تماماً ويحل مكانه راحة كنت هربانة منها بقالي سنتين. ابتسمت ابتسامة خفيفة ودافية، وهزيت راسي براحة:
"مفهوم يا مستر محمود."
محمود رجع خطوة لورا، وملامحه ارتاحت تماماً وكأن جبل انزاح من على صدره، وشاور لي على الباب بهدوء:
"يلا على مكتبك.. ورايا تقرير عايز يخلص قبل الساعة 4.. يا صُغنن."
خرجت من القاعة وأنا حاسة إن الأرض مش شيلاني من الفرحة.. الأسئلة اللي كانت تعباني كلها اتجاوبت، وعلامات الاستفهام اتبخرت. دخلت مكتبي وقعدت، وبدأت أشتغل بابتسامة مش قادرة تفارق وشي.. الحكاية مع محمود بدأت بعناد وخناق، بس انتهت بأجمل بداية في حياتي.
تمت♥️
««««««««««««««««««««««
#روان_ابراهيم
"خارج المكتب 3"
تمت
