رواية فتاة الإشارة الجزء الرابع والعشرون 24 بقلم اسماعيل موسى فتاة الإشارةرواية فتاة الإشارة الحلقة الرابعة والعشرون دخل الرجل المكتب بخطوات هادئة وواثقة كأنه يعرف المكان منذ سنوات رغم أنه يتظاهر بالعكس تمامًا وكانت بدلته الرمادية البسيطة تخفى أى مظهر للثراء المبالغ فيه بينما أخفى جزءًا من ملامحه بنظارة طبية خفيفة ولحية مختلفة قليلًا عن شكله الحقيقى وحتى صوته بدا أهدأ وأبطأ من المعتاد وكأنه تعمد تغيير طريقته بالكامل
رفعت تالا عينيها نحوه بعدما سمحت له بالدخول ثم أشارت إلى المقعد أمامها وقالت اتفضل جلس الرجل ووضع حقيبة جلدية صغيرة بجواره ثم أخرج ملفًا مرتبًا بعناية ووضعه فوق المكتب بينما لاحظ بعينيه السريعتين الإرهاق الواضح فوق وجه تالا وكثرة الملفات المتراكمة حولها والهواتف التى لا تتوقف عن الرنين وكأن الشركة كلها تقاتل فقط كى تبقى حية ليوم إضافى
قال الرجل بنبرة عملية هادئة أنا ممثل لشركة استيراد جديدة ولسه بندخل السوق وسمعنا إن عندكم مشاكل تصريف فى بعض خطوط الإنتاج فقولنا ممكن نستفيد إحنا وأنتم فتحت تالا الملف بسرعة وبدأت تراجع الأوراق وكانت الصفقة صغيرة مقارنة بحجم تعاقدات الشركة القديمة لكنها بدت مهمة جدًا فى الوقت الحالى لأنها تعنى سيولة سريعة وتحريك جزء من البضائع الراكدة داخل المخازن
قالت تالا وهى تراجع الأرقام حضرتك طالب كميات متوسطة بس الدفع هيكون فورى؟ أومأ الرجل بهدوء كاش بعد الاستلام مباشرة رفع الحاج عبده عينيه بدهشة من خلف الأوراق لأنه فى الظروف الحالية كان أى عميل يطلب آجالًا طويلة وليس دفعًا فوريًا لكن الرجل ظل يتابع المكتب بعينيه فى صمت وكأن كل تفصيلة داخله تهمه بداية من أماكن الملفات وحتى طريقة تعامل الموظفين خارج الباب الزجاجى
أما تالا نفسها فكان يراقبها بدقة دون أن يظهر ذلك ولاحظ أنها لا تتحرك كموظفة عادية ولا حتى كمديرة مؤقتة بل كشخص يحمل فوق كتفيه حملًا أكبر من عمره بكثير قالت تالا بعد دقائق من المراجعة الأسعار مناسبة بس الكميات دى مش هتحل أزمة التكدس عندنا ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت ثم قال أى مشكلة كبيرة بتبدأ بخطوة صغيرة تأملت تالا الجملة لحظة قبل أن تعيد الملف إليه ثم قالت حضرتك واضح إنك فاهم السوق كويس
رد بهدوء بحاول أتعلم دخل موظف فجأة يطلب توقيعًا عاجلًا من تالا فاعتذرت للحظات وانشغلت بمراجعة بعض الأوراق بينما استغل الرجل الوقت ليتفحص المكتب أكثر وعيناه توقفتا لثوانٍ عند صورة قديمة ليامان موضوعة قرب النافذة ثم سأل فجأة وكأنه يسأل بعفوية هو الأستاذ يامان لسه مسافر؟ توقفت يد تالا للحظة قصيرة جدًا قبل أن ترفع عينيها إليه وكان السؤال عاديًا ظاهريًا لكن توقيته لم يعجبها ردت بهدوء حذر حضرتك مهتم تعرف ليه؟
ابتسم الرجل بسرعة وقال مجرد فضول الاسم معروف فى السوق طبعًا ساد صمت قصير داخل المكتب قبل أن يتدخل الحاج عبده محاولًا إنهاء التوتر المهم الشغل يمشى وربنا يسهل أومأ الرجل وهو ينهض ببطء ثم قال يبقى نعتبر نفسنا اتفقنا مبدئيًا وأنا هستنى ردكم النهائى النهارده بالليل مد يده يصافح تالا فترددت جزءًا صغيرًا من الثانية قبل أن تصافحه وكانت يده ثابتة بصورة غريبة باردة ومسيطرة بشكل لم تحبه
خرج بعدها بهدوء كما دخل بينما ظلت تالا تنظر ناحية الباب بعد خروجه دون سبب واضح سألها الحاج عبده باستغراب مالك يا بنتى؟ سكتت لحظة ثم هزت رأسها وقالت مفيش لكن الحقيقة أن شيئًا داخلها لم يشعر بالراحة لأن الرجل كان هادئًا أكثر من اللازم وواثقًا أكثر من اللازم وكأنه لم يأتِ ليشترى بضاعة فقط بل جاء ليرى بعينيه كيف ما زالت الشركة واقفة حتى الآن
مرت ثلاثة أيام كاملة قبل أن تصل أول شاحنات التحميل إلى المخازن الرئيسية للشركة وكانت المرة الأولى منذ أسابيع التى تتحرك فيها البضائع المتكدسة بهذا الشكل حتى العمال أنفسهم بدت عليهم الدهشة وهم يشاهدون الصناديق تخرج أخيرًا بدلًا من تراكمها اليومى الخانق وقفت تالا تتابع التحميل بصمت بينما الحاج عبده يقف جوارها يحرك سبحته بعصبية لأنه كان يخشى أن تنهار الصفقة فى آخر لحظة مثل كل شيء يحدث مؤخرًا
لكن المفاجأة أن الرجل الغامض لم يتراجع بل وصل بنفسه لمتابعة الاستلام وراجع الأوراق بهدوء شديد ثم أصدر تعليماته للعمال بسرعة وثقة كأنه معتاد على إدارة صفقات أكبر بكثير من تلك التى يدعى أنه يعمل بها وبعد انتهاء التحميل بساعات قليلة دخل أحد الموظفين مكتب تالا يلهث وهو يحمل إشعار التحويل البنكى واتسعت عينا الحاج عبده فور رؤيته وهو يردد الفلوس دخلت الحساب بالكامل كاش زى ما اتفق
ساد صمت قصير داخل المكتب ثم تنهد الحاج عبده بقوة كأنه تخلص من حجر فوق صدره بينما جلست تالا مكانها تنظر إلى الأرقام فى صمت لأن السيولة التى دخلت لم تكن كافية لإنقاذ الشركة لكنها على الأقل منحتهم وقتًا إضافيًا للتنفس وفى مساء نفس اليوم عاد الرجل مرة أخرى ودخل المكتب بهدوئه المعتاد ثم جلس دون مقدمات طويلة وقال واضح إن التعاون بينا ناجح لحد دلوقتى
وضع ملفًا جديدًا فوق المكتب ففتحته تالا بسرعة لكن الراحة اختفت تدريجيًا من ملامحها لأن الكميات المطلوبة هذه المرة كانت أكبر بكثير أضعاف الصفقة الأولى ولو تمت فستفرغ جزءًا ضخمًا من المخازن وتوفر سيولة حقيقية للشركة لكن المشكلة كانت فى الأسعار رفعت عينيها نحوه ببطء وقالت الأسعار دى أقل من السوق بشكل كبير أومأ الرجل بهدوء وأجاب وأقل من أسعار صقر المرشدى كمان بشوية بسيطة تدخل الحاج عبده فورًا بقلق يبقى احنا هنخسر
رد الرجل ببساطة شديدة الخسارة المؤقتة أحسن من الموت الكامل ثم نظر مباشرة نحو تالا وأضاف العملاء دلوقتى بقوا يقارنوا بينكم وبين أسعار صقر ولو فضلتوا بنفس أسعاركم الحالية محدش هيشترى منكم مهما كانت جودة المنتج سكتت تالا وهى تنظر إلى الملف لأنها كانت تعرف أنه يقول الحقيقة فالسوق لم يعد يهتم بالولاء ولا السمعة والكل يجرى خلف الأرخص قالت بعد صمت طويل لو بعنا بالسعر ده هامش الربح هيبقى شبه معدوم
ابتسم الرجل بخفة وقال بس المخازن هتفضى والسيولة هترجع تتحرك والشركة هتفضل واقفة تبادل الحاج عبده النظرات مع تالا فى قلق لأن القرار كان خطيرًا والشركة أصلًا تنزف ماليًا وأى خطوة خاطئة قد تعجل سقوطها بالكامل قالت تالا أخيرًا وهى تغلق الملف أنا محتاجة وقت أفكر نهض الرجل بهدوء وهو يرتب أزرار سترته وقال أكيد بس السوق مش هيفضل مستنى كتير
وقبل أن يخرج توقف لحظة عند الباب ثم قال دون أن يلتفت أحيانًا الشركة بتحتاج تخسر جزء صغير علشان تعرف تكمل الحياة ثم غادر المكتب تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً بينما ظل الحاج عبده ينظر إلى الباب بعد خروجه قبل أن يهمس حاسس الراجل ده مش طبيعى لكن تالا
تابع الفصل التالى من هنا