انتبه له. عبد الرحمن الذي كان يطالع أثر حنين بعدما دخلت المنزل: ها، طب تعالي معايا ندخل الأول أسلم على خالي ومرات خالي والواد مصطفى، وحشوني. ليبتسم بدر: ماشي يا عم، يلا. ويتجهوا ناحية المنزل ليدق بدر الباب، على الرغم من أنه لديه مفتاح المنزل، ولكن ليأخذ نساء المنزل احتياطهم.
فتفتح الباب بعد دقائق حنين، وهي ترتدي أسدالها الأسود الذي يليق جدا بعينيها العسلية مثل أخيها، وبشرتها البيضاء، ووجهها الطفولي البريء ذات الثمانية عشر عام، وحجابها الذي يغطي شعرها الأسود الطويل الناعم. لتخجل كثيرا عند تجد عبد الرحمن يقف أمامها يتأملها. لتتنحى جانبا وهي تنظر للأرض. ليبتسم عبد الرحمن على خجلها ويقول وهو يدلف خلف بدر: إزيك يا حنين. لترد بخفوت وهي مازالت تنظر للأسفل: الحمد لله. ليقول بدر منهيا الحوار:
يلا ادخلي يا حنين، نودي الحاجة عشان عبد الرحمن عايز يسلم عليها. لتومأ له بسرعة وتصعد الدرج سريعا لتنادي والدتها. ليتنحنح عبد الرحمن بارتباك من أن يكون بدر انتبه لنظراتها لأخته. لينظر له بدر فترة قصيرة بغموض ثم يقول: يلا ادخل الصالون تلاقي الحاج جو. ليومأ له عبد الرحمن ويدلف خلفه ليجدوا الحاج محمد.
ينتظر الحاج محمد عبد الرحمن وهو يدلف من الشرفة، لتتهلل ملامحه عند رؤية عبد الرحمن، فهو يعتبره ابنه وهو من ربى بعد وفاة والده مع أخته، ويعزه معزة أبنائه. ليحتضنه بحب وشوق: إزيك يا ولدي، إيه أخبارك، اتوحشتك. ليربت عبد الرحمن على كتفه برفق، فهو يحبه بشدة، فهو ليس فقط خاله إنما في مكانة والده: وأنت كمان يا خالي واحشني أووي، بس خلاص أنا مش هرجع القاهرة تاني وهفضل هنا بإذن الله.
ليرقص قلب تلك التي تقف على الباب فرحا، فحبيبها لن يسافر مرة أخرى وسيظل هنا بجانبها. لتدلف بإبتسامة لم تستطع كبتها وهي ممسكة بصنية القهوة. لينظروا لها جميعا بعد أن دقت الباب ودلفت. ليقف بدر سريعا وهو يأخذ منها القهوة ويقول لها بهفوت وهو ينظر لها: هاتيها واطلعي انتي أوضتك. لتنظر له ثم تخرج سريعا بتوتر، فقد لاحظ بدر نظرات عبد الرحمن العاشقة لأخته وهو لا يريد أن ينظر لها حتى تصبح حلاله إن كان نصيبها. ليضع
القهوة أمام عبد الرحمن: اتفضل يا عم القهوة. لينظر له عبد الرحمن بغيظ يحاول كبته بابتسامة صفراء، فهو قطع عليه تأمله لمعشوقته الصغيرة. قائلا بغيظ يحاول ستره: شكرا. لتدخل هذه المرة زوجة خاله، هذه السيدة الطيبة الأصيلة، فهو يحبها بشدة أيضا. لتقول: إزيك يا بني، عامل إيه، واحشنا أوي. ليسلم عليها بحرارة: وأنتي كمان يا مرات خالي والله. ليجلسوا ويتحدثوا في عدة أشياء. وبعد مدة ينهض كلا من بدر وعبد الرحمن. لتقول
السيدة جليلة والدة بدر: رايح فين يا ولدي، انت لازم تتغدى معانا. ليرفض بأدب قائلا: معلش يا مرات خالي، مش هينفع، لسه عايز أروح أشوف الأرض مع بدر وأمي كمان من الصبح عماله تجهز الأكل عشاني وهتزعل لو ما أكلتش معاهم مرة تانية إن شاء الله. لتومأ بابتسامة: ماشي يا بني، مع السلامة. ليخرجا معا ذاهبين للأرض. في فيلا عبد الحميد المنشاوي.
في غرفة جميلة جدا بألوان زاهية راقية وأثاثها الرائع الذي ينم عن صاحبتها الرقيقة القوية المرحة، نائمة على سريرها الكبير بوضع مضحك كعادتها، وشعرها يغطي نصف وجهها والنصف الآخر مختفي بالوسادة المملوءة بريش النعام. لتدخل الخادمة بعد أن تركت الباب عدة مرات، فهي مربيتها بعدما توفت أمها وهي ذات العامين. تجلس بجانبها على السرير وتربت على كتفها برفق وتنادي عليها:
يا دانه، يا نودي، قومي يا حبيبتي، الساعة بقت ٤ ونص الليل، هيدخل علينا وأننتي لسه نايمة. لتتململ بضيق: توه يوووه بقا يا دادة، عايزة أنام. الدادة نعيمة: يا حبيبتي، باباكي عاوزك، مرديش يصحيكي الصبح قبل ما يروح الشركة، لكن دلوقتي مش عايز يتغدى من غيرك. لتنهض دانه وهي تهذب شعرها: حااااضر يا دادة، قمت أهو. دادة نعيمة: أنا حضرتلك الحمام، ادخلي خدي الشاور بتاعك أكون جهزت الغداء. لتومأ دانه وهي تنهض من السرير: حاضر يا دادة.
لتمشي خطوتين ثم تلتفت لها منادية: دادة. دادة نعيمة توقفت: نعم يا حبيبتي. لتركض لها دانه قائلة وهي تقبل وجنتها: صباح الفل يا قمر. لتضحك عليها نعيمة وهي تربت على رأسها: صباح النور يا حبيبتي، يلا أجهزي بسرعة. دانه وهي تركض للحمام: هواااا. لتضحك عليها نعيمة، فهي تحب هذه المجنونة بشدة وتنزل لأسفل.
بعد فترة تنزل دانه وهي تركض على السلم بفستانها الأصفر الذي يصل لركبتها وبه ورود بيضاء صغيرة جميلة، ورفعت شعرها ذيل حصان، تبدو طفلة في المدرسة وليست شابة متخرجة من كلية إدارة أعمال بنائا على رغبة والدها. لتقبل وجنتي والدها وهي تقول: صباح الخير يا بيدو. ليبتسم لها والدها ولكن يقول بضيق مصطنع: صباح إيه بقا، خلاص المغرب هيأذن يا هانم. لتقول له بدلعها الفطري المعتاد: الله بقا يا بيدو، ما أنا نايمة الساعة ستة الصبح.
عبد الحميد بعتاب: وإنتي حد قالك تسهري كل ده يا حبيبتي، كفاية بقا حفلات وسهر عشان صحتك أولا، وعشان تساعديني في الشركة ثانيا، أمال أنا أصرت ليه إنك تدخلي إدارة أعمال، ما هو عشان تساعديني، ولما ربنا ياخد أمانته محدش يضحك عليكي وتعرفي تعيشي وتمشي الشغل من بعدي. لتقول دانه وهي تقبل وجنته: بعد الشر عليك يا حبيبي، ربنا يخليك ليا، متقولش كده تاني، وبعدين يا سيدي خلاص لو على مساعدتك حاضر، هبقا أروح معاك بس مش دلوقتي.
ليهز رأسه بمعنى لا فائدة: طب يلا عشان أنا هموت من الجوع ومستني سيادتك من بدري. لتبتسم وهي تجذب يده ويسيروا لغرفة الطعام: معلش يا حبيبي، يلا. في أراضي الصعيد الخضراء يقف عبد الرحمن بصحبة بدر. ليقول بدر:
بس يا سيدي، الجزء ده كله بتاعنا، والجزء ده من الأراضي والفيلا دي بتاعت صاحب والدي من أيام الشباب، بس هو سافر القاهرة واشتغل هناك وعمل شركات ومرجعش من ساعتها من حوالي ٣٠ سنة، وأنا وأبويا اللي بنهتم بالأرض وفلوسها بنبعتهاله القاهرة، بس أنا فاتحت الحاج إني عايز أشتري منه الأرض دي بما إنه مش بيجي ومتهموش، ومظنش إنه هيرفض، وأنت تفتح مكتبك هنا في الأرض دي وندخل شركاء، إيه رأيك. عبد الرحمن بتفكير:
والله هي فكرة حلوة أوي، بس تفتكر هو هيوافق ولا ممكن يرفض. بدر بتفكير أيضا: مش عارف والله، بس أظن إنه هيوافق، لأنه بقا رجل أعمال كبير في القاهرة وصعب يسيب كله ده ويجي هنا. عبد الرحمن متسائلا: اسمه إيه الراجل ده. بدر: اسمه عبد الحميد المنشاوي باين. عبد الرحمن بتأكيد: أيوا، ده رجل معروف جدا فعلا، كنت بسمع عنه. في ناحية أخرى من هذه الأراضي يسير مصطفى متجها إلى أخيه. ليسمع صوت صرخة نسائية.
فيلتفت بسرعة للصوت ليجد فتاة آية في الجمال، عيناها زرقاء كالسماء، وبشرة حنطية، وشعر بني غامق طويل يصل لمنتصف ظهرها، مبلل بعد أن سقط عنها الحجاب بفعل وقوعها في الماء، وهي تحاول أن تقوم من بركة الماء الصغيرة التي وقعت فيها وهي تسير حاملة عدد من قطع الخشب. فيمد لها يده قائلا: هاتي إيدك يا آنسة. لتشهق بخضة، فهي لم تنتبه له. فتمسك يده بارتباك بعد أن فشلت محاولاتها للخروج من البركة، ويجذبها هو بشدة لتصطدم بصدره العريض.
فتبتعد سريعا بارتباك: ششكرا. ليقول وهو مازال يتأملها: العفو. لتنتبه لنظراته، لتدرك أنها فقدت حجابها أثناء سقوطها في الماء. لتقول بغضب: اتحشم يا أستاذ وغض بصرك، إني محجبة بس حجابي وقع مني. ليتنحنح وهو يزيح ببصره بصعوبة قائلا: آسف، مش قصدي. لتلتقط الأخشاب وتهم بالذهاب. ليوقفها قائلا بسرعة: استني يا آنسة. لتقف ومازالت تعطيه ظهرها، لتجد شيئا يوضع على رأسها.
لتنظر له بسرعة، لتجده خلع عنه عباءته السوداء التي يضعها على أكتافه. ويقول وهو ينظر لأسفل عينيها: هدومك مبلولة، فلزقت على جسمك. لتحمر خجلا وغضبا من كلماته الجريئة، وهي تنظر أسفل وتعض على شفتيها بارتباك. ليبتعد عنها ويذهب. لتقول بغضب: وقح. ثم تبتسم على شهامته، لتتذكر والدها الذي ينتظرها. لتذهب له سريعا وهي ممسكة بالعباءة لتغطيها بالكامل. ليلفت لها ثانية بعد أن مشى قليلا ليبتسم وهو يراها تتمسك بالعباءة لتغطي نفسها:
يا ترى اسمها إيه الملاك دي.
تابع الفصل التالى من هنا

تعليقات
إرسال تعليق