رواية عشقت محتالة الفصل الثلاثون 30 بقلم سلمي جاد
البارت 30
في قصر السويسي، وبعد مرور أيام قليلة، كان الهدوء بيسيطر على أركان المكان. جميلة كانت قاعدة في غرفة يزن، لابسة فستان بيتي رقيق، وبطنها بدأت تبرز وتدور بوضوح، مديها شكل يجنن وهي في شهور حملها المتوسطة.
كانت مركزة جداً مع يزن، ساندة براسها قريبة منه وهي بتشرح له مسألة في دروسه، والاتنين بيضحكوا سوا، مش واخدة بالها من العيون اللي مراقباها من ورا باب الغرفة.
أدهم كان واقف عند الباب، مربع إيده وبيتأملهم بتذمر واضح، والغيرة بدأت تنهش فيه. هو نفسه اعترف مؤخراً إنه بقى بيغير من يزن لما بيحس إنه سارق وقت جميلة واهتمامها منه، خصوصاً في أيام إجازته اللي بيستناها بفارغ الصبر.
جميلة بصت ليزن بابتسامة وقالتله:
" زينو ،أنا هسيبك تحل المسألة دي لوحدك لحد ما أقوم أشوف حاجة وارجع لك تاني، وريني شطارتك."
يزن رد بحماس: "حاضر هحلها في ثواني."
قامت جميلة، وأول ما لاحظ أدهم إنها جاية ناحية الباب، استخبى بسرعة في ركن الظل في الطرقة. بمجرد ما رجلها خطت بره الغرفة، حست بإيد قوية بتسحبها فجأة وبتحاصرها بين الحيطة وجسم صاحب الإيد.
جميلة شهقت بخوف، لكن الشهقة دي اتحولت لضحكة رقيقة أول ما لقت عيون أدهم هي اللي قصادها وبتحاصرها بحدة.
"أدهم! خضتني.. فيه إيه؟"
أدهم فضل باصص لها بصمت، ملامحه كانت جد زيادة عن اللزوم، ومردش عليها. جميلة ابتسمت بدلع ومدت إيدها تلمس شعره المترتب وقالت:
"أدهم.. إنت مش عايز تكلمني؟"
أدهم رد بضيق طفولي مضحك:
"والله إنتي مش عارفة يعني؟"
ردت بجهل مصطنع وهي بتميل راسها: "لا مش عارفة.. فيه إيه؟"
أدهم اتنهد بضيق:
"مش عارفة إن النهاردة يوم إجازتي؟ ومن وقت ما صحيت مشفتكيش خالص.. قاعده مع يزن، وأنا كأني مش موجود في القصر.. لو مش فاضيالي قوليلي ونا وأرجع الشركة عادي."
ابتسمت جميلة بحب وحاوطت رقبته بإيدها:
"أولاً، أنا مقدرش مفضالكش يا أدهم.. ثانياً يا حبيبي، يزن امتحاناته قربت جداً ولازم أكون جنبه، فكنت قاعدة معاه أزاكرله."
ملامحه بدأت ترتخي شوية قدام نظراتها، وشدها من وسطها ناحيته برقة وخوف على بطنها:
"شكراً يا جميلة على كل اللي بتعمليه مع يزن.. إنتي عارفة إنك مش مضطرة تت"
قاطعته جميلة بضيق حقيقي:
"أدهم! إنت بتقول إيه؟ إنت عارف غلاوة يزن عندي.. ده ابني الأولاني، ومش هيكون غير ابني يا أدهم، أوعى تقول كدة تاني."
أدهم ابتسم بحب وهو حاسس بصدق كلماتها:
"عارف يا روحي.. والله عارف."
وبعدين رجع كشر تاني: "بس برضه أنا مبحبش تنشغلي عني، أنا بغير يا ستي، ارتحتي؟"
قربت جميلة منه وهمست برقة: "طيب أعمل إيه يرضيك؟"
فجأة، ومن غير إنذار، رفعها بين دراعاته وشالها بخفة. جميلة بدأت تحرك رجلها باعتراض وهي بتبص وراها بخوف ناحية أوضة يزن اللي بتبعد:
"أدهم! نزلني.. عشان خاطري يا أدهم"
أدهم مسمعش لأي اعتراض منها، ومشى بيها بخطوات واسعة وواثقة لحد ما وصل لجناحهم، وقفل الباب برجله وهو بيضحك على كسوفها اللي بيعشقه.
__________________________________
علي خرج من الحمام والبخار لسه مالي الجو، كان بينشف شعره بالفوطة وفجأة وقف مكانه يتأمل المشهد اللي قدامه. ياسمين كانت قاعدة على السرير، ضامة فتون لحضنها بقوة وحنان، والتعب كان محفور تحت عينيها وشاحب على وشها، وهدومها كانت متبهدلة شوية من قعدة الليل الطويل، ومع ذلك كانت بتهزها ببطء وبتدندن لها بصوت واطي وهامس عشان تنيمها.
علي ساب الفوطة من إيده وقرب قعد جنبها، مد إيده ورجع خصلة شعر كانت نازلة على وشها ورا ودنها، وقال بنبرة دافية:
"حبيبتي.. هاتيها عنك شوية، أنتي أكيد هلكتي من شيلتها طول الليل. قومي أنتي دلوقتي خدي شاور يفك جسمك ، وأنا معاها أهو."
ياسمين بصت له بامتنان وابتسامة حب، وادتهاله بحرص وهي بتبوسه من خده:
"تسلملي ياحبيبي."
قامت وجريت على الحمام بسعادة طفولية، وكأنها رايحة رحلة، من وقت ولادة فتون وهي حاسة إن وقتها ملك للبنت وبس، ومش لاقية فرصة تهتم بنفسها أو تعمل أبسط الأشياء اللي كانت متعودة عليها.
بعد ربع ساعة، الباب اتفتح وخرجت ياسمين نسخة تانية خالص؛ ريحة الشامبو والورد فواحة منها، وشها بقى منور ومرتاح، ولابسة بيجامة ستان رقيقة مبيّنة جمالها اللي وحش علي.
وقفت مكانها وابتسمت بحب من المنظر اللي قدامها؛ علي كان منيم فتون في نص السرير، وهي نايمة ببراءة ملوش زي، وهو ساند راسه على المخدة جنبها وباصص لملامحها وعيونه بتلمع بحب الأب. أول ما حس بحركتها، بعد بهدوء وقام وقف قصادها، عيونه كانت بتفحصها بلهفة وكأنه بيشوفها لأول مرة بعد غياب.
حاوطها بدراعاته بحب وسند جبينه على جبينها، وغمض عينيه وهو بيستنشق ريحتها اللي بتجننه، وقال بهمس أجش وخافت عشان الصغيرة متصحاش:
"بحبك أوي يا ياسمين.. بحبك وبشكرك على أجمل هدية في دنيتي."
ياسمين لفت دراعاتها حوالين رقبه ورفعت نفسها شوية، وهمست له بنفس النبرة الدايبة:
"وأنا بموت فيك يا حبيبي.. لولا وجودك جنبي أنا مكنتش عرفت أعمل حاجة."
علي شدد من ضمته ليها وباس جبينها:
"إحنا مع بعض في كل حاجة يا روحي.. ودلوقتي بقى، البنوتة نامت، وأم البنوتة بقت زي القمر، وأنا مش ناوي أسيب القمر ده ينام بدري النهاردة."
__________________________________
في سايبر هاديء ومظلم إلا من إضاءة شاشات الكمبيوتر الباهتة، كان سليم قاعد بتركيز غريب ميليقش بطفل في سنه. عيونه الواسعة السوداء زي الفحم، والمزينة برموش طويلة لدرجة بتلمس بشرة خده اللي باللون القمحي ، كانت مثبتة على الشاشة بنظرة حادة زي الصقر.
على محرك البحث في جوجل، كان مكتوب اسم: رجل الأعمال أدهم السويسي.
سليم كان بيقلب في الصور ببطء، صوابعه ضاغطة على الماوس بغل وحقد مكتوم، وكأنه عايز يخترق الشاشة ويوصل للراجل اللي في الصورة. سليم زي يزن اللي في نفس سنه تقريباً ... لكن شتان بين حياة الاتنين.
قام سليم، دفع حساب قعدته لصاحب السايبر ببرود، وخرج وطلع السلالم المتهالكة للشقة اللي فوق السايبر مباشرة. فتح الباب ودخل بهدوء، لقى والدته ثريا قاعدة في الصالة ذات العفش البسيط جداً اللي بيحكي قصة حالهم المادية الصعبة.
ثريا أول ما شافته ابتسمت بحنان، ومدت إيدها لعبت في شعره الأسود الغزير وقالت:
"أجهز لك الغدا يا سليم؟"
سليم هز راسه بالنفي وهو بيقعد جنبها:
"مش جعان يا ماما.. المهم، أنتي أخدتي دواكي؟"
ثريا بابتسامة باهتة:
"أيوة يا حبيبي، أخدته من شوية قبل ما تطلع."
سليم غمض عينه باطمئنان. رغم صغر سنه، إلا إنه كان شايل هم علاجها وكأنها السبب الوحيد اللي مخليه متمسك بالحياة وبالحلم الصعب وسط الظروف دي.
سكتت ثريا شوية، وبعدين بصت له بنظرة غريبة وقالت بصوت واطي:
"سليم.."
"هممم.. نعم يا ماما؟"
"أوعدني يا سليم.. أوعدني إنك تجيب حقنا وحق أبوك من أدهم السويسي وعيلته. أنا مش ضامنة إني أعيش لليوم اللي أشوفك فيه وأنت بتاخد بتارنا."
سليم بلع ريقه وحس بقلبه انقبض، بصلها بلهفة:
"مالك يا ماما؟ أنتي تعبانة؟ حاسة بحاجة؟"
هزت راسها بتعب وقالت بجمود:
"أنا كويسة يا حبيبي.. بس دي وصيتي ليك. لو حصلي حاجة ومبقتش معاك، متنساش حقنا. عيلة السويسي لازم تدفع الثمن."
ثريا بصت للفراغ بعيون ميتة، وهمست لنفسها بصوت مسموع لسليم:
"وأنا قريب أوي.. هحرق قلب أدهم السويسي، مسألة وقت مش أكتر."
سليم استغرب شرودها وكلامها الغامض، سألها بتردد:
"بتقولي إيه يا ماما؟ قصدك إيه ؟
نفضت ثريا الأفكار من راسها وبصت له تاني وقالت بإصرار:
"مفيش يا قلب ماما.. أوعدني يا سليم."
سليم سكت لثواني، كأنه بيستجمع كل الحقد اللي جواه، وبعدين قال بصوت قوي وأجش
"أوعدك يا ماما.. أوعدك إني هخلي حياتهم جحيم. هاخد حق أبويا من أدهم السويسي وعيلته كلها، وهأذيه في أقرب ما عنده.. زي ما حرمني من أبويا ويتمني، هخليه يدوق نفس الوجع."
(فهموني يعني إيه أبقى في السن ده وأكراش على طفل عنده عشر سنين؟؟؟🙂)
__________________________________
في ردهة القصر الواسعة، كان يزن واقف بسكون وهو ساند ظهره على أحد الأعمدة الرخامية الضخمة، وأدهم واقف قصاده بوقار، ماسك قلم رصاص وبيركز جداً وهو بيعلم علامة دقيقة عند مستوى رأس يزن.
أدهم ابتعد خطوة وهو بيتأمل العلامة بابتسامة فخر:
"كده طولك بقى 155 سم يا بطل.. ما شاء الله."
يزن سقف بإيده بحماس وهو بيتنطط:
"يعني خلاص يا بابا، هبقى زيك قريب؟"
أدهم ضحك وطبطب على كتفه: "أكيد، كمان كام سنة هتطول عن كده كتير، وهتكون أطول واحد في العيلة."
جميلة كانت واقفة بتراقبهم بحماس طفولي، وقربت من أدهم وقالت بدلع:
"طيب قيس طولي أنا كمان، أنا حاسة إني طولت سنتي من وقت الحمل"
أدهم بصلها بابتسامة، وقرب وجهه من وجهها بشدة لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، وبدأ يتأمل طولها بالنسبة له بتركيز مبالغ فيه. جميلة وشها قلب أحمر وخجلت من قربه الزايد، خصوصاً ويزن واقف بيبصلهم بفضول، فهمست بصوت واطي:
"أدهم.. ابعد شوية، يزن واقف."
أدهم رد بمكر وهو لسه قريب:
" أنا بشوف الرقم بس." وبعد ثواني، انفجر من الضحك وهو بيبتعد عنها: "158 سم؟ امشي يا أوزعة من هنا"
جميلة زقته بغيظ ناحية العمود وقالت بتحدي:
"طيب تعالى بقى أما أقيس طولك أنت، عشان نشوف مين اللي بيضحك في الآخر."
أدهم سند ظهره على العمود وربع إيده على صدره بهيبة، وهو بيحاول يكتم ضحكته بالعافية على منظر جميلة وهي بتحاول تشب على أطراف صوابعها عشان توصل لقمة رأسه وتعمل العلامة، بس فشلت تماماً.
نفخت بزهق وبصت حواليها، وجابت مخدتين كبار من على الكنبة وحطتهم في الأرض ووقفت عليهم، وهي بتسند بإيدها على كتف أدهم القوي عشان توازن نفسها، وبطنها المنتفخة كانت قصاد بطنه مباشرة في مشهد رقيق.
جميلة وهي بتنهج من المجهود:
"أخيراً.. وصلت" علمت بالقلم وبصت للرقم بذهول: "193 سم"
يزن فتح بقه بانبهار: "واو أنت طويل أوي يا بابا"
أدهم ضحك وهو بيشيل جميلة من فوق المخدات وينزلها الأرض: "عقبالك يا قلب بابي.. بس جميلة خلاص، نموها وقف لحد كده، هتفضل أوزعة للأبد."
يزن ضم شفايفه بزعل مصطنع وبص لجميلة:
"يعني خلاص يا جميلة مش هتطولي تاني؟ يا حرام.. متزعليش، أنا هبقى أجيبلك الحاجات اللي في مكان عالي وانتي مش بتطوليها لما أكبر."
أدهم كان باصص لجميلة اللي نفخت وشها بغضب طفولي، ومنظرها وهي مقموصة كان لا يُقاوم، فمقدرش يتحمل وانفجر في الضحك. جميلة ضربته بخفة في كتفه ومشيت بغيظ وسابته هو ويزن يضحكوا عليها.
راحت قعدت على الكنبة اللي في ردهة الصالة، وبسبب هرمونات الحمل، الزعل البسيط قلب معاها بضيق حقيقي ودموع محبوسة. بصت حواليها باستغراب لما لاحظت إن أدهم ويزن اختفوا فجأة من قدامها، فهمست بحزن لنفسها:
"للدرجة دي زعلي مش فارق معاك يا أدهم؟ ماشي.."
لكن فجأة، انتفضت مكانها لما دوى صوت أغاني في الصالة بقوة، ومكنتش أي أغاني.. ده كان صوت مهرجانات شعبية صاخب جداً. لفت وشها وراها وفتحت بقه بذهول من المنظر؛ أدهم ويزن كانوا واقفين وراها وبدأوا يرقصوا بطريقة شبابية مضحكة.
أدهم، بكل هيبته ومركزه، كان بينزل كتفه وبيهزه وهو باصص لجميلة بنظرة شقية كلها تحدي وحب، ويزن جنبه بيقلده في كل حركة وهو بيضحك من قلبه. أدهم بدأ يقرب منها وهو بيغني مع الكلمات بطريقة زادته وسامة وشباب :
" سكر محلي محطوط عليه كريمة
كعبك محني والعود عليه القيمة
وتجيبني تلاقيني لسه بخيري
مش هتبقي لغيري
ايوه أنا غيري مافيش
جميلة مكنتش قادرة تقاوم المنظر، وهي شايفه هيبة ورزانة أدهم السويسي طاروا في الهوا، وانفجرت في الضحك وهي شايفاه بيرقص بطريقة شعبية عشان يرضيها.
" بنت الجيران شغلالي أنا عنيا
وأنا في المكان في خلق حواليا
مش عايز حد ياخد باله من اللي أنا فيه
شوفت القمر سهرني لياليا
وهموت عليكي رب العالم بيا
سيبي شباكك مفتوح ليه
ليه تقفليه؟
جميلة مكنتش قادرة تقاوم المنظر ده ثانية كمان، الضحكة انفجرت منها غصب عنها، ونسيت خالص إنها كانت زعلانة ..جميلة حاولت تقوم، وبالفعل قامت براحة وهي ساندة بإيدها بسبب ثقل بطنها، فأدهم قرب منها ،وحاوطها بدراعاته برقة، وبيقرب وشه من وشها وهو بيغني بعيون بتلمع بالحب والهيام:
"بهوايا انتي قاعدة معايا
عنيكي ليا مراية
ياجمال مراية العين
خليكي لو هتمشي اناديكي انتي ليا أنا ليكي
أحنا الاتنين قاطعين
يزن كان بيتنطط حواليهم وبيسقف مع الإيقاع، وأدهم شدد من ضمته لجميلة وهو بيكمل المقطع الأخير بمرح وكأنه بيوعدها إنه مش هيسيبها تزعل أبداً:
" تسيبيني أكره حياتي وسنيني
أتوه ومش هتلاقيني
واشرب خمور وحشيش
وتجيني تلاقيني لسه بخيري مش هتبقي لغيري
أيوه أنا غيري مافيش
جميلة دفنت راسها في صدر أدهم وهي بتضحك بدموع من كتر الفرحة والذهول، وقالت من بين ضحكاتها:
"خلاص يا أدهم.. قلبي هيقف من الضحك."
أدهم رفع وشها وباس جبينها بحنان وقال:
"بعد الشر عنك، المهم الأوزعة بتاعتي وشها يفضل منور بالضحكة دي، ولا إيه يا يزن؟"
يزن رد وهو بيعمل حركة نهاية العرض بطريقةمضحكة: "طبعاً يا بابا."
__________________________________
بعد مرور يومين
كان بيت علي وياسمين قطعة من البهجة، روائح البخور والشموع مالية المكان، وصوت الضحك والأغاني الشعبية الخاصة بالسبوع مالية الأجواء. الكل كان متجمع عشان يحتفل بـ "فتون".
ياسمين كانت طالعة زي الملايكة، فستانها الأبيض المطرز كان بيلمع تحت الإضاءة، والتاج الورد اللي على راسها مع شعرها المنسدل على ظهرها خلاها تبدو رقيقة جداً وكأنها عروسة من جديد. كانت شايلة فتون اللي متكحلة ولابسة أبيض في أبيض، وبدأت ياسمين تمشي وسط الزغاريد وتعدي السبع مرات فوق المنخل حسب العادات، وأغنية السبوع اللي بتقول :
حلاقاتك برجالاتك
حلقة دهب في وداناتك
حلاقاتك برجالاتك
حلقة دهب في وداناتك
علي أول ما خلصت، قرب منها وباس جبينها بحنان، وضمها هي والبيبي لصدره بقوة وكأنه بيعلن للعالم إن دول هما جيشه وسنده، وهمس لها:
"مبروك يا أم فتون.. نورتي بيتي وحياتي."
بدأت الحلقة تكتمل، المعازيم وكل الحبايب لفوا حواليهم على هيئة دايرة، كل واحد ماسك شمعة بيضاء منورة، وصوت أغاني السبوع مالي المكان :
ويا رب يا ربنا
تكبر وتبقى قدنا
وتيجي تعيش وسطنا
وسط الحبايب
تكبر وتروح المدرسة
وتصاحب شلة كويسة
وتشوف عيون أمك وأبوك
فرحانة بيك
يزن كان واقف في نص الدايرة، ماسك الهون النحاس وبيدق فيه بكل قوته وهو بيضحك ومتحمس جداً، وكل شوية يبص فتون الصغيرة اللي كانت نايمة في حضن نادية.
أدهم كان واقف ورا جميلة، محاوط ظهرها بدراعاته بحرص شديد وكأنه خايف عليها من الهوا، خصوصاً مع الزحمة والحركة. كان ساند دقنه على كتفها وباصص لملامحها اللي كانت منورة بالفرحة، وهمس في ودنها:
"بكرة بإذن الله هعملك سبوع يتحاكى بيه القصر كله لما بنتنا تنور."
جميلة لفت وشها وبصتله بحب وسندت راسها على صدره:
"وجودك جنبي هو الفرحة يا أدهم.. أنا مش عايزة غير إننا نفضل كدة علطول."
محمود ونادية كانوا واقفين بيتأملوا عيالهم وهما بيكبروا وبيكونوا عائلة، والدموع مالية عينيهم من كتر السعادة. منى كانت بترش الملح والورد وهي بتقول: "خمسة وخميسة في عين اللي ميصلي على النبي.. ربنا يحميكم من العين."
#رواية_عشقت_محتالة
#الكاتبة_سلمى_جاد
إقتباس من بارت بكرة ...❤️🔥❤️🔥❤️🔥
سليم فتح باب الشقة بعد ما رجع من المدرسة ...الهدوء في البيت كان غريب، هدوء تقيل يقبض القلب. رمى شنطته ونادى بصوت عالي:
"ماما.. يا ماما! أنتي فين؟"
استغرب جداً، لأن ثريا مابتخرجش خالص وتسيب البيت فاضي كده. بدأ يتحرك في الصالة بخطوات قلقة، لحد ما عينه وقعت على ورقة مطوية محطوطة على الترابيزة. مسكها بوجل، وبمجرد ما فتحها وقرأ أول سطور، فتح عينه بصدمه.
"سليم حبيبي.. أنا جبت حقنا وحق أبوك . أنا خطفت بنت أدهم السويسي عشان أحرق قلبه عليها زي ما حرق قلبي. لما ترجع مش هتلاقيني في البيت لأني في مشوار مهم، الطفلة هتلاقيها في أوضتك على سريرك وجنبها حاجتها.. خد بالك منها لحد ما أرجع."
سليم وقف مكانه زي التمثال، الورقة وقعت من إيده وهو مش مستوعب اللي قرأه. "خطف؟ أمي خطفت طفلة؟"
وقبل ما يكمل تفكيره، شق سكون البيت صوت بكاء رضيع، صرخة مكتومة وضعيفة جاية من جوه أوضته.
رجليه شالته بالعافية لحد باب الأوضة، فتحه براحة، واتصدم من المشهد. على سريره، كانت فيه طفلة رضيعة ، جسمها الصغير ملفوف في قماشة وبتبكي بحرقة وهي بتحرك إيديها في الفراغ.
سليم قرب منها ودقات قلبه بتتسارع مع كل خطوة، قعد على طرف السرير وبص لها بذهول...
البنت كانت بتعيط بقوة ووشها الصغير بقى أحمر من كتر الصراخ.
سليم ملقاش حل غير إنه يمد إيده ويشيلها بتوتر، أول ما رفعها بين دراعاته، جسمها كان دافي ورقيق جداً.
"ششش.. بس خلاص.. اهدي."
قالها بصوت متردد، لكن البنت مابطلتش عياط. سليم بص حواليه بقلة حيلة وقال لنفسه:
"أكيد بتعيط من الجوع.. شكلها جعانة أوي."
لمح جنب السرير علبة لبن أطفال وببرونة جديدة لسه بغلافها. ساب الطفلة بحرص على السرير وجري على المطبخ، قرأ الطريقة المكتوبة على العلبة بتركيز شديد ، جهز الرضعة ورجع بسرعة.
شالها تاني وسند راسها على دراعه، وأول ما حط الببرونة في بقها، البنت سكتت فجأة وبدأت ترضع بلهفة. سليم وهو بيتأملها، لقى ابتسامة غصب عنه بتترسم على وشه.. ملامحها كانت لطيفة جدا وهي بترضع.
همس لها وهو باصص في عيونها اللي بدأت تقفل بنوم:
"شكلك كنتي جعانة أوي.. معلش."
دقايق والبنت خلصت رضعتها، واستسلمت للنوم، ومرسوم على شفايفها الصغيرة ابتسامة هادية وهي نايمة. سليم فضل باصص لها بذهول، الحقد اللي كان مالي قلبه تجاه عيلة السويسي بدأ يتزاحم مع شعور غريب بالشفقة والمسؤولية تجاه الكائن الرقيق اللي بين إيديه.
لمس خدها بصباعه براحة وقال بهمس:
"يا ترى اسمك إيه؟.. وإيه اللي مستنيكي ومستنينا يا صغيرة؟"
Salma Gad
