رواية عمر و عشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم فريدة الحلواني

 

شعور النجاح له مذاق خاص، لا يعلم نكهته إلا من ذاق حلاوته. وها هي تلك القوية التي تحدت الظروف والشيطان الذي يسكنها، تمسك بيدها أول نقود تتقاضاها منذ سنين. بكت وهي تسجد سجدة شكر لله، أكرمها ورزقها وهي داخل بيتها. والصغار يقفون أمامها بفرحة رغم عدم تصديقهم لما حدث. سؤال واحد يدور داخل كل منهما: أحقا لن نحتاج لأبينا الذي كان يتخذ منا عبيدا له؟

رفعت جسدها ثم فتحت ذراعيها لتستقبل داخلها أولادها الذين لا تملك غيرهم في هذه الحياة. ضمتهم بقوة حانية وهي تقول: اللهم لك الحمد، خلاص يا حبايبي ربنا كرمنا ومش هنتذل له تاني، ربنا يرزقني برزقكم وأجبلكم كل اللي عايزينه. أبعد يوسف عنها وقال بفرحة: أنا مش مصدق نفسي يا ماما، والله أنتي بطلة، اشتغلتي وكسبتي وأنتي في بيتك. علا: ربنا بيرزق الدودة تحت الحجر يا حبيبي، أنا توكلت عليه وأحسنت الظن به الحمد لله.

نها: عايزة فون جديد يا ماما، الفون اللي بابا أداهولي بايظ، وهو كل شوية يقولي أنا جبتلك فون ده أحسن حاجة، ده مش عارف إيه. ضحكت على طريقة ابنتها المغتاظة ثم قالت: إن شاء الله هجبلك أنتي وأخوكي، بس شوية كده أجمع مبلغ يكون معانا عشان منحتاجش له ولا لغيره. يوسف: كده يا ماما ممكن نمشي وناخد شقة لوحدنا، مبقناش محتاجين له.

تنهدت بهم ثم قالت: يا حبيبي الخطوة دي مش سهلة أبدا، حتى لو معانا فلوس ونعتمد على نفسنا، بس أبوك مش سهل واستحالة يسبني. لمعت عيناها بدموع وهي تكمل: آخر مرة بقول له أبوس إيدك طلقني عشان خاطر العيال، قالي أطلقك عشان تعيشي مرتاحة، أنسي. بعدها بقول له يعني إيه غير الكلام في ثانية، المهم يا حبيبي مش وقت الكلام ده، سيبها على الله وهو هيدبرها أحسن مني. نها: أنا خايفة بابا يعرف إنك بتشتغلي، هياخد منك الفلوس تاني.

علا: متخافيش يا حبيبتي، أنا عاملة حسابي كويس وربنا يسترها معايا إن شاء الله، أطمنوا ومتفكروش في حاجة غير مذاكرتكم وبس. يوسف: والله بذاكر يا ماما، بس هو دايما يقولي يا فاشل وإن ولاد صحابه أحسن مني. علا بقوة: مش أنا فهمتك حالته يا يوسف، اللي زي ده بيدمر كل اللي حواليه حتى ولاده، أهم حاجة عنده ميكونش في حد أحسن منه. إحنا بقي نعمل إيه؟ نظر لها باهتمام،

فأكملت: نتجاهل أي كلام وحش بيقوله ونكون واثقين من نفسنا، كل اللي عليكم تتجاهلوا أي حاجة بيعملها. نظرت للأمام بغل وهي تكمل: وسيبوني أنا أتصرف معاه زي ما سمعت الدكاترة على اليوتيوب. يوسف: حاضر يا لولو، المهم أنا جعان. نظر بخبث وأكمل بمزاح: في أكل ولا؟ ضحكت بصخب وقالت: عملت بانيه ليكم وهو مكرونة زي ما قالي أعملها. ضحكت نها وقالت: هناكله تحت البطانية زي إمبارح عشان ميشوفوش ويقول منين أو ياكلوا هو ههههه.

ضحكوا معها وأكمل يوسف: بالظبط كده، بس أهم حاجة عود البخور عشان يغطي على الريحة. ضحكت على مزاح أطفالها، ولكن بداخلها قهر، يخبئون الطعام حتى لا يراه ويحرمهم منه. تذكرت بالأمس حينما قال أنه لا يملك المال كالعادة، وكان يجلس طوال اليوم في المنزل. ظلت هي والأطفال جائعين طوال اليوم، إلى أن أتى المساء، وبمجرد أن دلف لينام، قامت بطلب وجبة جاهزة من أحد المحلات حتى لا يناموا وهم جياع كما كان يحدث سابقاً.

هرج ومرج بل زحام كبير يحدث داخلها بعدما سمعت كلماته الحانية العقلانية، تخجل من نفسها، لا تعلم ماذا تقول، ولكنها حقا شعرت إنها بحاجة للتحدث مع أحدهم. ريم: كلامك ده لخبطني وخنقني أكتر. نظر لها بذهول وقال: ليه يا ريم؟ أنا مكذبتش عليكي والله يعلم. بكت ثم قالت: عارفة يا أحمد، بس المشكلة فيا أنا، مش لاقية حد يفهمني، حتى لما بتكلم مع البنات يا إما بيهاجموني أو بيقولوا كلام عادي اللي هو مناسب للموقف وخلاص.

أمسك كف يدها بحنو ثم قال: طب ما تجربي تتكلمي معايا وشوفي يمكن ردي يريحك. ريم: أنت بالذات مينفعش أتكلم معاك أو أقولك اللي جوايا. فهم ما تعنيه فقال سريعا: ثقي فيا، أنسي إننا مرتبطين، اتكلمي وخرجي كل اللي جواكي مهما كان أنا هسمعك وهفهمك صدقيني. نظرت له بشك، ولكن نظراته الحانية شجعتها، أو احتياجها لإخراج ما تحمله من هم جعلها تطلق العنان للسانها كي يصف ما تشعر به.

أنا مقهورة أوي يا أحمد، الموقف اللي اتحطيت فيه كان أكبر من أني أتحمله، بفكر لو مكنش خالي وعمر صمموا أني مقولش لحد في الجامعة على الخطوبة، طب لو كانوا صحابي حضروا وأكيد كنت هقولهم أنه هو العريس كان هيبقى شكلي إيه. طب لو أنت ما أنقذتش الموقف وبقيت العريس قدام الناس كان أهلي هيتفضحوا.

كل ده كوم واللي عمله فيا الزبالة ده كوم تاني، أنا معملتش معاه حاجة وحشة، أنا متعاملتش معاه أصلا ولا عمري حاولت أكلمه، ولما جه كلمني وقالي أنه بيحبني وعايز يتعرف عليا رفضت. حاول معايا كتير بس كنت بصده، كنت عارفة سمعته الزفت مكنش عندي استعداد أكون واحدة من البنات الكتير اللي في حياته. بس تصميمه وقسمه أنه بيحبني خلاني من جوايا أحس أني مختلفة عن كل اللي عرفهم، يمكن ده اللي شدني ليه.

هو اللي قالي عايز يخطبني أنا ما جبرتهوش على حاجة، عشق كانت ديما تقولي أنتي محبتهوش بس مكنتش بصدقها. لما حصل اللي حصل بعد ما فوقت من الصدمة حسيت إن كل اللي قاهرني أني صدقت واحد زي ده ومسمعتش كلام أهلي، مكنتش هسامح نفسي أبدا لو كنا اتفضحنا قدام الناس، حاجات كتير بس أكتر حاجة وجعاني ضميري اللي بيأنبني بسبب أهلي، مكنوش يستاهلوا أني أقف قدامهم عشانه. كلهم فاكرين إني زعلانة وبتعذب عشان بحبه وخاني.

كان يسمعها بانتباه شديد، وحينما وصلت لتلك النقطة قال بلهفة رغما عنه: ما ده طبيعي يا ريم، كلهم عارفين كده بسبب تصميمك عليه. هزت رأسها برفض وقالت بصدق: المشكلة أني مش لاقية وجع جوه قلبي عشان الشخص نفسه، اللي واجعني كل اللي قولتهولك مش أكتر. رقص الفرح داخل مقلتيه ناهيك عن صخب قلبه الذي كان يقرع الطبول بداخله. تمالك حاله وقال بتوجس: أنتي عارفة إن فرحة إنهاردة.

ابتسمت بجانب فمها ثم قالت: الحقيقة لا، مش متابعة أي حاجة تخصه، واحدة من صحباتي كانت بتكلمني عشان زعلانة لأني معزمتهاش. قالتلي في وسط الكلام إن الجامعة كلها مستغربة أني اتخطبت فجأة لحد ميعرفهوش وفي نفس الوقت هو يخطب واحدة زي دي، الكل كان متوقع أنه يخطبني أنا. الصراحة مهتمتش أوي بكلامها وغيرت الموضوع بعد ما سألتني هحضر فرحه ولا لأ. أحمد باهتمام: عشان كده مكنتيش عايزة تروحي الجامعة.

ريم: بصراحة أه، يعني أنا مش بعرف أكدب وأكيد في ناس كانت واخدة بالها أنه بيكلمني أوقات، وأكيد هو كان معرف صحابه أنه هيرتبط بيا. رفعت كتفيها ثم أخفضتهم وهي تكمل بحيرة: مكنتش عارفة هقول إيه، فقولت أغيب شوية تكون الحكاية اتنسيت شوية. ابتسم براحة لم يعرف لها طعما منذ فترة، نظر لها بعشقا خالص ثم قال برزانة: أولا محدش له حاجة عندك، ثانيا أنتي مش هتكدبي على حد لأن أصلا مكنش فيه حاجة بينك وبينه ودي أنا واثق منها.

بمعنى اللي يسألك عليه هتقولي أنتو فهمتوا غلط مفيش حاجة من دي أصلا. نظر لها بقوة حانية ثم أكمل بتردد ولكن بنبرة ثابتة: قوليلهم أنا وابن خالتي بنحب بعض من زمان واتخطبنا، بس كده. احمر وجهها خجلا ثم قالت بمزاح كي تداري خفقان قلبها الشديد: دبست نفسك في جوازة وقولنا ماشي، كمان حب، كده كتير ههههه. مال بجرأة على وجنتها وأهداها قبلة حانية رغم قوتها، لم يهتم بصدمتها.

ابتسم وقال: أحلى تدبيسة في الدنيا، بالله خليني مدبس كده أنا مش عايزة أفُك أبدااااا. ذلك العشق العاقل الرزين، يشوبه بعض الجنون ولكن أساسه العقل. على النقيض تماما، هناك جنون أساسه ومنشأه العشق، لا يوجد به منطق أو عقل، فقط الجنون الذي جعل عشقهما مختلف كل الاختلاف عن غيره. فتلك المجنونة التي أقسمت على أن يأتي إليها بكامل إرادته، بعد أن أجبرته يحادثها عبر مكالمة مرئية.

في​‌‍⁠ رواية عمر و عشق - الفصل 16 | مكتبة الروايات نفس اللحظة كانت تتخلص من ثيابها التي من الأساس لم تكن تستر شيء. تناظرته بتحدي وهي تجلس بتلك الطريقة المهلكة، لم تتفوه بحرف، اكتفت بابتسامة متشفية بعدما رأت جحوظ عيناه ناهيك عن عظمة الحنجرة التي كانت تصعد وتهبط ببطء وصعوبة. حقا رفع لها القبعة، كان فخورا بتربيته لها رغم غليانه وغضبه منها، تعلم مفاتيحه وجرأتها معه تثير جنونه وتلغي عقله. حاول التشبث بحبل الثبات الواهي، افترسها بعينه التي كان يخرج منها لهيب الرغبة.

تحدث بنبرة باردة رغم تحشرجها وقال بوقاحة: حلو الشو ده، المفروض كده أضعف وأجيلك جري صح. سحبت قميصه الذي تحتفظ به لديها، ارتدته أمام عينه المشتعلة بتمهل ثم قالت بجرأة بعدما عضت شفتها السفلي بإغواء: أنا مش محتاجة أعمل شو على فكرة، لأني واثقة إنك حافظ كل حتة فيا وقاعد بتغلي عشان تلمسها من قبل ما أكلمك حتى. غلى الدم في عروقه، تظاهر بالبرود حينما أراح ظهره للخلف رافعا ذراعه كي يضعها

خلف رأسه ثم قال بوقاحة: الحال من بعضه، فالعموم لو عايزاني أنا في الخدمة يا بنت خالي، أهو يبقى بالحلال قبل ما نبعد. هنا ولم تتحمل أكثر، مجرد كلمة كانت بمثابة خنجر طعن قلبها العاشق له. انتفضت من مجلسها وقالت بجنون وتحدي لا يقوى على التصدي له: ولا حتى في أحلامك تقدر تبعد، أنا بجري في دمك يا عمر، أنا روحك، ومحدش بيفارق روحه، غير بالموت، وفقط. أغلقت الهاتف في وجهه ثم ألقته بغل فوق الفراش.

ظلت تشد شعرها وهي تدور حول نفسها بجنون، اتجهت نحو خزانة الملابس وأخرجت أول ما طالته يدها، ارتدتها سريعا وهي تحارب دموعها التي تريد الانفجار من مقلتيها، اتجهت للخارج وهي تحاول أن ترى الطريق أمامها. أما هو، زفر بغضب جم ثم قال: طب ما أنتي عارفة يا بنت الكلب، أمال إيه بقي، أخلصي وتعالي اعتذري، هاخدك في حضني حتى من غير ما أعاتبك، وحشتيني يا عشقي، هموت عليكي.

فتحت الباب دون أن تطرقه، نظرت لها حبيبة بعدم اهتمام وهي جالسة فوق فراشها تتصفح هاتفها بهدوء. اتجهت لها ثم صعدت فوق الفراش من الناحية الأخرى، وضعت رأسها فوق صدر أمها وقالت بحزن: متزعليش مني. رغما عنها غلبتها عاطفة الأمومة، لفت ذراعها حول طفلتها الباكية، ثم رفعت الأخرى لتملس على شعرها وهي تقول بحنو: أنا مش زعلانة منك، أنا زعلانة عليكي. ردت عليها من بين

دموعها المنهمرة بغزارة: أنا مش عايزاه يسبني يا ماما، مش هقدر أعيش من غيره. حبيبة بحكمة: يبقي تمسكي فيه بإيدك وسنانك وتعقلي، د لعك وجنانك هما اللي هيخلوكي تخسريه يا قلب أمك. أبعدت عنها وقالت بجنون: أعمل إيه يا ماما، بغير عليه بتجنن لما بشوف واحدة بتبصله ولا يتقرب منه، وقتها عقلي بيتلغي. حبيبة: الغيرة حلوة والجنان مطلوب، بس يا حبيبتي اللي بتعمليه ده مش غيرة، أنتي بتقللي منه ومن نفسك قدام الناس.

اللي بتحاول تقربله دي مش محتاجة إنك تضربيها عشان تبعد، كده هتحس إنك خايفة منها ومش واثقة من نفسك. مجرد ما هتمسكي إيده وتبصلها بتحدي هي كده اللي هتخاف تقرب. أما جنانك ده جميل بس جوه البيت مش بره يا عشق. جننيه وخليه طول الوقت مشغول بيكي، وأنتي جوه بيته، لكن بره خليه دايما يبقى واثق إنك بتشرفيه في أي مكان وبترفعي منه قدام الناس، ده الصح يا حبيبتي. عشق: أنتي كنتي بتعملي كده صح؟ طب علميني.

ضحكت حبيبة ثم قالت بحنين: أنا وأبوكي طريقة معرفتنا مكنتش الطف حاجة، أنتي عارفة القصة، الفرق اللي بيني وبينك إن عمر حبك من يوم ما اتولدتي، آه عرف ستات وأنتي صغيرة بس كنتي في قلبه وعارف إنها فترة وهتعدي. إنما أنا عرفت أبوكي وحبيته وهو أشهر وأكبر نسونجي في البلد، كان رافض الجواز، مكنش عنده استعداد يعيش مع واحدة بس.

حبني وحبيته، جننته وهو طير النوم من عيني، اللي مرينا بيه كان كفيل يخلي كل واحد فينا يتمسك بالتاني لآخر نفس. عشق: بس كنتي مجنناه يا ماما، دايما بيحكيلي. حبيبة: كنت ومازلت الصراحة، بس زي ما قولتلك جوه بيته وفي حضنه إنما بره، بيبقى ملك محدش يقدر يرفع عينه فيه وأنا أولهم. تنهدت عشق بهم ثم قالت بحيرة: طب أعمل إيه، أعتذرله عشان ميسيبنيش. حبيبة بقوة: أما يجيلك اعتذري.

نظرت لها بعدم فهم فأكملت: ماهو الكلمة اللي قالها دي مينفعش تعدي كده بالساهل، مهما حصل بينكم المفروض متخطرش على باله أصلا مش يقولها قدام الكل، لازم يتربي عليها ووقتها اعتذري وتوعديه إنك هتعقلي. زفرت بحنق ثم أكملت بغيظ: وبعدين مش تربيته هو وهاشم كانوا فاكرين هتطلعي إيه يعني. عشق بحزن: هاشم، هو فين هاشم ماهو باعني خلاص.

حبيبة​‌‍⁠ بغيظ: مين اللي باعك ياللي تنشكي، ده كل خمس دقايق يتصل بيا، البت فين، البت أكلت، البت شربت، طب خرجت من أوضتها. ولما يقولي روحي أطمني عليها وأقوله لا يبهدلني ويقفل السكة في وشي. ضحكت عشق بهدوء ثم عانقتها بحب وقالت: ربنا يخليكي ليا يا فراولة، أنتي صح أنا هعمل بكلامك خلاص وهبطل جنان. بعد أن ضمتها بحنو أبعدتها وقالت بمزاح: مش مصدق بقك يا خلف. حكت عشق رأسها وقالت بتردد مازح: ااا... هحاول يعني هحاول بقي وخلاص.

نظرت للأمام بجدية وتصميم ثم أكملت: وحيااااات أمه لأخليه يلف حوالين نفسه ابن أمل.

تابع الفصل التالى من هنا


ahmed hossam
ahmed hossam
كاتب محتوي احترافي درسة في كلية علوم وتكنولوجيا
تعليقات