رواية فتاة الإشارة الجزء السابع والعشرون 27 بقلم اسماعيل موسى

 

رواية فتاة الإشارة الجزء السابع والعشرون 27 بقلم اسماعيل موسى فتاة الإشارةرواية فتاة الإشارة الحلقة السابعة والعشرون ظلّ يامان حبيس جناحه الخاص في المشفى أيامًا طويلة، عالقًا بين نوم ثقيل ويقظة هشّة، كأن جسده يحاول أن يشق طريقه ببطء نحو الحياة من جديد بعد أن أنهكته الضربة القاسية، واستنزفته ساعات الغياب الطويل عن الوعي دون علاج حقيقي.

في البدايات، لم يكن يملك من اليقظة سوى ومضات قصيرة؛ يفتح عينيه لدقائق معدودة، يحدّق في الفراغ بعينين مثقلتين، ثم يستسلم مجددًا للنوم. كانت الأجهزة الطبية تحيط بسريره من كل جانب، تُنظّم أنفاسه بإيقاع ثابت، فيما يملأ صوتها الرتيب الغرفة بصمتٍ ثقيل لا يُحتمل.

كان الأطباء يشرحون لتالا وفردوس أن الخطر الحقيقي لم يعد في الجرح ذاته، بل في الأذى العصبي الذي خلّفته الغيبوبة الطويلة، وما زادته سوءًا محاولات العبث بعلاجه في المشفى القديم. لذلك وضعوا خطة علاج دقيقة ومعقّدة، تهدف إلى إعادة تنشيط وظائف دماغه تدريجيًا، دون أن يتعرض لأي صدمة قد تُربك شفاءه الهش.

في الصباح، كانت الممرضات يعلّقن له المحاليل المقوية لتعويض ما فقده جسده من قوة ووزن خلال غيابه الطويل، ويُعطى أدوية تنشّط الدورة الدموية وتعزز استجابة الدماغ، لتمهّد عودته التدريجية إلى وعي مستقر. أما الليل، فكان امتحانه الأصعب.

هناك، في عتمة النوم، كانت الكوابيس تهاجمه بلا رحمة. يتقلب فوق سريره أحيانًا بعنف، يتصبّب عرقًا كأنه يفر من مطاردة خفية داخل عقله. وفي مرات كثيرة، كانت فردوس تضطر لإيقاظه عندما يبدأ بالهمس بكلمات مشوشة، أو ينادي أسماء لا يعرف أصحابها حتى هو. ولأجل ذلك، وصف له الأطباء جرعات مهدئة خفيفة، تمنحه نومًا أكثر هدوءًا دون أن تفصل وعيه تمامًا، حتى لا تتأخر استعادة ذاكرته. ومع ذلك، ظل عقله يتحرك داخل

فوضى من الصور المتقطعة: حرائق تتراقص،أصوات عالية متداخلة مكاتب مكدّسة بالأوراق،وجه امرأة تبكي بحرقة ووجه آخر، يتكرر بلا انقطاع دون اسم. خلال الأسبوع الأول، لم يستطع يامان التمسك إلا بأطراف ضئيلة من ماضيه. تذكّر اسمه، ثم شركته، ثم أسماء بعض موظفيه. لكن كل محاولة للغوص أعمق كانت تقابَل بإرهاقٍ موحش، وكأن الضباب يحتلّ رأسه في اللحظة التي يحاول فيها الإمساك بالحقيقة.

كانت تالا تزوره أحيانًا، تقف قرب الباب بصمت، تراقبه دون أن تقترب، كأن بينها وبينه مسافة لا تُقاس بالأمتار. أما فردوس، فلم تغادره تقريبًا. ظلت إلى جواره بالساعات، تمسك يده، وتحدّثه عن طفولته، عن أيام مضت، كأن الكلمات وحدها قادرة على إنقاذ ذاكرته من الغرق.

ومع مرور الأيام، بدأت علامات التحسّن تظهر بوضوح أكبر. استطاع الجلوس لفترات قصيرة، ثم بدأ يخطو خطوات مترددة داخل جناحه بمساعدة الممرضين. ورغم أن الدوار كان يهاجمه بين الحين والآخر، اعتبر الأطباء ذلك تقدمًا مبشرًا مقارنة ببدايته. لكن معضلته الكبرى بقيت ذاكرته.

فقد كانت تعود إليه الأحداث مبعثرة، بلا ترتيب أو منطق. يتذكر موقفًا قديمًا بوضوح حاد، ثم يعجز عن تذكّر ما تلاه. ينظر إلى وجه مألوف، لكنه يشعر تجاهه بغربة باردة، كأن المعرفة انقطعت عنه عند حدود الاسم. وفي إحدى الليالي، جلس على سريره يتناول دواءه بصمت، بينما كانت فردوس ترتب الغرفة من حوله. فجأة، توقّف. شرد بنظره في الفراغ، ثم سأل بصوت هادئ، يحمل حيرة خفية: “هي تالا دي تبقى إيه بالنسبة ليا؟

تجمّدت فردوس في مكانها للحظة، قبل أن ترفع عينيها إليه ببطء. أما هو، فظل يحدّق أمامه، غارقًا في شعور غامض، كأن اسم “تالا” يحمل في داخله سرًا كبيرًا… شيئًا مهمًا يوشك أن ينكشف، لكنه لا يزال بعيد المنال،،ومنذ تلك الليلة، لم يعد اسمها مجرد اسم. صار يتردد في عقله أكثر من سواه، يتسلل إلى وعيه كلما خفتت الأصوات من حوله… ويستيقظ داخله إحساس غير مفهوم، يجذبه نحوها دون أن يعرف السبب، وكأن قلبه بدأ يتذكر… قبل أن تلحق به ذاكرته.

قبل ١٥ عام

كانت السياره البورش تنطلق على الطريق الصحرواى، يامان يجلس فى المقعد الخلفى يحتضن قفص تطل منه عيون هره صغيره، كان والده عارض بشده امتلاكه هره خوفأ من​‌‍⁠ رواية فتاة الإشارة - الفصل 27 | مكتبة الروايات الأمراض ولأنه يكره القطط بشكل خاص، وقبل الرحله إلى شاليه الساحل والده منعه من اصطحاب الهره وظل يامان يومين بيكى بلا انقطاع، لكن والدته بقلبها الرحيم اقنعت والده ،ستكون ولد مؤدب، ستجلس فى المقعد الخلفى، الهره لن تخرج من الصندوق، الهره لا تخرج من الصندوق، الهره اللعينه لا تخرج من الصندوق ابدأ، رمقت الهره يامان بعينين لامعتين ،لم يستطع ان يمنع فضوله ومشاعرة ،الهره من حقها ان ترى الطريق أيضآ، كان يرى ان حبسها داخل القفص ظلم وان مكانها حضنه.

احتضن يامان الهره الصغيره وداعب وجهه شعرها الناعم، قبل نهاية الطريق السريع قفزت الهره من حضنه إلى المقعد الامامى، انحشرت أسفل دواسة البنزين ،كافح والده حتى لا يسحقها، مد يده لاخراجها، لكن الهره توغلت أكثر ،اختلت عجلة القياده فى يد والده السياره انحرفت عن الطريق انقلبت عدة مرات فوق رمال الصحراء، شعر يامان بأزيز مروع لكنه تمكن من إخراج نفسه بقدم مكسوره وشرخ فى صدره صفعه وجه والده المسجى على التابلوة بعيون مفتوحه

وكانت والدته راقده بلا حراك ،اشتعلت النار فى السياره عندما حضر رجال الإسعاف تمكنو من إخراج والده ووالدته بصعوبه وقبل ان يصلا المشفى ماتو استعاد يامان وعيه داخل المشفى فى غرفه معقمه وفى كل جزء فى جسمه ابره محاليل طبيه. لا تخرج الهره من قفصها، لا تخرج الهره من قفصها لقد قتلتهم ،لقد قتلتهم ،قتلت والدى ووالدتى ،يرتعش السرير فردوس تصرخ، الاطباء يركضون نحو الغرفه ويامان يردد لقد قتلتهم.

مرت الأسابيع التالية كما أرادت بسنت تمامًا في البداية ارتفعت الأسعار داخل السوق بعدما اختفت منتجات شركة يامان بصورة شبه كاملة وبدأ العملاء يعودون مجبرين إلى شركة صقر المرشدي من جديد بعدما لم يجدوا بديلًا آخر بالكميات المطلوبة انهالت الطلبات على الشركة بصورة ضخمة حتى أن خطوط الإنتاج عملت بأقصى طاقتها بينما كانت بسنت تتابع الأرقام يوميًا بابتسامة انتصار باردة

داخل المكتب الزجاجي الواسع كانت تقف أمام الشاشة العملاقة تراجع نسب الأرباح الجديدة بينما صقر يجلس خلفها يدخن بهدوء واضح الأموال بدأت تعود بسرعة والخسائر التي تحملوها أثناء حرق الأسعار بدأت تختفي تدريجيًا حتى المديرون داخل الشركة عادوا يتحدثون عن عبقرية الخطة التي وضعتها بسنت وكأنها أنقذت الإمبراطورية كلها وحدها

وفي إحدى​‌‍⁠ الليالي دخل مدير المبيعات إلى المكتب بابتسامة واسعة وهو يحمل آخر تقرير للمبيعات ثم قال بحماس إن السوق ابتلع كل الكميات المعروضة تقريبًا وإن العملاء يطالبون بشحنات إضافية بأسرع وقت ضحك صقر براحة حقيقية لأول مرة منذ شهور ثم التفت إلى بسنت قائلًا إن الوقت حان أخيرًا لفتح المخازن وإغراق السوق بالبضاعة المخزنة وتحقيق الربح الحقيقي الذي انتظروه طويلًا ابتسمت بسنت بثقة وهي تغلق الملف أمامها ثم التقطت الهاتف

تابع الفصل التالى من هنا

ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات