رواية تلميذ الجن الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم جمال الحفني
****الجزء السابع والثلاثون*****
أنا ما اتحركتش، فضلت قاعد جنب الجثة، حاسس إن أي حركة زيادة ممكن تبوّظ كل حاجة، كأن المكان كله مربوط بخيط رفيع جدًا وأنا لو لمسته هيتقطع وتقوم الدنيا عليا، إيدي كانت مرفوعة في الهوا قدام الخاتم، بس المرة دي ما لمستوش، كنت بتفرج عليه زي واحد واقف قدام حيوان مفترس مستنيه يغمض عينه لحظة، كان عندي إحساس غريب إن الخاتم بيبص عليا زي منا ببص عليه وبيراقبني زي ما براقبه, كان أشبه بكائن حي متشكل في هيئة خاتم سحري محطوط في صباع دجال ميت..
التراب حوالين الجثة كان بيتحرك ببطء خفيف كأنه بيتنفس، وكل شهيق كنت بحسه بيخش صدري أنا مش القبر، وبرودة غريبة بدأت تزحف على جلدي لحد ما صوت شدام جه واطي من ورايا وكأنه بيهمس جوه ودني, بص كويس بس مش للخاتم للي لابسه..
ركزت عيني على إيد الجثة، وهنا بدأت ألاحظ اللي ماخدتش بالي منه قبل كدا، الجلد رغم إنه ناشف ومشدود على العضم، إلا إن في ارتعاشة خفيفة جدًا في صباعه، حركة لو ما كنتش مركز كنت هفتكرها وهم، بلعت ريقي بالعافية وسألت وأنا صوتي شبه مش طالع, هو حي؟
مرهوب رد بنبرته التقيلة الباردة, لا بس متشبث في الخاتم ومش عايز يسيبه, في اللحظة دي الإيد شدت على الخاتم كأنها سمعتنا، قبضة ميتة، بس مليانة إصرار أكتر من أي إنسان حي، حسيت إن في إرادة جوه الجثة، مش روح، إرادة قديمة، عنيدة، رافضة تنتهي..
افتكرت كلامهم وافتكرت اللي حصل أول مرة، وساعتها فهمت إن القوة هنا مش في الشد، القوة في الفصل، اقطع الرابط، الكلمة دي فضلت ترن في دماغي، بصيت على النقوش اللي على الخاتم، تفاصيل دقيقة، متشابكة، مش مجرد زينة، دي كتابة، عهد، ورباط، حطيت إيدي التانية على جلدي وبدأت أرسم، أعكس كل خط، كل انحناءة، وكل ما كنت برسم كنت بحس إن حاجة بتتسحب من الجثة، مش طاقة بس، كأنني بفك عقدة مربوطة بقالها سنين، الإيد الميتة بدأت ترتعش بشكل أوضح، وصوت خافت طلع من حلقه، صوت مش بشري، أقرب لصدى صوت اتخنق تحت التراب، شدام صرخ كمل ما توقفش, وأنا بالفعل ما كنتش قادر أوقف، إيدي كانت بتتحرك لوحدها، الخطوط بتتكمل كأنها محفوظة في دماغي من غير ما أفكر، وآخر ما خلصت آخر رمز، حصل الصمت...
صمت كامل, تقيل, خانق, وفجأة الخاتم اتزحلق لوحده من صباعه الجثة ووقع جمبها, وبدأت النقوش والرسوم اللي فيه تلف حوالين نفسها بسرعة شديدة كإنها مستنية المالك الجديد اللي هيمسك الخاتم عشان تتقارن معاه وتتطبع على قوته وبعدها تطبعه على قوتها, لكن لما ملقتش حد مسكها بقت حركتها تقل تقل لحد ما هديت خالص وزي ما يكون الخاتم كانت فيه روح واختفت!
مديت إيدي ناحية الخاتم وأنا متردد، وقبل ما حتى أتنفس، عينيه اتفتحوا، ببطء شديد، وركزوا عليّا مباشرة، مفيش بياض، مفيش سواد، عينين باهتين كأنهم شايفين حاجة أبعد مني، ابتسم، ابتسامة واسعة مش مكانها، وسمعته بيقول جوه عقلي, أنت متأخر بس مش مهم، المهم إنك جيت..
جسمي كله شد، حسيت إن في حاجة بتحاول تدخل دماغي، مش فكرة، مش صوت، حاجة بتتسلل جوايا، صور بدأت تظهر قدامي، نفس المكان بس زمان، ناس حوالين القبر، صراخ، طلاسم، والساحر وهو بيتدفن حي وهو لسه بيضحك، والخاتم في إيده، نفس النقوش، نفس العهد، وفهمت في لحظة، الخاتم مش بس مصدر قوته لا, الخاتم هو السبب في النهاية اللي وصل لها الساحر!
صرخت مش هاخده بس صوتي طلع ضعيف، لأن الحقيقة كانت واضحة، أنا لازم آخده، مش عشان أستخدمه، عشان أنهي كل حاجه..
مرهوب لأول مرة اسمعه بيقول بصوت مهزوز وهو بيقولي خده قبل ما الرابط يرجع من تاني, ومن غير تفكير مديت إيدي، بس المرة دي بالقفاز الطاقي اللي شدام كونه حوالين كفي، أول ما لمست الخاتم حسيت بحرارة رهيبة، مش بتحرق جلدي، بتحرق حاجة أعمق، كأنها بتحرق فكرة وجوده معايا، الجثة انتفضت بعنف، وصرخة خرجت منها، صرخة طويلة مليانة غضب ورعب، مش رعب مني رعب من النهاية، شدّيت الخاتم بكل قوتي، وسمعت صوت زي حاجة بتتقطع مش معدن ومش لحم, كان صوت عهد بيتكسر..
في اللحظة دي القبر كله اهتز، التراب بدأ ينهار، والهواء بقى تقيل لدرجة إني مش قادر أتنفس، بس الخاتم كان في إيدي أخيرا، أول ما طلع من صباعه، الجثة سكنت تماما، كأنها عمرها ما اتحركت، والعينين فضلت مفتوحة، بس من غير نظرة، من غير وجود..
وقعت على ضهري برا الحفرة وأنا بلهث، إيدي بتترعش والخاتم فيها، النقوش اللي كانت على جلدي بدأت تختفي تدريجي، كأنها عمرها ما كانت، شدام سكت، مرهوب سكت، لأول مرة أحس إني لوحدي!
بصيت للخاتم في إيدي، كان ساكن عادي قطعة معدن قديمة لو حد حكالي عنه وعن اللي عمله جوه المقبرة مكنتش هصدقه, محدش كان هيصدق غير اللي شاف بعينه..
المهمة انتهت بس أنا كنت حاسس كويس إنها منتهتش ولا حاجه, لإن قبل ما كل حاجه تسكت وقبل ما الصمت يرجع زي ما كان, سمعت همسة خفيفة جدا جايه من الخاتم نفسه وهو بيقولي, أنا خرجت مش اتكسرت..
وساعتها بس فهمت إن المهمة ما كانتش إني آخده, المهمة إني أطلّعه..
فضلت باصص للخاتم في إيدي فترة مش قليلة، لدرجة إن الوقت نفسه حسيت إنه وقف، مفيش صوت مفيش نفس، حتى شدام ومرهوب اختفوا كأنهم انسحبوا فجأة، ودي كانت أول مرة أحس فيها إن وجودهم مش مضمون، وإن أنا ممكن أكون لوحدي فعلا في اللحظة الغلط، حاولت أقنع نفسي إن اللي سمعته مجرد صدى من اللي حصل تحت أو مجرد تأثير، بس المشكلة إن الإحساس ما راحش، الإحساس إن في حاجة صاحية جوه الخاتم مستنياني ومراقباني!
قومت بالعافية من على الأرض، رجلي كانت تقيلة كأنها شايلة وزن مش بتاعي، وردمت الحفرة بإيدي وأنا مش عارف أنا بدفن إيه بالظبط، جثة؟ ولا حاجة كانت محبوسة وخرجت؟ كل حفنة تراب كنت برميها كان بيجيلي إحساس غريب إن تحت في حاجة بتبتسم في انتصار, وده كان أسوأ بكتير من المقاومة، لأن المقاومة معناها خوف لكن القبول؟ ده معناه شيء تاني!
وأنا بخلص سمعت صوت مرهوب لأول مرة من ساعة ما طلعت، بس الصوت كان بعيد، مش قريب زي الأول، كأنه جاي من مسافة كبيرة, ما تبصش عليه كتير..
سألته بسرعة وأنا ببص حواليا, ليه؟
سكت لحظة وبعدين قال, علشان هو بيبصلك برضه..
اتجمدت مكاني..
ببطء وببطء شديد نزلت عيني على الخاتم..
في الأول كان عادي نفس النقوش، نفس اللون الباهت، بس بعد ثواني، حصلت حركة مش واضحة بس كأن الخطوط اتحركت من مكانها جزء صغير جدا، زي كائن حي بيعدّل وضعه، رميت الخاتم على الأرض فورا كأن إيدي اتحرقت، وصرخت, مش همسكه تاني..
شدام ظهر فجأة، حضوره كان تقيل وقريب، وقال بنبرة حادة, غلط لو سبته، هيمشي لوحده!
يعني إيه يمشي لوحده؟
مرهوب رد بسرعة, يعني يلاقي حد تاني..
ساعتها فهمت الخاتم مش مجرد حاجة, ده كيان بيدوّر على حامل..
بصيت له على الأرض، وكان ساكن تاني كأنه بيمثل، كأنه عايزني أرجع آخده بإرادتي، ودي كانت الفكرة المرعبة إنه مش بيجبرك، هو بيخليك تختار.
قربت منه تاني، بس المرة دي بحذر، وقلت, عايزين إيه مني بالظبط؟ أنا نفذت اللي طلبتوه.
شدام رد بثبات, أنت نفذت أول حكم مش آخره...
مرهوب كمل, الخاتم ده كان قيد, دلوقتي بقى أداة, وإنت اللي هتستخدمه...
ضحكت ضحكة عصبية وأنا بسأل, أنا؟ ده انا كنت هموت وأنا باخده...
مرهوب قال بهدوء, علشان كدا أنت المناسب, اللي بيخاف هو أكتر واحد بيفهم الثمن..
سكت شوية، وبعدين سألت السؤال اللي كان لازم يتسأل, ولو رفضت؟
المرة دي الاتنين سكتوا
بس الخاتم هو اللي رد
صوت خافت جدًا، بس واضح جوه دماغي، مش في ودني, هتبدأ تشوف من غيري..
وفجأة الدنيا حواليا اتغيرت!
الصحراء اللي كنت فيها بقت مليانة آثار مش آثار بشر لأ, آثار حاجة كانت ماشية هنا من زمن، خطوط في الرمل بتتحرك لوحدها، أشكال بتتكون وتختفي، ووشوش وشوش في الأرض بتبصلي وتختفي قبل ما أركز فيها، وقعت على ركبتي وأنا بمسك دماغي، وبقول خلاص خلاص, شدام قال بسرعة دا بدأ يسيطر على البصيرة ويخليها مشوشة, وممكن كدا تتجنن, مرهوب قال هو كمان بنبرة كلها زهق, خده وخلاص خلينا نخلص..
إيدي كانت بترتعش وعقلي بيصرخ إني أبعد بس كل حاجة حواليا كانت بتضغط عليا، الرؤية، الأصوات، الإحساس إن في ألف كيان شايفني في نفس اللحظة ومفيش مهرب!
ببطء رفعت الخاتم من الأرض وأول ما مسكته كل حاجه سكتت, سكون مفاجئ, مريح, مخيف, بصيت له لحظة كانت كل حاجه في عقلي بتقولي البسه, وكنت خلاص مسكته في وضع الاستعداد وهحطه في صباعي بس بعدها جاتلي فكرة, فكرة قولتها بصوت مسموع عشان مرهوب وشدام والخاتم كمان يسمعوني, قولت أنا خلاص خدته, لكن استخدمه امتى؟ دا قراري أنا وبس..
#تلميذ_الجن
جمال الحفني
