رواية اشباح المخابرات الفصل الثامن 8 بقلم اية محمد

رواية اشباح المخابرات الفصل الثامن 8 بقلم اية محمد

#آشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!) 

                          #الفصل_الثامن! 

أضرم النفور جسده وأوقظه لما أراد أن يتغاضى عنه طوال تلك الأشهر، ما أصعب أن يجبر على رؤية أكثر شخص عاش يكن له كل الكراهية والبغض، وإذ فجأة يراه أمام عينيه. 


الشخص الذي تمنى أن يقتله ألف مرة يقف الآن قبالته، وبكل برود أتى ليهدده، ولحظه اللعين أنه يقف الآن وهلاك ماضيه كان يسبقه بخطوةٍ واحدة. 


سحب "تيام" نفسًا طويلًا، بينما يرفع له رأسه بكبرياءٍ، يسدده بنظراتٍ قوية شامخة، والآخر يتوقع طبيعة اللقاء، وخاصة إنه لقاؤهما الأول بعد ما فعله بحقه، ولكن خابت ظنون "هارون" حينما وجده يشير بيده ببسمةٍ باردة: 

_يا أهلًا يا هارون، نورت. 


وأضاف وعينيه تشير على  المقعد المقابل له: 

_اتفضل. 


تعجب من طريقته المتماسكة بالحديث، ومع ذلك جلس مبتسمًا، وهو يقول بشرٍ يفوح للآخر راحته: 

_كويس إنك عقلت، كده هنقدر نفهم بعض. 


قبض على نواجذه وهو يتحكم بكراهيته الشديدة، ومع ذلك يمضي بثباته، وبصوته الساخر قال: 

_متقلقش من النقطة دي، أنا طول عمري فاهمك وفاهمك صح أوي. 


وإستطرد وهو يشير بيده للنادل: 

_بما إنك أول مرة تشرفني، تحب تشرب إيه؟  ولا أطلبك غدا؟ 


احتدت نظراته، وأشار لمن يقف قبالته بالانصراف: 

_مش عايز حاجة، ويا ريت تبطل أسلوبك ده وتسمعني كويس أوي. 


انتظر النادل أن يحصل على اشارة الانصراف من سيده، فأبعده "تيام"، ومال على الطاولة بنصفه العلوي متسائلًا بهدوء مخيف: 

_سامع، إرغي. 


تغاضى عن طريقته، وقال بخبث متعمدًا إثارة غضبه: 

_أنا عايز أفهم إنت بتعاقبنا كلنا على إيه؟  لو على خطيبتك فهي اللي اختارت، أنا مأجبرتهاش تتجوزني ولا حتى إنها تكمل معايا! 


ومال صوبه بنفس طريقة جلسته وهو يستكمل بمكرٍ يتعمد اهانته: 

_ذنبي إيه إنها فضلتني عليك؟ 


كان يقبض قبضته من أسفل الطاولة، يود لو أطاح بها فوق رأسه، ولكن المطعم يعج بالزبائن وبالطبع لن يخسر مصدر رزقه الوحيد ورزق شقيقته، تحكم في ذاته وردد بجمود: 

_إنت قاطع المسافة دي كلها عشان تقولي البوقين دول؟ 


إبتسم بشماتة، وقال: 

_لا طبعًا، أنا جاي أنبهك إن الديزل بنفسه حطك في دماغه، يعني دي فرصتك الاخيرة عشان تعقل وترجع معايا للقصر، ومنه طبعًا لشغلك، انت عارف انت مهم لعيلة التميمي إزاي؟ 


سحب كوب قهوته يرتشفه بالكامل، ومال للطاولة يهتف بصلابة: 

_أشكره بالنيابة عني عن الفرصة الاخيرة، وقوله إني مش محتاجها، سبق وقولتلك ان رجوعي للقذارة دي بموتي، فيا تقتلوني يا أقتل نفسي ولا إني أرجع لاختراع العقارات الفاسدة دي. 


واسترسل وفتيل الندم والذنب يقتحم عينيه الجذابة: 

_أنا عشت أسوء سنين من عمري وأنا مُجبر أنفذ اللي بيتطلب مني فمستحيل هرجع للقرف ده تاني، بلغ اللي بعتك بده. 


تجهمت معالمه شرارًا، ومع ذلك لجأ لآخر محاولة قد تجدي نفعًا معه: 

_طيب لو بعدك ده بسبب رحيق فأنا مستعد أطلقها وترجعلك تاني لو ده هيرجعك للشغل. 


اتسعت ابتسامته سخرية، وفجأة تلاشت عنه وهو يهتف بخشونة مرعبة: 

_الكلبة اللي بقرف من سيرتها لما بتيجي قدامي صدفه عايزني أرجع ليها؟؟   أنت وهي أرخص عندي من تمن الجزمة اللي بشتريها تخيل! 


وأضاف وهو يشير له بثبات يُدرس: 

_قوم يا هارون إمشي، ويا ريت متورنيش وشك تاني. 


تأجج شيطانه الغادر، فمال يهمس له بوعيد: 

_خليك فاكر إني جيتلك بنفسي وطلبت منك ترجع بالذوق والأدب، تطاولك عليا وكلامك ده حسابه هيتدفع وغالي أوي يا تيام،  أبواب الجحيم كانت مقفولة عنك طول الشهور دي على أمل انك تعقل وترجع من نفسك، ودلوقتي إنت فتحتها وعمرك ما هتعرف تقفلها تاني.


ونصب "هارون" جسده بينما يستكمل بعدوانية مخيفة:

_ ده إنت سيد العارفين بشياطين آل التميمي وبالذات أنا! 


ثم إستدار يغادر بخطوات واثقة مما سيفعله، بعدما قدم له الإنذار الاخير، إتجه لسيارات الحرس الخاص به، فتح له أحدهم باب السيارة الرئيسية، فاستدار يتمعن به بنظرةٍ مرعبة، وقولٍ واحد: 

_بكره تنفذ اللي قولتلك عليه، إنت والرجالة. 


هز الرجل ذو الملامح الاجرامية وجهه، وقال متسائلًا: 

_البنت لوحدها؟ 


هز رأسه نافيًا، وقال: 

_نوح ييجي قبلها!!! 

                                 ******

تسلق الكتلة الحجرية ببراعةٍ لطالما كان يتميز بها، لذا حق له أن يكون شبحًا مُتنقلًا، قفز من بقعة لأخرى حتى وصل لنهاية السفح الجبلي، بجسده الرياضي. 


وقف بلثامه الأسود، الذي يحدد زيتونية عينيه الساحرة بشموخٍ، نزع "زين" عنه اللثام وفرد ذراعه بكبرياء يتقاسم فيه ذلك الطائر الجارح، الذي يحوم من فوقه، فاذا به ينصاع لأمره الصريح، وينخفض له تدريجيًا، حتى وقف على يده. 


مرر "زين" يده على جسده بحركاتٍ مدروسة إكتسبها هو والجنرال أثناء فترة تدريبهما في بقعة "ليل العربي"، فإذا بعُقاب ينفش ريشه، فاستخرج منه" زين" الفلاشة التي دستها له "قدس"! 


إبتسامة انتصار تجلت على وجهه الجذاب، واستمر بتمرير يده على" عُقاب ليل العربي"، وهو يهمس له بسخرية: 

_حتى صداقتنا كانت مُدبرة من رحيم زيدان! 


واتسعت ابتسامته وهو يحرر "عُقاب" لأعناق السماء، بينما يهتف باعجابٍ صريح بحكمة أبيه: 

_أسطورة وبجدارة. 


أعاد الوشاح على وجهه، واستدار ليهبط بنفس الخطوات التي صعد بها، تنهد بمللٍ لهبوطه كل تلك الخطوات، واذ فجأة يبتسم بمكرٍ، وبجرأة عاد بجسده للخلف، ومن ثم ركض بسرعةٍ، وقفز من أعلى سفح الجبل، وحينما كاد أن يصل جسده للأرض، قفز بجسده بحركاتٍ مُتقنة حتى وصل لفرع الشجرة التي بعدت بمسافة متوسطة عن الجبل، حتى استقر أرضًا بثباتٍ وثقة!! 


لطالما كانت خطواته كخطى الشبح التي من المُحال أن يشعر بها أحدٌ، ولن يستطيع أحدٌ تحديد متى وأين يظهر ويختفي!!


إجتاز إختبارات شبه مستحيلة، أدهشت قادته في حين أن "ياسين" فشل بإجتياز أغلبها لضخامة جسده، بينما يتميز "زين" بوزنٍ أخف منه، بالرغم من احتفاظ جسده على الشكل العضلي الذي يمنحه المظهر الخطير لعدوه. 


لكل منهما مميزات إضافية تجعلهما كمالة بعضهما البعض، حتى "مرين" و"قدس" كانتا كمالة لفريق الاشباح! 


مضى "زين" بين الغابة المظلمة بثبات مخيف، وكأنه وحش متخف بين وصال الليل المقبض، وكلمات أبيه تخترق مسمعه فجأة. 


«أنا متولدتش في بوقي معلقة من دهب زي ما إنت متخيل يا زين، أنا كنت شاب عادي وبسيط، وكان حلمي زي أي شاب في سني، إني أقدر أفرش شقة أتجوز فيها حب طفولتي، وفجأة أحلامي كلها اتدمرت، وانا كمان اتدمرت معاها، قتلوني عشان كنت إنسان ضعيف، واتولد مكاني شيطان قادر يدمر كل شخص رفع عينه فيه ولو بالغلط!. 


مراد شخص سوي نفسيًا أكتر مني، أنا معترف بده، عشان كده سيبته يشرف على تربيتك وإنت صغير، إنت شربت كل الحلو اللي فيه ودلوقتي عايزك تشرب مني اللي هيخليك سلطان منتصر في أي حرب إنت داخل فيها! 


عايزك برة المهمات إبن الجوكر، وجواها إبني أنا، إرمي عواطفك ومشاعرك بره، عايزك زي الوحش المفترس اللي بيراقب خطوات فريسته وجاهز ينقض عليها في أي وقت، وأوعى تنسى إن أبوك أسطورة الجهاز المصري!» 


خرج من تقاطع الغابات وبداخله قوة يستمدها كلما يعود لذكريات حديث أبيه عن ماضيه، وعما أصبح عليه حاليًا، فعاد إلى المخبأ السري ليدرس ماذا تمكنت "قدس" من إحضاره! 

                          *****

قدمت لها كوب المياه وهي تحاول معرفة ما أصابها، لقد مضت عليها نصف ساعة وهي تحاول معرفة ما بها، كانت فقط تبكي وتنتفض باستمرار. 


جلست "رحيق" جوارها بعدما منحتها المياه، وقالت بقلقٍ: 

_رزان قلقتيني عليكِ، إيه اللي حصل وخلاكي منهارة كده!  هارون عملك حاجة تاني؟ 


هزت رأسها بالنفي ومازالت غارقة بالبكاء، فعادت "رحيق" تسألها: 

_طيب قوليلي مالك؟! 


تركت "رزان" الكوب من يدها وإستدارت إليها، تحاول استجماع شتاتها للحديث، وهي لا تعلم أخطأ ما تفعله أم صواب: 

_رحيق، كِنان.. آآ.... هو آ... 


تنهدت بتعبٍ وقالت: 

_بقالك نص ساعه بتقولي كِنان وبتسكتي!!  احكيلي يا حبيبتي إيه اللي حصل؟ 


تهاوت دموعها من عينيها الزرقاء، وبصعوبة قالت: 

_كِنان مش طبيعي، أنا كنت بستغرب سرعته الرهيبة، حصل كذه موقف خلاني أشك في نفسي، والنهاردة إتأكدت إنه آآ.. 


زوت حاجبيها بعدم فهم لأي حرف تقوله، وقبل أن تستكمل الاخرى حديثها، إنفتح باب الجناح وظهر "هارون" من أمامهما. 


سقط الكوب من يد "رزان"، ونهضت تتمتم برعب: 

_آآ... أنا هروح أنام الوقت إتأخر. 


وتركتها وهرولت من أمامه ركضًا، و" هارون" يشيعها بنظرة غامضة كهلاكٍ يدبر لها، بينما يعود ببصره تجاه زوجته، التي نهضت تلملم الكوب المكسور، وهي تتفادى التطلع لوجهه. 


أطلق صفيرًا لطالما كرهته "رحيق"، ورنا منها وهي مازالت تنحني أرضًا تلملم البقايا، جلس على الفراش أمامها، واستل سيجارًا يرتشفه ويبصق دخانه في وجهها، سعلت" رحيق" وهي تستكمل ما تفعله، حتى كسر الصمت حينما قال: 

_العلاقة بتتطور ما بينك إنتِ وهي، بتستريحوا لما بتقعدوا تندبوا مع بعض حظكم الاسود. 


رفعت وجهها إليه، ونظرات الكره تسددها نحوه، بينما تجيبه: 

_حظنا فعلًا أسود إنك في حياتنا. 


مال للخلف من شدة ضحكاته المرعبة، وعاد يتطلع لها، بعدما توقف عن الضحك: 

_بلاش تستفزيني أحسنلك يا حلوة، ولا إنتِ غاوية كل شوية أبعتر كرامتك زي الإزاز اللي شايلاه ده. 


وزعت نظراتها بين البقايا التي تحملها وبينه، ثم رددت بانكسار: 

_متتعبش نفسك، مجرد ما أشوف وشك كل يوم بيقل من كرامتي. 


قبض على خصلاتها بغضب، وقربها إليه بينما يقول: 

_معرفتي أنا اللي بتقل من كرامتك ولا قذارتك؟  شكلك رايقة النهاردة وأنا ميخلصنيش أشوفك كده وأعكر مودك، تعرفي أنا جاي منين؟ 


ظهر الإرتباك جليا على ملامحها، فتابع هو: 

_من عند حبيب القلب، عرضت عليه أطلقك وترجعيله  وقالي إنه لما بيرمي جزمته مش بيلبسها تاني!   شوفتِ إنتي رخيصة عنده وعندي! 


تهاوت دموعها تباعًا وحطام قلبها يتعالى بانكسارٍ،  فتبسم بفحيحه الخبيث وهو يتابع: 

_هو إنتِ كنتِ زارعة أمل الرجوع ليه تاني بعد اللي عملتيه!  يا حرام! 


أبعدت يده عن خصلاتها وصرخت بانهيار: 

_مش عايزة أرجعله ولا عايزاك، سيبني في حالي بقى! 


قبض على قبضة يدها الحاملة لبقايا الزجاج بقوةٍ أدمتها وجعلت الدماء تنسدل من بين كفها، وهي تتلوى ألمًا وتترجاه أن يتركها، بينما يتابع هو بصوتٍ قاتم: 

_مش هسيبك إلا بمزاجي، نهاية حياتك معايا بقبرك يا رحيق. 


ودفعها للخلف بقوةٍ، ثم نهض يتجه للحمام، بينما تضم هي كفها الغارق بالدماء، تنزع الزجاج عن لحمها بدموعٍ أغرقت كفها، ووجع أدمى قلبها المقهور! 

                               ******

ركضت إلى فراشها، تتمدد من فوقه وهي تسحب الغطاء على جسدها المرتجف، يدها تكبت شهقاتها ودموعها المنهارة، لا تصدق أنها نجت الآن، فماذا لو استمع "هارون" لحديثها؟! 


إنفجرت بالبكاء ويدها مازالت تكبت صرخات كادت أن تحطم حوائط غرفتها، واذ فجأة يصل لها صوت طرقات باب الغرفة، مما دفعها لكثرة البكاء ورعشة كادت أن تصيبها بسكتة قلبية. 


وضعت "رزان" يديها على أذنيها حتى لا تستمع للصوت، وحينما توقف إستدارت تجاه باب الغرفة بخوفٍ، فاذا بها تشعر بحركة خافتة تجاه شرفتها المفتوح بابها. 


إستدارت ببطءٍ صوبها، فوجدته يقف قبالتها، فزعت عن نومتها وهي تتراجع لنهاية الفراش، ولج "كِنان" للداخل بخطواتٍ بطيئة ونظرات متعبة، حزينة، جلس على نهاية الفراش وتنهد بضجرٍ: 

_وبعدين يا رزان؟ 


ضمت ساقيها إليها وهي تجلس على الوسادة، وتتطلع له بنظرات حائرة، فاذا به يستدير تجاهها يتفحصها بنظرة طويلة، ثم صرخ فيها بغضب: 

_متبصليش كده!!  مش أنا اللي يتخاف منه!  بالذات إنتِ مينفعش تخافي مني! 


وضعت كفيها على أذنيها وتحرر صوت بكائها، بشكلٍ دمر قلبه الضعيف، فاستدار بجسده صوبها وقال وهو يكبت غضبه: 

_لو وجودي مضايقك همشي، بس مش قبل ما أقولك اللي جيت عشان أقوله، وعشان أتكلم لازم تكوني هادية عشان تستوعبي كلامي. 


طالعته باهتمامٍ لمعرفة ما سيقول، فتنهد وهو يهتف بغموضٍ: 

_عايزك تعرفي إني عمري ما خدعتك ولا إتسليت بيكِ، أنا فعلًا حبيتك يا رزان ومن كل قلبي، واتمنيت تكوني ليا بس ده لما كنت إنسان طبيعي. 


رمشت بعدم استيعاب، ورددت: 

_إنسان طبيعي!! 


تجاهل ما تقول، واستطرد بقوة: 

_حاليًا مينفعش يكونلك وجود في حياتي بأي شكل من الاشكال، ولو بعمل ده فبعمله عشان أنا بحبك، حمايتي ليكِ أهم من أي مشاعر أو عواطف جوايا ليكِ. 


وأضاف وهو يبتلع آلآمه المريرة: 

_عالمنا ده اللي بيدخله ووراه حد بيتحامى فيه بيخسره، أنا عايش في كوابيس مش بتنتهي بسبب نوح، فمقدرش أزود وجعي بيكِ يا روز. 


تغاضت عن كل شيء وقالت بحيرة: 

_إنت إزاي عندك أجـ..... 


بلعت حديثها حينما أوقفها بخشونة: 

_قولتلك اللي حصل النهاردة ده تنسيه، وإلا حمايتي ليكِ هتكون مستحيلة. 


تغاضت عما قال، وعادت لسؤاله: 

_هارون زيك؟ 


احتشد الغضب في بنيتاه، وانتقل لها بسرعة أرعبتها، شدد على معصمها وهو يصرخ فيها: 

_إنتِ مبتفهميش!!  قولتلك إنسي اللي حصل وإلا حياتك هتكون التمن سامعــــــــة؟


هزت رأسها برعبٍ،بينما يتابع هو بشكٍ:

_أنا جيتلك مرتين ملقتكيش،كنتِ فين؟


ابتلعت ريقها بارتباكٍ، ورفعت بصرها للاعلى، فجن جنونه وهو يصيح بصدمة:

_أوعى تكوني قولتي لرحيق حاجة؟ 


تراجعت للخلف والذعر يستحوذ عليها،بينما يتابع كِنان:

_رزان اتكلمي، إنتِ اتكلمتي عني في شيء؟  


هزت رأسها بخوف، بينما لا يستطيع هو تخيل الامر، مرر يده على شعره الطويل وصوت أنفاسه المختنقة تتعالى كأنه على وشك أن يتحول بأي لحظة، لا يعلم كيف إستدعى هدوءه وهو يخبرها بنبرة هادئة: 

_جناح هارون كله مزروع بالكاميرات، لو اتكلمتي معاها صارحيني يا رزان عشان أقدر أحميكِ منه.


هزت رأسها مجددًا،وهمست بخفوت:

_مقولتش حاجة.


طالع خوفها منه بألمٍ، فابتعد وهو يتجه للخروج من غرفتها، بينما تتابعه هي بتوترٍ وخوف، وخاصة حينما أكد لها أن معرفتها الحقيقة ستجعلها فريسة لأخيها اللعين.


شعرت بأن عقلها تعطل عن العمل كليًا، جسدها يئن أوجاعًا أرغمتها على الاستسلام للنوم، وما أن تأكدت عينيه المراقبة لها من غفوتها،حتى خرج من الشرفة يخطو صوبها!


جذب "كِنان" الغطاء عليها وانحنى يميل على كفيه وهو يهمس بصوتٍ مُتعب:

_مصرة تقدمي نفسك قربان لهارون! 


وتنهد وهو يبتسم في مرارة: 

_مش مكتوب ليا الراحة طول ما قلبي بينبض ليكِ!

                    *************

    تسلل ليلًا لغرفتهما، فوجد رفيقه يغفو ويده مسنودة على عينيه، تمدد "زين" جواره، وهو يهتف بنزقٍ: 

_جايلك قلب تنام يا قاسي وأنا بره بتنطط فوق الجبال عشان أجيب الفلاشة! 


أتاه صوته الساخر يجيب: 

_يا ريته تنطيط فوق الجبال على الاقل له هيبة، مش قرد بيتنطط من شجرة للتانية! 


توسعت زيتونته بصدمةٍ،  فإذا به يبعد الغطاء عن جسده، فوجده يرتدي ملابس الخروج، فصاح باستغراب: 

_إنت كنت بتراقبني يا جارحي؟! 


إحتدت عسليته بشكلٍ متقن، وقال بثباتٍ مضحك: 

_مفيش بني آدم عاقل بيثق في قرد يا زين وإنت للأسف قرد! 


وأضاف وهو يفشل بكبت ضحكاته: 

_عاملي فيها طرزان؟! 


ضحك برفقته وهو يتمدد جواره مرددًا بنعاسٍ: 

_لا أنا أجمد منه عشروميت ألف مرة، وأدائي يثبت كلامي! 


إبتسم "ياسين" وعاد يتمدد جواره، وهو يهيم بسقف الغرفة، ثم قال: 

_محكتليش حوار مرين مع الكلب ده بالتفصيل، رميتلي إشارة مختصرة ان الامور بخير! 


مال برأسه تجاهه وقال ضاحكًا: 

_من إمته وانت بتهتم بتفاصيل أي حاجة يا شريك!  ده إنت خلقك على طول كنز ومالكش مناهدة للأحاديث! 


اشتعل فيه الغضب، فنقله له: 

_هو إنت لو موقفتليش على الواحدة مترتحش أبدًا. 


توالت ضحكاته، وقال من بينها: 

_لا يا سيدي مش هقفلك، عمومًا هي مقالتليش أزيد من إنها نجحت تلفه. 


كاد "ياسين" أن يتحدث، فأوقفه "زين" وهو يميل برأسه فوق كتفه: 

_متقلقش يا حبيبي حذرتها للمرة الألف، ريح وارتاح انت وسبني أنا كمان أخذ قليلًا من القيلولة الليلية. 


عبس وهو يراه يستولي على كتفه، فصاح بضيق: 

_هو إنت مش ليك سرير؟ 


أجابه وهو يغلق عينيه باستسلامٍ: 

_الجو برد يا جارحي، ميبقاش قلبك قاسي عليا ورقيق وحنين مع مروان اشطا؟ 


إحتقنت مُقلتيه غضبًا، وهتف من بين اصطكاك أسنانه: 

_طيب إبعد عشان أعرف اضربك! 


طوق رقبته وهو يشاكسه: 

_لا أنا مرتاح كده صدقني، نام ورانا فلاشة عايزة تتشفر بكره!! 


وسرعان ما إستسلم "زين" للنوم، بينما حُرم النوم على "ياسين" وقلبه يخفق اضطرابًا لما قد تقدم "مرين" على فعله. 

                            ********** 

مع اشراقة صباح يومٍ جديد، إعتاد فيه صباحًا إستخدام حذاء (الباتيناج) عسى أن يخفف عنه إختناق صدره، ظل "نوح" يتزلج حول القصر وباله مشغول بها، مازالت ترفض الرد على رسائله ومكالماته، حتى الجامعة خففت من ذهابها إليها، واليوم لن تستطيع الغياب مجددًا في الاختبار الاساسي الخاص بها. 


كان متلهفًا لرؤيتها بشكلٍ غير موصوف، وبقي لساعتين يتزلج بالحذاء الذي يمنحه حرية كبيرة، وسعادة تفوقها. 


توقف "نوح" عن الركض به حينما لمح أخاه يتابعه وهو يستند على الشجرة القريبة منه، فإذا به يرنو إليه وهو يردد بأنفاسٍ لاهثة: 

_مش عادتك يعني تصحى بدري؟ 


حافظ "كِنان" على ثباته، وقال بصوتٍ لمس فيه "نوح" الغضب: 

_مين جاب رزان النايت كلوب؟ 


نزع قفازاته وإنحنى يخلع حذاءه وهو يجيب: 

_هي طلبت مني أوصلها وأنا معرفتش أقولها لا. 


هز "كِنان" رأسه ببطءٍ ورنا إليه وهو يتطلع جانبًا حتى لا يرى أخوه نظرته الخطيرة، إعتصر نواجذه كي يبدو هادئًا: 

_مش أنا سبق وقولتلك متخطيش خطوة بدون ما أكون على علم بيها؟ 


إبتلع ريقه بارتباكٍ، وقال: 

_أنا معملتش حاجة أكتر من إني وصلتها، كان باين إنها واقعة في مشكلة ومحتاجالك، حاولت أتكلم معاها بس هي مرضتش تقولي مالها. 


توقف رأسه الآن أمامه، يجحمه بلهيب عينيه، وببطء مرعب قال: 

_متصلتش بيا ليه وبلغتني، واستنيت ردي عليك إذا كنت توصلها ولا لا؟! 


ردد بتوتر قبالته: 

_مهو آ... 


رفع إصبعه يوقفه عن تبرير أي شيءٍ قد يلجأ له، وصاح ينذره: 

_إياك تتصرف من دماغك تاني يا نوح، مش هعيد تاني كلامي وتشديداتي عليك، سبق وقولتلك خليك بعيد عن أي حاجة بتحصل في القصر هنا، وأولهم عثمان و هارون، وإنت مصر بردو تقحم نفسك في أمور أخطر منك. 


ازدادت ربكته قبالته، وراح يبرر: 

_لو تقصد زيارتي لعثمان عشان تالا، فأنا كنت بعمل معاه محاولة أخيرة يمكن آ... 


_حوارك إنت وتالا مُنتهي، كل ما اتقبلت ده كان أفضل ليك وليها! 

قالها "كِنان" بغضب، وعاد يستطرد وهو يحذره: 

_أنا بحاول آمنك من كل اللي حوليك، فأوعى تدمر اللي عملته وبعمله بغبائك يا نوح، ولأخر مرة بحذرك إنك تتصرف من دماغك تاني، فاهـــــــــم! 


هز رأسه بحزنٍ، جعل "كِنان" يزفر بضيقٍ، وهو يجذبه إليه، يضمه بخوفٍ وصل إليه بهمسه: 

_متزعلش مني، أنا خايف عليك يا نوح، إنت أمانة بابا اللي سابها في رقبتي، أنا ليا مين يعني غيرك؟ 


تعلق به "نوح" بقوة، وقال بحبٍ واحترام يكنه لأخيه: 

_عارف، وأوعدك إني مش هخطي خطوة تاني بدون علمك. 


تنهد "كِنان" في راحة، بينما بالاعلى، يراقبهما "هارون" من شرفة جناحه، فتجرع ما بكأسه من خمر، وقال ببسمة شيطانية:

_مش هتقدر تحميه مني، وهتشوف!!                    

                       

                               *****    

إنتهى من صنع الشطائر السريعة، ثم حمل عُلبة الطعام الخاصة بها، ووضعهم بها، وقطع لها الفاكهة التي تفضلها، تحرك "تيام" لغرفتها، يطرق بابها وهو يناديها: 

_مش معقول لسه نايمة، الامتحان خلاص فاضله نص ساعة يا تالا؟! 


خرجت له وهي تلف كالفراشة بفستانها الازرق الفضفاض: 

_لابسة وجاهزة من بدري يا شيف. 


راقبها بإبتسامة جذابة، وربع يديه يتأملها بحب، ويمازحها ضاحكًا: 

_ما شاء الله زي القمر، إيه مطقمة عشان الامتحان يجيلك سهل ولا عايزة تغوي مراقب اللجنة يفكها عليكِ؟ 


ضحكت بملء ما فيها، وقالت: 

_حاجة زي كده، المهم ننجح يا أبيه. 


زوى حاجبيه بنظرة مشاكسة، فتعالت ضحكاتها وهي تشاغبه: 

_أنا بحس اني بقلل من احترامك كل ما أناديك باسمك، فرق ال٨ سنين اللي بينا كبير بردو يا آبيه تيام! 


ضم شفتيه بتلاعبٍ، وخبث: 

_وماله يا تولا ناديني زي ما تحبي، وأنا وعد هصبغلك شعري بالابيض عشان أبانلك أبيه، ولو حاباني أخلعلك سنتين من عنيا. 


احمر وجهها من فرط الضحك، وهو يشاركها، فاذا به يقدم لها حقيبتها قائلًا بسخرية: 

_وهنا هقوم بدور مامي الشاطرة اللي قايمة من الفجر تجهز اللانش بوكس لبنتها. 


سحبت الحقيبة منه بيد واليد الأخرى تفتحها له: 

_ودور بابي اللي بيدي بنته المصروف يا تيتو. 


كشر عن أنيابه بانزعاجٍ: 

_تيتو!! 


سحب "تيام" من جيب بنطاله مبلغًا من المال، وضعه بيدها قائلًا: 

_خلينا في أبيه أكرم. 


ضحكت وهي تعد المال بلهفة، ولم تتنازل عن مشاكسته: 

_كام دول؟ عايزة أعزم البت راندا صاحبتي على عزومة ترم عضمها بعد أول امتحان. 


قال وهو يستدير صوب المرآة المطولة، يتفحص هيئته: 

_هاتيها وتعالي المطعم، العزومة عندي، عشان تعرفي بس إني مجدع وذوق. 


صعدت على المقعد القريب منه، ومالت على رقبته من الخلف تقبل وجنته بسعادة: 

_أحلى واحن أخ في الدنيا كلها. 


ضحك وهو يحاول تخليص ذراعيها من حول رقبته، فاذا بها تقول: 

_أنا اساسًا كنت هجبها المطعم، يمكن تعجبك وأرتبلك الجو معاها. 


تلاشت ضحكاته، واستدار صوبها بحدةٍ: 

_ترتبيلي إيه بالظبط؟ 


زمجرت بعصبية: 

_هو إنت هتعيش عمرك كله عازب ولا إيه؟ 


أوقفها قبل أن تنعرج لتلك المنطقة الخطرة: 

_هاتي حاجتك وحصليني على تحت، أنا اللي هوصلك. 


وتركها وانسحب للاسفل دون أن يضيف كلمة واحدة. 

                             *****

راقب ثلاثتهم المعلومات المدونة بين السطور بسرية تامة، قد تبدو كأنها رسالة خاصة بالدكتوراه، ولكن مع جمع الحروف باتقانٍ تمكنوا من جمع الرسالة المرسلة منها. 


كان "ياسين" يقف على يمين مقعد "زين" الذي يتابع الحاسوب وعلى يساره تقف "مرين" التي رددت بدهشة : 

_إزاي قدروا يوصلوا لتصنيع النوع ده من الروبوت! 


قال "ياسين" ومازالت عينيه على شاشة حاسوب "زين": 

_الظاهر إننا مصوبين عينينا على الشخص الغلط، واستخفينا بعثمان التميمي أوي، وشكل الحكاية كلها بتبتدي من عنده. 


لف" زين" المقعد المتحرك تجاهه وقال: 

_مش قصة الحكاية بتبتدي بمنين يا ياسين، العيلة دي وراهم سر مشترك، والله أعلم قدراتهم واصلة لفين؟  


هز رأسه وتمتم بخفوت: 

_والأهم مين اللي ورا الإختراعات دي كلها، معتقدش تيام لوحده! 


تساءل "زين" باهتمام: 

_إيه تطور العلاقة بينكم. 


اجابه ببسمة خبيثة: 

_بقينا شبه أصدقاء، أخد رقمي بعد إلحاح والنهاردة هتلاقيه بيكلمني من نفسه. 


زوت "مرين" حاجبيها باستنكارٍ: 

_وإيه سر الثقة دي، مش معقول يعني من أول لقاء هيكلمك بعدها على طول! 


رد بثقة تكتسح عسليته: 

_وإيه اللي مش هيخليه يكلم الشخص الوحيد اللي اتعرف عليه بعد الفترة الطويلة دي من العزلة؟ 


تنهد "زين" بمللٍ، فجذب الحاسوب، ودفع المقعد للخلف بعيدًا عنهما، حتى يتمكن من حل شفرة المتبقي من الرسالة. 


ربعت "مرين" يديها أمام صدرها، وقالت: 

_لو اعتمدت على المكالمة دي هتقف محلك سر، لازم تفكر في لقائك التاني بيه بطريقة مختلفة، لان كده بتضيع وقتك يا قائد. 


مال على الطاولة مثلما تقف، وربع يديه امام صدره مثلها: 

_مش كل خطوة تتاخد على الحامي، لازم تتعلمي إزاي تكوني تقيلة يا عنيدة هانم. 


فكت عقدة يديها ورددت بانفعال: 

_انت قصدك إيه؟ 


هز كتفه ببراءة: 

_ولا حاجة. 


زفرت بغضبٍ، واتجهت إلى "زين" هاتفة: 

_زين أنا عايزة الجهاز، عشان لو قدرت أخترق جهاز هارون. 


رفع زيتونته عن الحاسوب، وردد بدهشة: 

_بالسرعة دي؟ 


هزت رأسها وهي تؤكد له: 

_لو لاقيت فرصة مناسبة قدامي هستغلها. 


تحرك "ياسين" صوبهما، وردد: 

_مرين الخطوة دي فيها خطورة كبيرة، احنا هنحاول نعمل ده أنا وزين خليكِ بعيدة. 


استدارت إليه وقالت بعقلانية: 

_هتعملوها إزاي وأنا اللي متمكنة في البرمجيات دي في الفريق كله، وكمان دخولي مكتبه لاستلام شغلي شيء طبيعي، والله أعلم هقدر أدخله تاني ولا لا حتى لو اشتغلت هناك، دي فرصتي الوحيدة ولازم أستغلها. 


تحدث "زين" أخيرًا: 

_مرين معاها حق يا ياسين، وبعدين إحنا عايزين نخليها تنسحب من المكان القذر ده، فكل ما أنجزنا اللي عايزنه بسرعة كل ما كان أحسن. 


هز "ياسين" رأسه بهدوءٍ، وتطلع لها بقلق: 

_أنا مش ضدك في الخطوة دي، بس أديكِ شايفة بنفسك تطور الأشخاص دي واصل لفين؟  فخوفي عليكِ طبيعي إنهم ممكن يكشفوكِ لو إخترقتي الجهاز الخاص بالنايت كلوب. 


منحته بسمة رقيقة وبثقةٍ شديدة قالت: 

_مستحيل ده يحصل، خليك واثق إن زي ما هما مطورين من نفسهم إحنا كمان عندنا الإمكانيات اللي تحيرهم لمية سنة قدام. 


إتسعت ابتسامته حينما إستخدمت نفس جملة الجوكر الذي قالها قبالتهم كثيرًا، تلك الفتاة ورثت كل شيء عن أبيها قولًا وفعلًا. 


قطع الأجواء صوت رنين هاتف "ياسين" الذي اشتراه مؤخرًا وسجله باسم الشخصية التي ينتحلها. 


صوبه لها وقال وهو يغمز لها: 

_قولتلك التقل بييجي منه خطوة مكنتش بالحسبان. 


وانصرف لغرفته وهو يبدأ بنصب شباكه بضحيته "تيام التميمي" الذي أبدى اعجابه الشديد بلوحاته، وظل كلاهما لساعات يتعرف كلاهما على الآخر، ومع ذلك لم يبدأ "ياسين" بخطوة تبادل ارقام الهواتف تركها له، فطلب منه الرقم وبالرغم من أن رقم "تيام" على هاتفه الا أنه ترك له أول خطوة، حتى يقطع أي شك مسبقًا له! 

                               ******   

خرجت من المصعد وهي تحمل حقيبتها، فاذا بالباب يُفتح من أمامها فجأة، لم تندهش "قُدس" التي بدأت تعتاد على هذا الأمر. 


استكملت طريقها للداخل وهي تبحث عنه، كانت ترتدي بنطالا أسود اللون واسعا، وكنزة محتشمة من اللون الابيض، وشعرها معقود للخلف، فمنحها طلة صافية. 


وجدته "قدس" يجلس في ركنٍ مظلم، بعيدًا عن الشرفة مثلما إعتادت رؤيته، تركت الحقيبة قريبة منه، وصعدت الدرج القصير حتى باتت قبالته، تردد بإستغرابٍ: 

_قاعد في الضلمة ليه؟ 


صوتها شق وابل ذكرياته التعيسة، فاذا به يستدير في الظلام تجاهها، تحركت بخفتها لتنير الضوء وقابلته بإبتسامة ساخرة: 

_ها هنبدأ ولا هتطردني بظرافة كالعادة! 


واستكملت بضحكةٍ فاتنة: 

_والله شكلك كده بتخاف من الدكاترة! 


وجدته يتأملها في صمتٍ، فاذا بها تتجه إلى الحقيبة وتعود له قائلة: 

_أنا أستغل حالة الصمت بتاعتك دي، وأشوف شغلي، أنا مش مستعدة أطول هنا في القصر الكئيب ده أكتر من كده، فحاول تساعدني إنك تخف بسرعة. 


وانحنت تضع الجهاز الذي حملته على ساقيه، فاذا به يتهكم من آمالها المبالغ فيها: 

_تفتكري إنك هتنجحي في اللي فشل فيه ٣٢ دكتور قبلك؟ 


جحظت عينيها في صدمةٍ، حتى أنها سقطت للخلف على ظهرها بشكلٍ جعله يبتسم بسخرية منها، بينما تهتف "قدس" بعدم تصديق: 

_٣٢ دكتور!! ليه انت حالتك ميؤوس منها للدرجادي!! 


منع ضحكة كادت أن تتحرر بصوته، ومال صوبها قليلًا يهمس لها: 

_أنا بقول حلال عليكِ المقدم، خديه وإنفدي بجلدك يا دكتورة! 


تبدلت صدمتها لبسمة ماكرة، ونهضت تحمل جهازها مجددًا وترنو إليه قائلة: 

_على فكرة فلوسك متهمنيش، إنت عملت أكتر حاجة أنا بحبها. 


ضيق رماديتاه بعدم فهم: 

_اللي هي؟ 


اجابته وهي تتابع عملها: 

_اتحدتني ب٣٢ دكتور، وأنا بحب الحاجة المستحيلة، وأوعدك إن اللي فشل فيه الـ32 دكتور هتحققه دكتورة مصرية إسمها قدس حازم فضل! 


طالعها بإعجابٍ، كانت تتحدث بثقةٍ جعلته يفشل بتحليل شخصيتها الغامضة، مال للخلف وتركها تستكمل عملها، بينما يتابعها بصمتٍ وثمة شيء ما يضرب أحد حوائط قلبه الأربعة، تهاوت نظراتها عليه فتسببت في بروز أول فجوة! 

                                  ****** 

جلس على طاولة مطعمه المتطرفة على البحر، ينتظر قدومه، فاذا به يرنو تجاهه ويقول مبتسمًا: 

_إتاخرت عليك؟ 


نهض "تيام" يصافحه ويبتسم في حفاوة: 

_بالعكس جيت في أسرع مما تتخيل يا فنان. 


ضحك "ياسين" وجلس قبالته، قائلًا بمكر: 

_ناديني عمر، وبلاش فنان دي، قولتلك الفن عندي له وقته، مبسبهوش يسيطر عليا على طول. 


جلس "تيام" قبالته، وقال بصدق: 

_ليه مبتسبهوش يسيطر، إنت فنان عظيم يا عمر. 


قهقه ضاحكًا، وقال بخبث مقصود: 

_الفن مبيأكلش عيش يا تيام، وأنا عندي أحلام وطموحات لو اعتمدت على الفن مش هيحققهالي. 


بدا الحزن على ملامحه، وقال بوجع ملموس: 

_عندك حق، أوقات بنتخلى عن الاشياء اللي بنحبها عشان نقدر نكمل حياتنا بمستوى معيشة يليق بالوضع الحالي. 


وأضاف وهو ينفض تفكيره عما احزنه: 

_قولي بقى تشرب إيه؟ 


ابتسم "ياسين" وقال: 

_قهوة مظبوطه. 


بادله الابتسامة وقال: 

_عنيا. 


وأشار للنادل يلبي طلبه، فاذا ب"ياسين" يميل على الطاولة ويسأله بحيطة: 

_إنت يعتبر عرفت عني كل حاجة، لكن انا معرفش عنك أي شيء غير انك صاحب المطعم ده! 


عاد الحزن مجددًا إليه، وقال بصوتٍ غائم: 

_أنا يا سيدي كنت مشروع لعالم محترم، ورثت عن أبويا الذكاء واتفوقت في دراستي ، اشتغلت فترة بشهادتي وآ. 


وبارتباك استطرد: 

_بس ملقتش نفسي، فانسحبت من كل حاجة وفتحت المطعم ده. 


هز "ياسين" رأسه، وسأله باستغراب: 

_يعني إنت عايش مع باباك؟ 


نفى ذلك بقوله الحزين: 

_بابا متوفي من أكتر من عشر سنين، ماليش غير أخت واحدة عايشة معايا. 


إدعى دهشته في رد فعله: 

_لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، ربنا يرحمه ويغفر له. 


منحه ابتسامة رسمها بالكاد وقال: 

_يا رب! 

                           ******

إنتهت "تالا" من قضاء الاختبار، خرجت رفقة صديقتها، وكلتاهما تتبادلان الحديث عن أسئلة الاختبار، وما أن خرجتا من بوابة الجامعة حتى وجدت "نوح" يقف أمام سيارته بانتظارها، ورنا يناديها: 

_تــــــالا. 


إستدارت تراقبه بنظرة منزعجة وهتفت لرفيقتها: 

_أنا مش عارفة هو هيسيبني في حالي إمته؟؟! 


حملت "راندا" عنها الكتب وقالت: 

_روحي شوفيه عايز إيه يا تالا، نوح بيحبك وإنتِ بتحبيه صدقيني مش هتعرفوا تبعدوا عن بعض. 


أدمعت عينيها وقلبها يوخزها ألمًا، وبصعوبة سيطرت على نفسها وقالت: 

_إستنيني هنا هشوفه عايز إيه وهرجع. 


هزت صديقتها رأسها، بينما إتجهت "تالا" إليه، وقفت أمامه وهي تتهرب من لقاء عينيه، وقالت بجمود: 

_عايز إيه يا نوح؟ 


تعمق بالتطلع بها في شوق، وأخبرها بحزنٍ: 

_رجعتي تاني تتجاهلي مكالماتي يا تالا!  أنا عايز بس أسالك سؤال واحد، لو تيام جوزك لواحد غيري هتقدري تعيشي معاه؟ 


ضربها وجع عاصف، بشكلٍ جعلها تود أن تصرخ فيه أن يتوقف عما قال، عقلها لا يتخيلها لأحد سواه هو، صاح بها "نوح" متعصبًا: 

_ساكتة ليه، جاوبيني هتقدري؟ 


رفعت عينيها الباكية له، وقالت بانهيار: 

_لا مش هقدر، ولا متقبلة كلامك كله. 


وتابعت وهي تزيح دموعها: 

_يا نوح حرام عليك أللي بتعمله فيا ده، كفايا توجعني أنا قولتلك اني مش هقدر أوجع تيام، ولا أخذله كفايا كل اللي حصله، فبالله عليك تبعد عني. 


تلألأ الدمع بين مُقلتيه، وقال بصوتٍ موجوع: 

_مش عارف أبعد ولا قادر أنساكِ يا تالا. 


أسرع يستدير عنها حتى لا ترى دموعه، بينما يقول بخشونة يخفي من خلفها بكائه: 

_ارجعي لصاحبتك عشان متتأخريش وتيام يعملك مشكلة. 


تنهدت في أسى، واستدارت عائدة صوب رفيقتها التي تقف على بعدٍ منهما، فاذا بسيارتين تقطعان عليها الطريق، ويهبط منها ستة رجال بأجساد ضخمة، سد عليها اثنان منهم الطريق، فحاولت أن تمر من جوارهما، وقفوا قبالتها وأذرعهم تطولها، وتجذبها عنوة للسيارة. 


أبعدت يدهم وهي تصرخ بهلعٍ: 

_إبعد انت وهو، عايزين مني إيــــه؟ 


واستدارت تجاه سيارة نوح تناديه صارخة: 

_نـــــــــــــوح. 


كان يوليها ظهره ليزيح دموعه، وفجأة إنتفض على صراخها، إستدار صوبها فوجد رجلين يقيدانها ويجبرانها على الصعود للسيارة. 


هرع "نوح" لها وهو يصرخ قلقًا:

_تـــــــــــالا.


 كان الأربعة رجال في طريقهم إليه، لتتضح معالم خطة "هارون" القذرة، إثنان لخطف "تالا"، وأربعة لخطف" نوح"، الذي خضع لهم بعد معركة كانت غير متكافئة أمام أربعة من أمهر المدربين على القتال، وما تمكن من فطنته أنهم يمتلكون أوامر مشددة بعدم أذيته!! 


تم فصل كل منهما بسيارة منفردة، تتجه إلى مصيرٍ سوداوي، ربما سيكون خضوع وعودة علاقة كُتب عليها البعد والفراق وعلاقة أخرى الظلم والحرمان! 

  ....... #يتبــــــــــــع. 

#آشباح_المخابرات... #الاقــــــــوى_قـــــــادم 🔥

#آية_محمد_رفعت.. 

            الفصل التاسع من هنا

تعليقات