طعنة قوية من سكين حاد غرست داخل قلبها وهي في منتصف الدرج التي كانت تصعده لتهرب من الثور الهائج. سمعت ما قاله، عقلها توقف عن العمل. لن تتخيل أبداً أن تخرج تلك الكلمات منه مهما حدث. كيف استطاع نطقها؟ هل تخلى عنها؟ لم يعد يعشقها؟ إذاً توجد أنثى أخرى دخلت حياته. أما بالأسفل، الجميع تصنموا وكأن على رؤوسهم الطير. لم يتوقع أحد أن يفعل ذلك. أول من كسر الصمت هي حبيبة، حينما قالت بغضب: حقه، ولو عمل أكتر من كده حقه يا هاشم.
رد عليها ببرود رغم غليانه الداخلي: كسر حقه، أنا هربيه من أول وجديد. صرخت به بجنون: ربي بنتك الأول اللي شربته المر بدلعها المرق. الواد اتحمل جنونها ودلعها لحد ما جاب آخره. أنا حذرتك كتير يا هاشم، كل إنسان ليه طاقة. وبنتك بسببك اتخطت كل الحدود. واتجهت للأعلى، وفي طريقها تقابلت مع ابنتها التي ما زالت تقف دون حراك. الصدمة شلت جسدها. رغم اعتصار قلبها ألماً عليها، إلا أنها نظرت بغضب وقالت:
لو خسرتي عمر، تبقي خسرتي حياتك بحالها. خلي جنانك ينفعك. نظرت لأمها بغل بعد أن أعادتها تلك الكلمات إلى أرض الواقع: أخسر إيه ومين؟ أنتي صدقتي الفيلم اللي عمله ده؟ ما أنا طول عمري كده، إشمعني دلوقتي؟ أكيد اتلم على واحدة هي اللي غيرته، وحشته الوساخة وحنانها. نظرت لها حبيبة بجنون، رفعت كفها ثم هبطت على وجنتها صافعة إياها بقوة وهي تقول: فوووقي بقي. برقت عيناها التي تحجرت داخلها الدموع وقالت: أنتي بتضربيني يا ماما؟
حبيبة بصراخ دون أن تهتم بالذي يقف بالأسفل يغلي من الغضب: كان لازم أضربك من زمان وأكسر دماغك كمان. أنتي إيه؟ طايحة في الدنيا محدش هامك ولا مالي عينك. أبوكي كان بيطلع ميتين أهلي لو رفعت صوتي عليه. ليه سايبك تعملي كده في جوزك؟ هو محدش خلف بنت غيره؟ أنا هعرف أربيكي من أول وجديد يا عشق، واللي ما عملتهوش زمان هعمله دلوقتي. حبيييييبه، صرخ بها هاشم بغل. نظرت له بغضب وقالت:
اللي متقبلهوش على نفسك متقبلهوش على غيرك. عمر ده ابنك وأنت اللي مربيه، ليه ترضاله الإهانة ها؟ كلنا عارفين إن روحه فيها ودلعها آخر دلع. معنى إنه يوصل للدرجة دي يبقى اللي عملته أكبر من إنه يتحمله، أو إن اللي اتحمله منها كتير لحد ما جاب آخره. بنتك عندك يا هاشم، يا ريت تلحقها قبل ما تضيع حياتها. وانطلقت إلى الأعلى قبل أن تبكي أمامهم. مؤمن: أنا هتصل بيه وأجيبه ابن الكلب ده أشوف عمل كده ليه.
هرولت عشق تجاه غرفتها وهي تبكي بإنهمار. بينما هاشم قال بغضب مكتوم: سيبه دلوقتي يا مؤمن، لما يهدي نتكلم معاه ونفهم إيه اللي حصل. أمل: دي عين وصابتنا والله من يوم الحفلة الزفت اللي عملناها. ريم حابسة نفسها في أوضتها مش عايزة تكلم حد، وأدي عشق وعمر هما كمان. أنا هتجنن، ده الواد روحه فيها مهما تعمل كان هو اللي بيداري عليها. إيه اللي حصل لكل ده يا ربي؟ ملك بإنهمار:
أنا هطلع أتكلم معاها وأفهم منها إيه اللي حصل. هتيجي معايا يا هاشم؟ رد عليها بغضب جم: لو شفتها قدامي دلوقتي هكسر عضمها. أكيد عملت مصيبة خلت عمر يوصل للحالة دي. أنا اللي غلطان، دلعي ليها بوظها، بس أنا هعرف أعدلها. ملك، قولي لها أبوكي بيقول لكِ ملكيش كلام معاه. مؤمن: اصبر يا هاشم، مش كده ومش في الوقت ده. كفاية أمها ضربتها أول مرة في حياتها. هاشم:
هي ولا فارق معاها ضرب أمها ليها ولا اللي قاله جوزها لأنها واثقة إني هكون في صفها. لازم تعرف إن أنا كمان قلبت عليها عشان تعقل بقى، كفاية كده. جلست علا صباحاً تعمل بهمّة عالية بعد أن رحل الشيطان إلى عمله. كانت تقوم بتنظيف كمية كبيرة من الخضراوات التي اشترتها بالأمس، تاركة إياها لدى دينا التي رحبت بذلك كثيراً. وقفت تعمل بجد ونشاط ولسانها لا يتوقف عن ذكر الله. تحمده تارة، وتستغفره تارة أخرى، عملاً بقول
النبي صلى الله عليه وسلم: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب". صدح هاتفها الذي وضعته جانبها، ففتحت مكبر الصوت وقالت بمرح كعادتها قديماً: سمارة قلبي وحشتيني. ضحكت سمر بسعادة وقالت: حببتي اللي رجعت تاني، أيوه كده يا لولو. ها طمنيني وصلتي لفين؟ علا بحماس: أصلاً خلصت تنضيف الخضار كله وبكلمك وأنا بحطه في الأكياس بعد ما أوزنه. سمر:
برافو عليكي، طول عمرك شاطرة وقلبك حامي في شغلك. طب كده هتلحقي تدهولي إنهاردة قبل ما الموظفين يروحوا ولا أخليكي بكرة؟ ردت عليها بلهفة: لا طبعاً، بإذن الله ساعة وأخلص. هنزل بدري شوية عن معاد الولاد، أقابل محمد السواق يوصلهملك على طول. سمر: زي الفل. الستات أصلاً ما صدقوا يلاقوا حاجة كده، وكمان قالوا لي لو بتعملي محاشي ممكن يشتروا منك. علا: أعمل ماشي، أي حاجة يطلبوها قوليلهم ماشي، وبإذن الله أعملهم كل حاجة. سمر:
أنا أصلاً قلت كده من قبل ما أكلمك. وكمان في كام واحدة طلبت شوية حاجات من الكتالوج وعطوني المقدم. يلا هيصي يا ست لولو. دمعت عيناها من الفرحة وهي تقول: ألف حمد وألف شكر ليك يا رب. أنا كنت واثقة في ربنا إنه هيكرمني والله. كان مثل البركان الثائر وهو جالس داخل مكتبه ومعه أخيه عمار وحكيم وأحمد. طال الصمت في المكان، والثلاث شباب يتطلعون لبعضهم البعض بتوجس، ولا يريد أحدهم بدء الحديث. ذم أحمد شفتيه بعدم رضى ثم قال بهدوء:
عمر، ينفع تفهمنا إيه اللي حصل بدل ما إحنا قاعدين بنتفرج على نفسنا؟ زفر بغضب جم ثم قال: أنا مش طااايق نفسي. الأفضل تتكلو على الله، مش عايز أشوف حد. عمار: مش هينفع نسيبك لوحدك وأنت في الحالة دي. عمر بجنون: أنت شايفني بشد في شعري؟ سحب نفساً عميقاً في محاولة منه لتهدئة حاله ثم قال: جماعة بالله عليكم سيبوني لوحدي، أنا مش عايز أخسر حد فيكم ومش قادر أتكلم. لو سمحتوا. وقف حكيم وهو يقول بتعقل:
يلا يا شباب، هو فعلاً محتاج يقعد لوحده وأنتم عارفينه لما بيتعصب مش بيعرف يتكلم. وقف أحمد وقال: إحنا في مكتب أبوك، لو احتجتنا رن بس وهنكون عندك. وقرر الثلاثة المغادرة دون إضافة المزيد. بمجرد أن فتح حكيم الباب، قال بصدمة: بابا. هاشم: بره. في لحظة كانوا بالخارج مغلقين الباب خلفهم. عمار بقلق: هنع مل إيه؟ هنسيبهم لوحدهم، دول هيخربوا الدنيا. حكيم:
لا متخافش، عمر ده بالنسبة لأبويا زي عشق وأكتر كمان. عمره ما يهون عليه زعله. كويس إنه جاه هو الوحيد اللي هيقدر يعرف منه اللي حصل. أما بالداخل، وقف عمر احتراماً لدخول هاشم، ولكن ملامحه كانت متحفزة للهجوم المتوقع. هاشم بعتاب عكس ما توقعه الآخر: هانت عليك، قدرت تنطقها؟ هنا، رغماً عنه ظهر الألم والوجع جلياً على ملامحه، بل على نبرته الحزينة وهو يقول: ولا عمرها تهون يا هاشم، تهون على روحي إنما عشقي لا، وأنت عارف.
تقدم منه ثم جلس على الأريكة وقال بأمر حانٍ: تعالى اقعد واحكي لي إيه اللي حصل. فعل عمر ما قاله ثم قال بغضب:
بعد ما أخدتها من الجامعة قالت زهقانة ومش عايزة تروح. قالت لي تعالي نتمشى في المول عشان عايزة أشتري حاجات. قولتلها من عنيا. روحنا واشترينا كل اللي عايزاه، كنا ماشيين نضحك وزي الفل. فجأة بنت خبطت فيا غصب عنها والبيبسي اتدلق عليا. البنت لسه هتعتذر لقيت الهانم جايباها من شعرها وهاتك يا ضرب وشتم، بتقول لها ما تطلعش من بنت شوارع. شيلتها بالعافية وبحاول أهديها وأفهمها إن البنت فعلاً متقصدش. زعقت
لي قدام الناس وتقول لي: أنت عاجبك تلزيق النسوان فيك؟ وكلام كتير. حسيت إن اللي قدامي فعلاً مجنونة مش مجرد واحدة بتغير على حبيبها. هاشم: والبنت؟ عمر بغل: البنت خطيبها كان واقف مع صاحبه، أول ما شاف اللي حصل طبعاً اتجنن. حقه. الأمن أخدنا كلنا والراجل صمم يعمل محضر. بس مدير المول طبعاً اتدخل وحل الموضوع عشان خاطرنا وخلصت على كده. شعر هاشم بالغضب من ابنته التي تخطت كل الحدود. زفر بغضب ثم قال:
أمها ضربتها وأنا قلت لملك تبلغها متكلمنيش. انتفض عمر بجنون وقال بقلب لهيف رغماً عنه: ضربتها إزاااي؟ ابتسم هاشم بحنو وفرحة ثم قال بمزاح: شوف الواد. مش كانت بنتك عندك يا هاشم؟ أنت مال أمك بقى. عمر بغيظ: أنت سبب المصايب دي كلها. بتعمل كل مصيبة والتانية معايا وهي معتمدة إنك هتقف معاها حتى في الغلط. هاشم بدفاع كاذب: طب ما أنت كمان لما بتعمل مصيبة بره بتدافع عنها وهي غلط. عمر بحكمة:
عشان مقدرش أكسرها قدام حد يا هاشم، بس بعد الموقف ما بيعدي بفهمها غلطها. إنما أنت طول الخط بنتي صح، بنتي صغيرة. من الآخر دلعنا إحنا الاتنين فيها بوظها. هاشم: عندك حق. أنا المرة دي مش هدخل. بس قولي ناوي تعمل إيه من غير ما تتغابي على البت، لأني واثق إنك مش هتسيبها بس هتربيها. لمعت عين عمر بالغضب والعزيمة وهو يقول: ناوي فعلاً أربيها. بس إياك تدخل. ضربه هاشم بغل داخل صدره وقال:
مش هدخل، بس متتغباش عليها يا ابن الكلب بدل ما أنفوخك. نظر عمر له بجنون وهز رأسه بمعنى لا فائدة. وعلى الطرف الآخر، كانت الفتيات يجلسن مع عشق يحاولن تهدأتها من البكاء المرير التي لا تقوى على منعه. ريم: أهدي يا عشق، كفاية عياط يا بنتي عينك بقت زي الدم. حبيبة: أكيد قال كده من زعله وشوية وهيّتصل يصالحك. روح: عمر بيعشقك يا عشق، واستحالة يقدر يبعد عنك. ردت بقهر: المرة دي غير. وبكت بقوة وهي تكمل:
مهما أعمل عمره ما فكر يسبني ولا يهددني حتى. ريم بوجل: عشان المرة دي أنتي زودتيها أوي يا عشق. غير إنك غلطانة في البنت، قللتي منه في وسط الناس لما زعقتيله. عشق بجنون: والله ما أقصد، أنا مشوفتش قدامي غير واحدة لمست حبيبي... بتاعي... مش من حق حد يلمسه غيري. إيش عرفني إنها مش زي البنات اللي قبل كده اللي بيتعمدوا يعملوا الحركات الوسخة دي عشان يلفتوا انتباهه. حبيبة:
حتى لو يا حبيبتي، أنتي واثقة من حبه ليكي وإنه مش شايف غيرك. طب أهو سابك، هتعملي إيه؟ لازم تعتذري ليه. انتفضت من مجلسها بجنون ثم قالت بحرقة وقهر: أعتذر له؟ بتحلمي. نظروا لها بعدم فهم فأكملت بقهر وتصميم: وحياة حرقة قلبي على كلمة بنتك عندك يا هاشم، لأخليه يندم. ريم بخوف من هيئتها الإجرامية: ناوية على إيه يا مجنونة؟ عشق اعقلي، عمر مش بيجي بالعند وأنتي أكتر واحدة حافظاه. نظرت للأمام بقوة وقالت من بين دموعها المنهمرة:
وحياة عشقي ليه، لأخليه ييجي لحد عندي. أنا هعرفك بنت هاشم لما تبقي عند أبوها هتعمل إيه... يا عمر.
تابع الفصل التالى من هنا
