رواية تلميذ الجن الفصل الثاني والاربعون 42 بقلم جمال الحفني
***الجزء الثاني والأربعون***
فضلت باصص للركن اللي اختفى فيه الكيان وأنا حاسس إن الصمت بقى تقيل بشكل غريب، كأن المكان نفسه مستني رد فعل مني، قعدت على السرير ببطء وحطيت إيدي على وشي أحاول أرتب أفكاري لكن كل حاجة كانت داخلة في بعض، شدام اتكلم الأول بصوت هادي بس فيه قلق واضح وقال "إحنا لازم نعتبره تهديد لحد ما يثبت العكس"
مرهوب رد عليه بسرعة بنبرة حادة "مفيش حاجة اسمها يثبت العكس، اللي يدخل من غير إذن ويتكلم بالطريقة دي يبقى وراه حاجة"
سكت شوية وأنا بفكر في كلامهم وبعدين قلت "هو قال إنه اختبار، وساب القرار ليا، لو كان عايز يأذيني كان عملها"
مرهوب ضحك ضحكة خفيفة بس مليانة سخرية وقال "أو يمكن بيحب يلعب بعقلك الأول"
شدام تدخل بنبرة أهدى "في نقطة مهمة، إحنا ما قدرناش نحدد طاقته ولا أصله، ودي حاجة نادرة، حتى الأقوى منه بيبقى ليهم أثر"
حسيت بعدم ارتياح من الكلام ده، لأن ده معناه إن اللي قدامي مش عادي، قومت من مكاني وبدأت أتمشى في الأوضة وأنا بفكر بصوت مسموع واقول "قبيلة؟ بعتاه ليا أنا! واختبار كمان؟؟"
وقفت فجأة وبصيت لقدام كأني شايفه تاني وقلت "اختبار لإيه بالظبط؟"
مرهوب قال "ممكن اختبار عشان يشوفوا يقدروا يتحكموا فيك ولا لأ"
شدام رد عليه "أو يشوفوا إذا كان ينفع تكون جزء منهم ولالا"
الجملة دي وقفتني لحظة، جزء منهم؟ أنا أصلًا مش فاهم هم مين، رجعت قعدت وأنا حاسس إن الموضوع أكبر من مجرد مهمة جاية، ده فيه حاجة بتتخطط، حاجة أنا في نصها من غير ما أكون فاهم الصورة كاملة، قلت لنفسي بهدوء وبصوت مسموع عشان يسمعوني ويشاركوني أفكاري "لو فعلا في قبيلة بتراقبني، يبقى اللي جاي مش بسيط"
مرهوب قال "يبقى نستعد للأسوأ"
شدام كمل "ونجمع معلومات قبل ما ناخد أي قرار"
هزيت راسي موافق وسكتنا شوية، لحد ما فجأة حسيت بنفس الإحساس اللي حصل من شوية، بس أخف، زي موجة عدت بسرعة، رفعت عيني فورا وقلبي دق، لكن المرة دي ما فيش حاجة ظهرت، مرهوب قال بسرعة "حسيت؟
قلته "آه بس اختفى بسرعة"
شدام قال "ده مش اختفاء، ده مراقبة"
الجملة دي خلت الجو يتشد أكتر، كأننا مش لوحدنا حتى بعد ما هو مشي، خدت نفس عميق وحاولت أتماسك وقلت "تمام لو هو اختبار، يبقى أنا كمان هختبره"
مرهوب سألني "إزاي؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت "هو قال لما أقرر أناديه صح؟ وأنا هناديه، بس مش دلوقتي"
شدام فهم قصدي بسرعة وقال "هتجهز نفسك الأول" هزيت راسي وقلت "بالظبط، لو هو جاي من قبيلة وعنده القوة دي، يبقى المواجهة معاه مش هتكون سهلة، وأنا مش هدخلها وأنا مش فاهم أنا داخل على إيه"، مرهوب سكت شوية وبعدين قال بنبرة أهدى من الأول "قرار مش وحش بس خليك فاكر، النوع ده ما بيجيش غير ووراه هدف كبير"
وقفت تاني وبصيت حواليا في الأوضة، كل حاجة رجعت طبيعية، بس الإحساس الداخلي اتغير، بقيت حاسس إن في مرحلة جديدة بدأت، مرحلة فيها لعب أكبر وقوانين مش واضحة، همست لنفسي وأنا مركز "قبيلة؟اختبار! وأوامر جاية هتخليني أتردد؟"
افتكرت كلامه واتشد قلبي شوية، لأن دي أول مرة حد يلمح إني ممكن أرفض حكم أو أتردد فيه، وده معناه إن اللي جاي ممكن يكسر كل اللي أنا ماشي عليه، شدام قال بهدوء "إنت لازم تحدد من دلوقتي، إيه اللي ممكن ترفضه وإيه اللي لأ"
مرهوب كمل على كلامه وهو موافق وقال "لأن التردد في وقتها ممكن يكلفك كتير"
سكت شوية وأنا بفكر في كلامهم وبعدين قلت "واضح إن اللعبة أكبر من إني أكون مجرد منفذ يمكن ده اللي هو عايزني أفهمه"
الجو فضل هادي بس مش مريح، وكنت عارف إن الهدوء ده مش راحة ده قبل العاصفة، قررت أنام وفجأة أول ما قعدت على السرير حصل وميض زي البرق في الركن اللي ظهر فيه الكيان أول مرة, بصيت بسرعة لقيته ظهر تاني وهو قاعد على ركبة ونص وماسك في الأرض جني باصص عليه برعب وبيبص عليا عشان أنقذه منه, وقبل ما اتكلم كان رفع كف إيده ونزل بيها على رقبة الجني فصلها عن جسمه, مفيش نصل, لا سكين ولا ساطور, قطع راسه بكف إيده عادي جدا, الجني مجرد ما اتقتل الدم بتاعه نزل على الأرض شربته وبعدها شربت الجني دا كإنه مياه وظهرت بقعة من الطاقة مكانه وبعد ثواني كانت اختفت!
الكيان وقف وقال اتكلمتوا عليا كتير وكلامكوا كلّه غلط, مفيش حد فيكم قرّب حتى من حقيقتي, معذورين لإن حقيقتي قليل جدا جدا يعرفوها, أنا "جرموق" التابع الوحيد للمنفذ اللي كان قبلك لأنه كان مكتفي بيا..
وقفت بسرعة من على السرير أول ما قال المنفذ اللي كان قبلك, ليالي كتير فكرت فيها, كان اسمه إيه؟
عنده كام سنة؟
من نفس بلدي ولا بلد تاني؟
حصل إيه معاه وهل مات موته طبيعية ولا حد انتقم منه؟
لولا خطورة الموقف كنت هصرف شدام ومرهوب واقعد معاه الليل كله لوحدي, أسأله ويحكيلي, لكن مينفعش أاّمن لأي حد من أول مرة, إنس كان أو جن..
مشيت خطوة قدام وخلاص هتكلم وفجأة شدام وقف بيني وبينه وهو بيسأله "مهمتك انتهت بموت المنفذ اللي كنت تابع ليه, عايز تنضم لمنفذ جديد ليه؟"
جرموق وقف لحظة كأن السؤال فتح باب قديم جواه، وبص ناحية الأرض قبل ما يرفع عينه تاني, وشه كان هادي لكن جواه حاجة متكسّرة، وقال بصوت ثابت وفيه ثقل غريب""مهمتي معاه فعلا انتهت لكن أنا ما اتولدتش علشان أشتغل مع شخص بعينه"
سكت ثانية كأنه بيراجع عمر كامل مش مجرد إجابة، وبعدين كمل
"المنفذ القديم ما كانش مجرد شخص كان نظام، حلقة، طريقة بتخلي التوازن يمشي بين عالمكم وعالمنا، ولما مات أنا ما ارتحتش، أنا اتفككت"
رفع عينه ناحية شدام مباشرة لأول مرة، وقال
"واللي حصل بعد موته مش حرية ده فراغ، والفراغ في قبيلتي أخطر من العبودية، لأنه بيخلي كل واحد فينا يتحرك من غير معنى، من غير اتجاه، ومن غير أمر يثبت وجوده"
بعدين اتنهد كإنه بيحاول يطلع حاجة تقيلة من صدره، وكمل بصوت أهدى لكن أعمق
"أنا شوفت اللي حصل للي فضلوا من قبيلتي على مدار السنين بعضهم اتجنن، بعضهم اتآكل من نفسه، وبعضهم اتحول لشيء مش معروف حتى لجنسه، لإنهم مبقوش تابعين لحد من الإنس"
سكت لحظة قصيرة، وبعدين قال الجملة اللي غيرت نبرة المشهد كله
"أنا مش جاي عشان أساعد المنفذ الجديد, أنا جاي عشاني أنا قبل أي شيء"
مجرد ما قال كلمته الأخيرة رديت عليه بسرعة وقولت "وأنا قبلتك"
#تلميذ_الجن
جمال الحفني
